الفصل 299 - لا يمكن للجبن انقاذك
وسط الفوضى التي اجتاحت مدينة البخار، كان هناك رجل واحد بدا وكأنه لا ينتمي إلى ساحة المعركة إطلاقا. كان تيد واقفا بين عشرات الجنود، يرتجف بعنف بينما تتصادم السيوف من حوله وتتطاير شظايا الحجارة فوق رأسه. لم يكن يهتم بمن ينتصر أو من يخسر، ولم يكن لديه أي اهتمام بمصير الجيش الذي يقاتل بجواره. الشيء الوحيد الذي يشغل عقله هو أن يخرج من هذه المدينة حيا.
منذ أن امتلك قدرته، أصبح العالم بالنسبة إلى تيد مقسما إلى أربع مناطق: الأمان، والشك، والخطر، والموت. وكان يقضي حياته كلها في الانتقال من منطقة إلى أخرى، متجنبا كل ما يمكن أن يضعه في الأخيرة. لم يكن يملك شجاعة المحاربين، ولا رغبة الأبطال في التضحية بأنفسهم، ولم ير في ذلك عيبا على الإطلاق. بالنسبة إليه، البقاء على قيد الحياة كان الهدف الوحيد الذي يستحق العناء.
لكن هذه المرة وجد نفسه أمام امرأة جعلته يشعر بأن جميع المناطق الأربع قد اختفت.
كانت إينا تقف أمامه بهدوء غريب، بشعرها الأسود المجموع في كعكة مرتبة وملامحها الباردة التي لم تتغير رغم الفوضى المحيطة بها.
نظرت إينا إلى تيد و قالت بنبرة باردة “لديك جسد غريب حقا أنت متجلي و من المفترض أن تكون وضائفك الجسدية في مستوى يجعل الأجساد العادية سخيفة و مع ذلك أنظر لنفسك…”
أشارت إينا لجسد تيد الرفيع و الرقيق أي شخص يراه سيعتقد أنه عانى لعقود من سوء التغدية و الأمراض و هذا في حد ذاته لا يتناسب مع طبيعته كمتجلي
إبتسمت إينا و قالت “جسدك هذا يجعلني أرغب في دراستك جيدا عن قرب.”
أجاب تيد بنبرة مترددة “دراسة؟ عن ماذا تتكلمين بحق ال-”
قبل أن ينهي حديثه، ظهر إحساس مروع بالخطر في عقل تيد.
دون أن يفكر في الأمر مرتين قفز نحو الحانب الأيمن من الرصيف.
لتظهر إينا في مكانه السابق خلال الثانية التالية، وهي تشق الهواء بأظافرها الخمسة التي ٱمتدت الآن و تعاظمت لتصبح أقوى من الفهد وأحد من النمر.
أمسك تيد رقبته وهو ملقى على الأرض: “ثا-ثانية واحدة وكنت سألقى في عداد الموتى.”
ابتلع ريقه بصعوبة وهو ينظر لإينا التي كانت ترمقه بنظرة شبه مجنونة واللعاب يسيل من طرف فمها.
“ااااااه، تيد هل تعلم كم أكره الفرائس التي تحب الركض؟
ماذا أتخافني؟.”
بدأت إينا في التقدم ببطئ نحو تيد وهي تحك عنقها:” لا تقلق، هذه الأخت الكبيرة ستساعدك…سآخذ يدا أو ٱثنتين، لا بل ربما قدم ستكون جيدة كبداية.”
رن ناقوس الخطر في عقل تيد من جديد وبنظرة مرعوبة على وجهه، ثبت نفسه على الرصيف بيديه قبل أن يقفز واقفا على قدميه.
“إلى أين؟” تضخمت عضلات سيقان إينا لدرحة تمزق بنطالها من الركبة و إلى الأسفل.
دعمت ساقاها بالأرضية، حتى شكلت فيها حفرا. ثم انطلقت بسرعة مجنونة خلف تيد.
لم تكن بنية تيد الجسدية شيئا يبرز طبيعته كمتجلي، لكن من حيث الفاعلية….كان ذلك شيئا آخر.
على الطريق الخرسانية ومن بين الجنود العديدين مر تيد بسرعة مهولة جعلت كل ماحوله يتباطئ.
تفادى سيفا وجهه احد الجنود نحوه.
انزلق على الأرضية مارا عبر الفراغ بين الارضية و البناية الساقطة.
بوووم.
تطايرت شظايا الحجارة من خلف تيد راشقة إياه، إلا أنه تفاداها مترنحا يمينا ويسارا وهو يركض للأمام بجنون.
بدل تفادي البناية اخترقتها إينا مباشرة وهي تعزز بنيتها الجسدية لحماية نفسها.
“تييييييييييييييبد.”
مع هذا آتخذت إينا وضعية مايشبه القطة،كانت تركض على أربع أطراف الآن…
لف تيد رأسه يمينه ويسارا باحثا عن طريق للهروب.’اللعنة، ليس هناك مهرب.’
كان عقل تيد قد تجمد لما يقرب جزء الثانية بسبب تنبيه حواسه للخطر القادم……لم يكن هناك طريقة لتفادي الهجوم هذه المرة.
‘لابد أنها ٱكتشفت نقطة ضعفي بحلول الآن.’ كان ذلك هو التفسير الوحيد لما يشعر به من خطر.
سمحت قدرة تيد له بالتهرب من كل ما يشكل تهديدا على حياته، إلا أن ذلك كان عن طريق الإحساس بالخطر وبالتالي فإن تهربه يعتمد كليا على سرعة رد فعله وطريقة تجاوبه.
وهنا يظهر ضعف تيد إذا استطاعت إينا توقع النقطة التالية التي سيهرب تيد نحوها، التي لم تكن بالصعبة بحكم طبيعة شخصية تيد.
فإن قدرته ستصبح بلا فائدة، تقريبا…
مر تسلسل الأفكار هذا في عقل تيد بسرعة غريبة.
بتشتش عقله استمر تيد باتخاذ نفس الإجراءات متجنبا نحو الشمال.
بوووش.
بوووش!
اخترقت يد إينا المتضخمة كتف تيد الأيمن، ثم عادت إلى حجمها الطبيعي قبل أن تنسحب منه بسرعة.
انفجر شلال من الدماء من كتفه.
«آغغغغغ!»
خرج الأنين من بين أسنانه بينما ضغط تيد على جرحه بيده اليسرى، لكنه لم يتوقف عن الركض.
كان الألم هائلا.
إلا أن الخوف كان أكبر.
«يا إلهي… يا إلهي… يا إلهي…»
لم يعد تيد يفكر في القتال.
لم يعد يفكر حتى في إصابة كتفه.
كل ما كان يدور في رأسه هو شيء واحد.
الهرب.
لكن خلفه…
دوت ضحكة إينا.
«آه… أصبتك!»
تغير صوتها بالكامل.
لم يعد باردا ولا هادئا كما كان قبل لحظات.
كان صوت شخص وجد أخيرا شيئا ممتعا بعد ملل طويل.
«هل يؤلمك؟»
ارتجف جسد تيد.
«لا تقتربي مني!»
«لماذا؟»
كانت إينا تركض خلفه بسهولة مخيفة، وخطواتها الثقيلة تحطم الحجارة تحت قدميها.
«ألم أقل لك إنني أريد دراستك؟»
«هذا ليس اسمه دراسة!»
صرخ تيد وهو يلتفت للحظة.
«أنت تحاولين قتلي!»
ابتسمت إينا.
«لا، لا… لو كنت أريد قتلك لفعلت ذلك بالفعل.»
ثم زادت سرعتها.
اتسعت عينا تيد.
«تباً!»
اندفع إلى الأمام بأقصى سرعة يستطيعها.
كان جسده النحيف يبدو عاجزا عن مواكبة السرعة التي يتحرك بها، لكن قدرته جعلت كل حركة محسوبة بدقة مذهلة.
يمين.
خطر.
يسار.
خطر.
قفزة.
خطر.
انحناء.
خطر.
كان جسده يتحرك قبل أن يستوعب عقله أحيانا ما الذي يحدث.
سقط جندي أمامه فجأة.
لم يتوقف تيد.
قفز فوقه.
ظهر عمود حجري في طريقه.
انحرف عنه في اللحظة الأخيرة.
سيف طار في الهواء باتجاه وجهه.
أمال رأسه.
مر السيف بجانب أذنه.
«آآآآآآه!»
لم يكن يصرخ بسبب الألم.
كان يصرخ لأن إينا كانت لا تزال خلفه.
ثم سمع صوت ارتطام هائل.
بووووم!
تحطمت واجهة أحد المباني.
مرت إينا من خلالها مباشرة.
تناثرت الحجارة في جميع الاتجاهات، لكنها لم تبطئ حتى لجزء من الثانية.
«تييييييييد!»
«لماذا تنادينني وكأننا أصدقاء؟!»
صرخ تيد بجنون.
«لأنني بدأت أحبك!»
«أنا لا أريد أن يحبني أحد!»
ضحكت إينا.
«كاذب.»
اقترب صوتها.
اقترب كثيرا.
شعر تيد بأنفاسها خلفه.
استدار.
كانت إينا على بعد أمتار قليلة فقط.
وعيناها تلمعان بطريقة جعلت جسده كله يقشعر.
«وجدتك.»
اختفى تيد من مكانه.
في اللحظة التالية، انحرف بحدة نحو أحد الأزقة.
لكن إينا لم تتبعه مباشرة.
توقفت.
نظرت إلى الزقاق.
ثم ابتسمت.
«هناك.»
شهق تيد من بعيد.
«مستحيل…»
لقد أدركت بالفعل نمطه.
لم يكن الأمر أن إينا أسرع منه فقط.
لقد بدأت تفهم قدرته.
كان تيد يهرب دائما نحو الاتجاه الذي يشعر فيه بأقل قدر من الخطر.
وبما أن اختياراته تعتمد على حاسة الخطر، فإن توقعه أصبح ممكنا إذا فهم المرء طريقة تفكيره.
«أنتِ…»
ابتلع تيد ريقه.
«أنتِ لا تلاحقينني… أنتِ تحاولين إجباري على التحرك في اتجاه معين.»
لم تجب إينا.
اكتفت بالابتسام.
ثم اندفعت.
«اللعنة!»
غير تيد اتجاهه فوراً.
قفز فوق عربة محطمة، تدحرج تحت أحد الأقواس الحجرية، ثم خرج إلى شارع مليء بالجنود.
«ابتعدوا! ابتعدوا عن طريقي!»
لم يفهم الجنود ما يحدث.
رجل ينزف من كتفه يركض بجنون بينهم، وخلفه امرأة تبدو وكأنها وحش خرج من كابوس.
أحد الجنود حاول إيقاف تيد.
«قف! من أنت—»
«لااااااااا!»
انحنى تيد تحت ذراع الجندي، ثم اندفع بعيدا.
وفي اللحظة التالية مرت إينا فوقهما.
بووم!
ارتطمت بالأرض، فاهتز الشارع بأكمله.
استدارت نحو تيد.
«لا تهرب!»
«بالطبع سأهرب!»
صرخ تيد بكل ما يملك من قوة.
ثم شعر بالخطر.
تجمدت عيناه.
«…ماذا؟»
ظهر الخطر أمامه.
وليس خلفه.
توقف جسده فجأة.
كان الطريق أمامه مسدودا.
أمامَه بناية منهارة.
خلفه إينا.
يمينُه مجموعة من الجنود.
يساره جدار.
لأول مرة منذ بداية المطاردة…
لم يجد تيد طريقا آمنا.
اقتربت إينا ببطء.
«انتهى الأمر.»
ارتجفت شفتا تيد.
«لا…»
خطت خطوة.
«تعال.»
خطوة أخرى.
«قلت لا!»
اندفع تيد نحو الجدار.
«هاه؟»
ضرب الجدار بقدمه وقفز إلى أعلاه مستفيدا من حطام قريب، ثم تدحرج فوق السطح وواصل الركض.
اتسعت ابتسامة إينا.
«ماكر.»
قفزت خلفه.
لكن هذه المرة لم يلجأ تيد إلى الهرب في خط مستقيم.
بدأ يقفز بين المباني، يتسلق، ينزلق، يتدحرج، ويغير اتجاهه بشكل عشوائي.
لم يعد يعتمد على السرعة فقط.
بل على الفوضى.
كلما تغيرت البيئة حوله، أصبح توقع مساره أصعب.
«لن تمسكني!»
صرخ تيد.
لكن إينا كانت تضحك.
«هذا ممتع أكثر مما توقعت!»
استمرت المطاردة فوق أسطح المباني، حتى وصل تيد إلى حافة أحد الأبنية.
أمامه فراغ هائل.
أسفلَه عشرات الأمتار.
خلفه إينا.
«لا…»
استدار تيد.
كانت إينا تقف على بعد خطوات.
مدت يدها نحوه.
«تعال إلى أختك الكبيرة.»
حدق فيها تيد للحظة.
ثم نظر إلى الفراغ خلفه.
ثم إليها.
«…أفضّل الموت بالسقوط.»
«حقا؟»
«نعم.»
«ممتاز.»
تقدمت إينا.
قفز تيد.
«آآآآآآآآآآه!»
هبط على سطح مبنى أقل ارتفاعا، تدحرج عدة مرات، ثم اصطدم ببرميل خشبي وتحطم معه.
«آخ…»
نهض بصعوبة.
نظر إلى كتفه النازف.
ثم إلى المبنى الذي تركه خلفه.
«نجوت…»
بووووم!
تحطمت إينا عبر السقف وسقطت أمامه.
تجمد تيد.
«…لم أنجُ.»
اقتربت إينا منه.
حاول الركض.
أمسكته من مؤخرة ملابسه.
«وجدتك.»
«لاااااااااااا!»
—
بعد دقائق طويلة، كان صوت تيد قد تحول إلى سلسلة متواصلة من الصراخ والشتائم والتوسلات.
«توقفي!»
«لا.»
«قلت توقفي!»
«لا.»
«سأفقد ذراعي!»
«ربما.»
«ربما؟!»
ضحكت إينا وهي تجره من ذراعه المصابة، بينما كان تيد يتشبث بالأرض بكل ما يستطيع.
«أرجوك! أي شيء إلا هذا!»
«اهدأ.»
«كيف أهدأ وأنتِ تتعاملين معي وكأنني لعبة؟!»
«لأنك تركض بشكل مضحك.»
«أنا أنزف!»
«أعرف.»
«كتفي مثقوب!»
«أعرف.»
«ساقي تؤلمني!»
«أعرف.»
«إذن لماذا لا تتوقفين؟!»
صمتت إينا للحظة.
ثم مالت برأسها قليلا.
«لأنني مستمتعة.»
«آآآآآآآآآآآه!»
انطلق صراخ تيد مجددا في أرجاء مدينة البخار.
وبينما كانت المعركة الكبرى لا تزال مشتعلة في قلب المدينة…
كان هناك قتال آخر أكثر غرابة يحدث في أحد أزقتها.
رجل لا يريد سوى النجاة.
وامرأة وجدت في مطاردته وسيلة ترفيه مثالية.
وفي النهاية، لم ينتصر أحد.
لكن تيد…
هرب.
بمعجزة لا يمكن تفسيرها إلا بأن قدرته على الهروب كانت أكثر إثارة للإعجاب من مظهره بكثير.
ومع ذلك، ظل صوته يتردد من بعيد:
«لن أعود إلى هذه المدينة مجدداااااااااااا!»
كانت إينا قد عادت لحالتها الطبيعية و هي تكتب في مجلد صغير
العينة رقم 404: تيد
قدرة العينة: التهرب
أمام صفحة تيد كانت هناك صفحة أكثر غرابة
العينة 333: دارون
قدرة العينة: العقل الفعال
كان هناك ملاحظة مخيفة مضافة
العينة خطر حقيقي من مستوى الأساطير