الفصل 300 - وصية دارون
لم يكن إيفان يعرف منذ متى وهو يركض.
منذ أن دخل الطرف الشرقي من مدينة البخار، لم يتوقف تقريبًا.
كان القتال في كل مكان.
جنود يندفعون بين الأزقة، صرخات تأتي من الشوارع المجاورة، دخان يتصاعد خلف المباني، وأحيانًا صوت انفجار يجعل النوافذ ترتجف فوق رؤوسهم.
كان يريد الوصول إلى المنطقة الشمالية.
هناك كانت بقية قوات المقاومة.
كان يركض وخلفه شخصان؛ أحدهما بوريس، والآخر مجرد مقاتل من المستوى الثاني. ركض الثلاثة متجاهلين الحرب المشتعلة من حولهم.
صادفوا عشرات المقاتلين الذين حاولوا إيقافهم، بل وحتى بعض المتحكمين، ومع ذلك، كان إيفان ينهيهم بسرعة ويواصل طريقه دون أن يبطئ.
لم يدم الأمر طويلًا حتى وصلوا إلى ساحة واسعة نسبيًا.
كان هناك برج في منتصف الساحة، يقف فوقه بعض الرجال. ومن ملابسهم، كان من الواضح أنهم ضباط في جيش فيلمونت.
ومع ذلك، لم يكن هذا ما جذب انتباه إيفان.
كان هناك رجل طويل القامة، عريض الكتفين، وثابت بشكل غريب وسط الفوضى.
رفع إيفان يده وأوقف الرجلين اللذين كانا خلفه.
“ابقيا هنا.”
نظر أحدهما إليه بتردد.
“لكن—”
“قلت ابقيا.”
لم يحتج إلى تكرارها.
شعر إيفان بغليان يسري في أعماقه، وبدأ غضبه يتصاعد تدريجيًا.
وفي تلك اللحظة، تذكر محادثته مع دارون قبل الافتراق.
“أتعلم يا إيفان؟ لم أضعك كأحد القادة بسبب خطئك الأخير. يمكنك أن تغضب مني وتكرهني إن أردت، لكنني لن أتراجع عن قراري. لا يمكنني أن أئتمن حياة آلاف المقاتلين على شخص لا يستطيع التحكم في نفسه.”
أجابه إيفان بوجه يملؤه الندم والخيبة:
“أنا أدرك قرارك، دارون، وأنا أتقبله تمامًا.”
نظر دارون إليه لثانيتين، قبل أن يقول:
“كونك لست قائدًا لا يعني أن لا دور لك في هذه الحرب…”
مد دارون يده نحو إيفان.
كان يحمل خنجرًا غريبًا أسود اللون، بشكل يبعث على التشاؤم.
قال دارون:
“هذا الخنجر أثر عزيز عليّ. سأقرضه لك. إنه قادر على شل حركة المتجلين حتى.”
توقف للحظة، ثم تابع:
“مهمتك ستكون الأهم في هذه الحرب بأكملها.”
رفع إيفان عينيه إليه.
“مهمتي؟”
قال دارون:
“مهمتك هي قتل هارالد.”
اتسعت عينا إيفان في عدم تصديق.
“أتتوقع مني هزيمة أقوى رجل في دوقية فيلمونت وأنا مجرد متحكم شامل؟”
نظر دارون إليه بثبات.
“وماذا بعد؟ هل أنت خائف؟”
استمر إيفان في النظر إلى دارون بحالة من عدم التصديق.
أيطلب منه قتل هارالد من بين الجميع؟
هذا مستحيل حتمًا.
قال دارون:
“سمعت هذا من فولك. أخبرني ببعض الأسماء العزيزة عليك.”
صمت للحظة، ثم ذكرها واحدًا تلو الآخر:
“مارتا… أم باروس… إيلينا وابنها… عائلة بوريس.”
ثبت نظره في عيني إيفان.
“هل ستمنحهم مستقبلًا مشرقًا بكلمة «مستحيل»؟”
حاول إيفان الاعتراض:
“ولكن…”
أمسكه دارون من ياقته ودفعه نحو الجدار بقوة، ليرتطم به بعنف.
“ستندم على ترددك هذا، أيها الأحمق! ستفضل الموت على التهرب من مسؤوليتك بعد فوات الأوان!”
نظر إيفان إلى عيني دارون.
كانتا تحملان ظلمة مرعبة.
ومع ذلك، عرف إيفان هذا الشعور جيدًا.
تذكر الليلة التي هرب فيها وترك أمه تموت.
تذكر اليوم الذي قاتل فيه جنبًا إلى جنب مع زوج إيلينا، ليموت الأخير بعدها بسبب تقصير إيفان.
تذكر كل الأخطاء التي ارتكبها بسبب تردده وخوفه.
وسط كل تلك الذكريات، برزت له ذكرى مشوهة، لكنه كان يعرفها جيدًا.
تذكر وعده مع ألريك.
الوعد الذي حمله معه طوال هذه السنوات.
بلوغ درجة الأبطال.
إذا تردد في هذه اللحظة، فلن يكون الأمر مختلفًا عن إخلاف وعده.
لذلك أقسم لدارون:
“سأقتل هارالد بنفسي… مهما كان الثمن.”
عاد إيفان إلى الحاضر.
لمحه هارالد من أعلى البرج بنظرة هادئة، قبل أن يستدير نحوه بالكامل.
ثم قفز بهدوء من فوق البرج، حتى أصبح في المستوى نفسه مع إيفان.
قال بنبرة منضبطة:
“يا لها من نظرة تحملها تجاهي. لا أصدق أنني صنعت لنفسي كل هذا القدر من الحقد.”
أجابه إيفان بصوت غليظ، يحمل تهديدًا عميقًا:
“أنصحك بكتابة وصيتك حالًا، لأنني سأكون الشخص الذي يسلبك حياتك.”
اكتفى هارالد بهز كتفيه بلامبالاة.
“ألا ترى ما يحدث في ساحة المعركة يا فتى؟ قواتكم منهكة ومحطمة. إنها مسألة وقت حتى تنهاروا تحت ضغطنا.”
رفع إيفان سيفه وتقدم خطوة.
لم يكن بحاجة إلى قول شيء.
كانت حركته تقول ببساطة إنه جاء للقتال، لا للكلام.
وفي اللحظة التالية، اندفع إيفان بكامل قوته نحو هارالد.
تحرك سيفه بسرعة هائلة، لكن هارالد اكتفى بإمالة رأسه بحركة كسولة، فتجنب الضربة بالكامل.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد.
استدار إيفان مستغلًا زخم هجومه، وسدد ضربة نحو خصر هارالد في حركة دورانية.
لكن قبل أن يصل سيفه إليه، ارتفعت ركبة هارالد فجأة.
ثم غاصت في بطن إيفان بقوة هائلة.
شعر إيفان وكأن الركبة اخترقت أحشاءه حتى كادت تلامس جذعه، قبل أن تدفعه عدة أمتار إلى الخلف.
تأوه إيفان من ألم الضربة، ثم بدأ يسعل بطريقة مقززة.
ولم يلبث أن تقيأ عدة دفعات.
شعر بحمض معدته يستقر في بلعومه، مانحًا إياه مذاقًا حامضًا مقرفًا امتزج ببقايا القيء.
رفع إيفان رأسه نحو هارالد.
كان الأخير واقفًا في مكانه، ينتظره بهدوء.
شعر إيفان بدمه يغلي من شدة الإهانة.
هل يستخف بي هذا الوغد؟
دوى صوت هارالد بنبرة هادئة:
“قدرتي، مجال الحرب، تجعلني أفهم أساليب القتال المتنوعة. إنها قدرة تراكمية؛ كلما قاتلت أكثر، أصبحت أساليب القتال أوضح في نظري.”
صمت هارالد قليلًا.
ثم أكمل:
“عشت ستين عامًا من القتال والحروب يا فتى.”
ثبت نظره على إيفان.
“أصبحت قادرًا على قراءة المقاتلين ككتاب مفتوح.”
ثم قال ببرود:
“لم تكن لديك فرصة ضدي منذ البداية.”