الفصل 298 - الأمل أمام الجنون
اهتزت الأرض تحت أقدام كارلا وتوماس بعد أن اصطدمت هالتاهما في مواجهة مباشرة، فتطاير الغبار في جميع الاتجاهات واضطر الجنود القريبون إلى التراجع عدة خطوات. كان توماس واقفا أمامها وسيفه مرفوع، تحيط بجسده هالة ذهبية وخضراء كثيفة، بينما وقفت كارلا في الجهة المقابلة بابتسامتها المجنونة، وكأنها وجدت أخيرا شيئا يستحق اهتمامها في هذه الحرب.
لم يمنحها توماس فرصة للكلام، بل اندفع نحوها بسرعة مفاجئة، وانخفض بجسده للحظة قبل أن يوجه ضربة قوية نحو كتفها. رفعت كارلا نصلها في اللحظة الأخيرة، فتصادم السيفان بصوت معدني عنيف، إلا أن توماس لم يتراجع، بل استدار بجسده ووجه ضربة ثانية نحو عنقها، أجبرتها على إمالة رأسها لتفاديها. تابع هجومه دون توقف، وانتقل بسيفه نحو خصرها، فقفزت كارلا إلى الخلف، تاركة مسافة قصيرة بينهما.
اتسعت عينا بعض الجنود الذين شاهدوا المشهد. لم يكن أحد يتوقع أن يتمكن متحكم متقدم من إجبار متجلية على التراجع، ولو لبضع خطوات.
ابتسم توماس وهو يثبت قدميه في الأرض، ثم رفع سيفه أمام جسده وقال بثبات: “قلت لك إنني سأوقفك هنا.”
ساد الصمت للحظة، قبل أن تنفجر كارلا بضحكة هستيرية. وضعت إحدى يديها على وجهها وهي ترتجف من شدة الضحك، ثم رفعت رأسها وقالت: “أنت حقا تؤمن بذلك؟ هذا رائع… رائع للغاية!”
انطلقت كارلا نحوه فجأة بسرعة جعلت توماس بالكاد يراها، فرفع سيفه أمامه في اللحظة المناسبة، لكن الاصطدام دفعه إلى الخلف عدة أمتار. احتكت قدماه بالأرض بعنف وتركتا خطين طويلين خلفه، بينما ظل يحدق فيها للحظات وكأنه يحاول استيعاب القوة التي اصطدم بها للتو.
رفع عينيه نحوها، ثم اندفع من جديد.
هذه المرة كان توماس أكثر حذرا. لم يحاول مجاراتها بالقوة وحدها، بل بدأ يقرأ تحركاتها ويستغل اللحظات التي تكشف فيها عن نفسها أثناء هجماتها العشوائية. تبادل الاثنان عشرات الضربات خلال ثوان قليلة، وكان سيف توماس يمر بالقرب من جسدها في كل مرة، بينما كانت كارلا تتفادى بعضها وتصد بعضها الآخر.
لم يكن توماس أقوى منها، لكن قتاله كان منظما ومتماسكا، ومع كل ضربة كانت هالته الذهبية والخضراء تزداد وضوحا، وكأن الضغط الذي تفرضه كارلا عليه لم يكن يخيفه، بل يدفع قوته إلى الظهور أكثر.
وبعد سلسلة طويلة من الاشتباكات، تمكن توماس أخيرا من توجيه ضربة أصابت ذراع كارلا وتركت جرحا سطحيا على جلدها. توقفت كارلا للحظة ونظرت إلى الدم الذي بدأ يسيل من الجرح، ثم رفعت إصبعها ولمست الدم قبل أن تنظر إليه بصمت.
قال توماس وهو يلهث: “يمكنني فعلها مرة أخرى.”
ظلت كارلا تحدق في الدم الموجود على إصبعها، ثم ابتسمت ابتسامة مختلفة تماما عن ابتسامتها السابقة وقالت: “لقد جعلتني أنزف.”
رفع توماس سيفه من جديد، إلا أن ابتسامة كارلا اتسعت قبل أن تقول: “لكنني كنت ألعب.”
في اللحظة التالية انفجرت هالتها بقوة هائلة، وانتشرت موجة ضغط عنيفة في جميع الاتجاهات، فتجمد توماس في مكانه وشعر وكأن جبلا ضخما سقط فوق جسده. انخفضت قدماه داخل الأرض قليلا من شدة الضغط، واضطر إلى استخدام كل قوته حتى لا يسقط.
قالت كارلا وهي ترفع نصلها: “الآن يبدأ القتال الحقيقي.”
اندفعت نحوه، فرفع توماس سيفه بكل قوته، لكن الضربة الأولى وحدها جعلت ذراعه ترتجف. تراجع خطوة، ثم ثانية، ثم ثالثة، ولم تمنحه كارلا أي فرصة لاستعادة توازنه. كانت كل ضربة توجهها أقوى من سابقتها، وكانت سرعتها تزداد مع استمرار القتال.
حاول توماس الهجوم أكثر من مرة، لكنها كانت تقطع طريقه في كل مرة. حاول تغيير أسلوبه والاعتماد على المراوغة، لكنها كانت أسرع منه. حاول الابتعاد عنها، فكانت تلحق به بسهولة. وبعد لحظات أصابته في كتفه، ثم وجهت ضربة أخرى إلى جانبه، قبل أن ترسل ضربة قوية جعلته يسقط على إحدى ركبتيه.
رفع توماس سيفه بصعوبة، وكان الدم يسيل من جانب وجهه، إلا أن الهالة حول جسده لم تختف. على العكس، بدت أكثر قوة من أي وقت مضى.
حدقت كارلا فيه وسألته: “لماذا لا تنهار؟”
مسح توماس الدم عن فمه ثم أجاب: “لأنني قلت إنني سأوقفك.”
ضحكت كارلا وقالت: “وهل تعتقد أن مجرد قول ذلك سيغير الواقع؟”
رفع توماس رأسه ونظر إليها بثبات قبل أن يقول: “لا… لكنني سأحاول حتى يتغير.”
للحظة لم تعرف كارلا كيف تجيب، ثم انفجرت ضاحكة من جديد، وقالت: “أحمق!”
اندفعت نحوه بكل قوتها، ولم يجد توماس خيارا سوى مواجهتها. اندفع هو الآخر، والتقت قوتهما في منتصف ساحة المعركة، فانفجرت موجة هائلة من الطاقة هزت الأرض وأسقطت عددا من الجنود القريبين. اختفى الاثنان داخل سحابة كثيفة من الغبار، ولم يظهر أي منهما لعدة ثوان.
ثم خرج توماس من بين الغبار وهو يترنح، وقد ظهر جرح عميق على صدره. حاول أن يثبت نفسه، لكنه اضطر إلى وضع يده على سيفه حتى لا يسقط.
ظهرت كارلا خلف الغبار، وكانت لا تزال واقفة.
لم تعد تبتسم بنفس الجنون السابق، بل كانت تنظر إليه بشيء يشبه الإعجاب المشوه.
قالت: “لقد وصلت إلى أبعد مما توقعت.”
حاول توماس الوقوف بشكل مستقيم، لكنه فشل، ومع ذلك لم يترك سيفه.
قال بصوت متقطع: “لم… أنته بعد.”
اقتربت كارلا منه ببطء، ثم رفعت نصلها فوق رأسها وقالت: “بل انتهيت.”
حدقت فيه لثوان، قبل أن تتسع ابتسامتها مجددا.
“لكن لا بأس، لقد جعلت هذا اليوم ممتعا.”
هبط نصلها باتجاه توماس، إلا أن صوت اصطدام معدني مفاجئ دوى في المكان قبل أن تصل الضربة إلى هدفها.
توقفت كارلا في منتصف حركتها، ونظرت إلى سيفها الذي تم اعتراضه بواسطة نصل آخر طويل للغاية. كان السيف من نوع الأوداشي، طويل النصل ومنحني قليلا، وكانت اليد التي تمسك به ثابتة رغم أن صاحبته لم تبد كذلك على الإطلاق.
وقفت امرأة خلف السيف وهي تتمايل من جانب إلى آخر، وكأن الأرض تحت قدميها تتحرك باستمرار. كان شعرها مبعثرا، وعيناها نصف مغمضتين، وفي يدها الأخرى قارورة صغيرة أخذت منها رشفة قبل أن تتثاءب بلا مبالاة.
نظرت كارلا إليها باستغراب وقالت: “من أنت؟”
رفعت المرأة رأسها ببطء وقالت: “أنا؟ أياكاشي.”
ثم نظرت إلى توماس الملقى على الأرض، وعادت بعينيها إلى كارلا، وقالت بنبرة هادئة: “أعتقد أنك كنت ستقتلين هذا الرجل.”
أخذت رشفة أخرى من قارورتها وأضافت: “وهذا مزعج.”
ضحكت كارلا وهي تحدق فيها باهتمام واضح وقالت: “هل جئت لإنقاذه؟”
هزت أياكاشي رأسها ببطء وقالت: “لا، جئت لأنني شعرت أن شيئا ممتعا يحدث هنا.”
اتسعت ابتسامة كارلا، بينما بدأت أياكاشي برفع الأوداشي أمامها. كانت حركتها بطيئة ومتمايلة، لكن في اللحظة التي استقرت فيها عيناها على كارلا تغير كل شيء. اختفت علامات السكر واللامبالاة من نظراتها، وتحولت عيناها إلى نظرة حادة وثابتة جعلت كارلا تتوقف عن الضحك للحظة.
قالت أياكاشي: “لكنني سأعطيك نصيحة… لا تقتلي ذلك الفتى.”
سألت كارلا: “ولماذا؟”
أجابت أياكاشي بابتسامة هادئة: “لأنه سيكون هدرا خسارة وسامة مثله هنا و الأكثر من هذا أنا سأقاتلك.”
ساد الصمت بين الاثنتين، قبل أن تنفجر كارلا بضحكة مجنونة وهي ترفع سيفها من جديد.
“أنت تتحدينني؟”
حركت أياكاشي أوداشيها ببطء إلى جانب جسدها، ثم قالت: “لا.”
توقفت عن التمايل تماما، وأصبحت وقفتها مستقرة للمرة الأولى.
“أنا أعدك بقتال أعظم.”
اتسعت ابتسامة كارلا، وانفجرت هالتها من جديد، بينما انطلقت أياكاشي نحوها في اللحظة نفسها.
اصطدم السيفان.
وانفجرت موجة هائلة من القوة اجتاحت المنطقة المحيطة بهما، بينما كان توماس ملقى على الأرض يرفع رأسه بصعوبة، يشاهد بداية مواجهة جديدة بين امرأتين لم يعد أي منهما يهتم بما يحدث حوله.
وفي وسط الفوضى، ارتفعت ضحكات كارلا المجنونة، وقابلتها ابتسامة أياكاشي الهادئة.
لقد انتهى قتال الأمل والجنون…
وبدأ قتال آخر، أكثر جنونا.