الفصل 304 - المرحلة الأخيرة من الحرب
لم يكن أحد في مدينة البخار يعرف متى بدأ الأمر.
ربما كانت اللحظة التي اتسعت فيها إرادة هارالد حتى ابتلعت المدينة بأكملها.
أو ربما كانت اللحظة التي اختفت فيها تلك الحدود غير المرئية بين الممكن والمستحيل.
لكن الجميع عرف شيئًا واحدًا.
الحرب تغيرت.
وقف هارالد وسط الأنقاض، بينما امتدت هالته فوق المدينة كسماء سوداء لا يمكن رؤيتها، لكنها كانت محسوسة في كل مكان.
كان الجنود يشعرون بها داخل أجسادهم.
تشكلت أسلحة، مغروسة رؤوسها في الأرض في كل مكان.
كان السلاح أساس الحرب، ومجال الحرب تجسيدًا للحرب، لذلك فرض وجود الأسلحة. وحتى لو تحطمت، فستتشكل أخرى جديدة.
ومن عدل السماء أنها لم تكن حكرًا على جنود فيلمونت، بل كانت متاحة لكل من وطئت قدماه منطقة المجال.
سرعان ما تغير أسلوب الحرب.
تقدم جنود فيلمونت كجثث متحركة. لم يكونوا يحملون ترددًا ولا خوفًا، فبعد كل شيء، كانوا امتدادًا لقائدهم.
منحه الإدراك الواسع لفيلمونت قدرة على توجيه الجنود بسرعة ومهارة مثالية، فتقدمت الكتائب وفق تكتيكات محسوبة بدقة.
انقسمت مدينة البخار إلى خمسة شوارع رئيسية، وكانت السيطرة عليها هي خطة جنود التحالف. وبعدها سيصبون كامل تركيزهم على القصر المركزي، ومقر الفرسان، وحي النخبة، فهذه أهم ثلاث مناطق في مدينة البخار، ثم تأتي بعدها نقابة المغامرين، التي سيحاولون كبحها خلال الحرب فقط.
كانت قوات التحالف، وعلى الرغم من قلة تجهيزها، قد أظهرت نتيجة مذهلة بكل ما تعنيه الكلمة، بل وحتى إن قادة التحالف اعترفوا بأن سبب مقاومة قوات فيلمونت طوال هذا الوقت يعود إلى تجهيزهم المتقن.
أولًا، امتلكت قوات فيلمونت ترسانة لا يُستهان بها من الآثار والمعدات ذات الجودة الهائلة، بالإضافة إلى امتلاكهم أفضل الحرفيين في الدوقية بأكملها، دون ذكر المدافع ونخبة فيلمونت، وهارالد الذي يعتبر الركيزة الأولى في جيشه.
الآن، بعد أن تمكن جيش التحالف من السيطرة على أربعة شوارع رئيسية، ودمروا مدفع ألفا، وتمكنوا حتى من كبح متجليين وأربعة متحكمين شاملين، دون ذكر عدد القادة من المتحكمين الذين ماتوا، والذي بلغ عددهم عشرات، كان جيش فيلمونت محاصرًا.
وكان الموت يطل عليهم.
هنا أطلق هارالد قدرته، مجال الحرب، ووضعهم أمام الواقع المؤلم:
ستموت… لذلك قاتل.
لا يوجد أشرس من رجل يدرك أن لا مهرب له من الموت.
كانوا يخافون الموت، ويخافون الألم والخسران، ومع ذلك تقبلوها.
وهذا جعلهم يتقدمون بإصرار لا يلين.
اندفعت القوات متخلية عن الدفاع وأي مظهر من مظاهر الحياة. كانوا أقرب إلى طوفان من الموت والجثث المتحركة.
سرعان ما اشتبك الجيشان.
كانت هذه ثالث اشتباكة مباشرة خلال الحرب، وكانت أشدها.
التقت السيوف، واندفعت الرماح، وأُطلقت السهام، وانفجرت القدرات والآثار.
لم يكن هناك سبب لكبح أنفسهم.
أولئك الجنود الذين يملكون قدرات هجومية بعيدة المدى كانوا في السابق يطلقونها بحساب، محافظين على طاقتهم لأكبر وقت ممكن، لكن الآن اختفى سبب فعل ذلك.
أولئك الذين امتلكوا قدرات تعزيز رفعوها إلى أقصى حد ممكن، مما جعلهم يبدون كأشخاص مختلفين.
وأولئك الذين امتلكوا قدرات هجومية أطلقوها على كل من وقف أمامهم دون تمييز.
تقدم أحد قادة جيش فيلمونت نحو التوأمين، راين وريون، وحاول تسديد ضربة إلى أحدهما.
استجاب له التوأمان؛ تفادى الذي كان عرضة للهجوم، بينما قام الآخر برد هجوم مضاد.
تعثر القائد، لكنه عاود الهجوم بتصميم أكبر.
حينها شعر التوأمان بألم حاد في رأسيهما.
ألم كان يشق رأسيهما من الداخل.
كان القائد قد أطلق هجومًا عقليًا بلا حدود، مما جعله ينزف من أنفه وعينيه وهو يهاجم.
ورغم استجابة التوأمين، تمكن القائد من غرس سيفه داخل أحدهما، مسببًا إصابة خطيرة، قبل أن يموت على يد الآخر.
لكن قائدًا آخر ظهر من بعده، وانقض هو الآخر على التوأمين، أحدهما ينزف ومتعب، والآخر غارق في حالة من الهلع.
في جهة أخرى، اجتمع ثمانية قادة حول كل من كارلا وإيلينا وليون.
كانت ألسنة اللهب ملتفة حول كارلا، التي كانت بشرتها شاحبة لدرجة مقلقة جدًا، بينما كانت إيلينا تمسك جرحًا في بطنها، محاولةً إيقاف النزيف أمامهم.
ورغم كثرة إصاباتهم، لم يكن يبدو عليهم أي رغبة في التراجع.
كان توماس واقفًا مرة أخرى رغم إصابته، وهو في اشتباك مع أحد القادة.
وبالقرب منه، كانت أياكاشي قد اشتبكت مع أحد نخبة فيلمونت من المتحكمين الشاملين. وكانت إصابتها من قتالها ضد كارلا المجنونة سببًا في صعوبة مقارعتها لهذا المقاتل.
في جهة أخرى، وقفت إينا وحولها عشرات الجنود، وأمامها كانت هناك جثث مشرحة بطرق قبيحة ومقرفة.
كانت ابتسامة نشوة تعلو وجهها وهي تقول:
«لأول مرة أشعر بهذا الشبع حقًا.»
كانت سكارليت تقف جنبًا إلى جنب مع سارادا، التي كان هناك أجزاء كبيرة من شعرها قد اختفت.
فبعد كل شيء، حاول هارالد محوها بهجوم المدفع قبل بضعة لحظات، فلا سبب يدفعها للقتال تحت رايته أكثر.
ومن حسن حظها أن سكارليت تقبلتها، على الأقل في الوقت الحالي.
أمامهما كان هناك أحد نخبة فيلمونت، متحكم شامل، وكان الغضب لا مثيل له يعلو وجهه بسبب خيانة سارادا.
في جهة أخرى، استعاد ستارك جزءًا من وعيه.
كان داخل مبنى مختبئ بشكل جيد، وعلى بعد بضعة خطوات جلس رجل كان عدوه السابق، أرثر.
سأل ستارك بصعوبة:
«هل أنقذتني؟»
أجابه أرثر:
«نعم. هل تشعر بالخزي، أيها الفارس؟»
قال ستارك:
«حسنًا… لم أنفذ قولي بقتلك. لقد أخلفت كلمتي.»
ضحك أرثر وقال:
«حسنًا، حاول قتلي بعد نهاية كل هذا.»
أجابه ستارك:
«هل استسلمت؟ ماذا حدث؟»
أجابه بهدوء:
«لم أعد أرغب بالقتال، لذلك يمكنك القول إنه استسلام. والحرب دخلت مرحلتها الأخيرة بالفعل.»
حاول ستارك النهوض، لكنه تعثر وسقط مرة أخرى.
فقال له أرثر:
«انسَ فكرة الاستمرار يا رجل. فقط انتظر حتى تنتهي.»
في جهة أخرى، حيث كانت هناك عاصفة من اللهب والبرق، اختفى كل شيء وحل محله الدمار والرماد فقط.
بينما كان ويليام تحت الركام يحارب الموت.
عظامه محطمة، وحروق مروعة أصابته، ومع ذلك كان متفائلًا، لأن وسامته لم تلتهمها النيران.
على بعد عدة أمتار، كانت هناك جثة مبعثرة تخص خصمه السابق.
من يدري؟
ربما سيلحق به عن قريب.
في إحدى الأزقة، تحولت معركة السهام وطي المسافات إلى معركة بالأيدي واللكمات العشوائية.
كانت نور في حالة يرثى لها، وإيرفين أسوأ منها.
كانت نور تحمل سهمًا في يدها، وثلاثة سهام مغروسة في مواضع مختلفة من جسد إيرفين. قامت بدفعها بنفسها دون قوس، بعد أن سقط كلاهما في أسوأ حالاتهما.
ولا ننسى الجرح القبيح الذي امتد على خصرها نتيجة خنجر إيرفين.
في إحدى الأزقة التي تصل مباشرة بالجناح الشرقي، كانت هناك فتاة بملابس مقاتلة وشعر بني مربوط على شكل ذيل حصان، تجري وهي تحمل فتاة جميلة بفستان أنيق بين ذراعيها، تحملها كأميرة.
فبعد كل شيء، كانت هذه الفتاة هي الأميرة سيفيا.
وكانت المقاتلة هي إيمي.
طوال الحرب، كانت مهمة إيمي إنقاذ الأميرة.
فهذه كانت مهمتهم الأولى والأهم في الرحلة بأكملها.
كانت هناك إصابات في مختلف أنحاء جسد إيمي، فقد اشتبكت مع مجموعة كبيرة حقًا من المقاتلين.
والآن كانت تأخذها إلى إحدى المناطق تحت الأرض حتى تنتهي الحرب ويغادروا.
لسبب ما، كانت الأميرة تسترق نظرات غريبة إلى وجه إيمي وهي تحملها.
بل وكانت تحمر خجلًا في كل مرة تلتقي فيها عيناها بعيني إيمي.