الفصل 297 - الهجوم المضاد
دوى صوت الأبواق، مبتلعًا مدينة البخار بأكملها.
توقف القتال لثوانٍ، قبل أن يعود مرة أخرى.
هذه المرة، شهدت جميع قوات فيلمونت تراجعًا تكتيكيًا مفاجئًا، وضع قوات التحالف في حيرة من أمرهم.
صاحت كارلا:
“إلى جميع قوات التحالف! لا تلاحقوهم! أثبتوا مكانكم وركزوا على الدفاع…”
كانت كارلا أول من فهم الوضع، وتحركت مصدرةً أوامرها لقوات التحالف، استجابةً للوضع.
لم يدم تراجع قوات فيلمونت طويلًا، حتى عادوا بقوة أكبر وتركيز أعلى، كطوفان يهدد بابتلاع قوات التحالف مرة واحدة وإلى الأبد.
كانت استجابة قوات التحالف سريعة، لذلك كانوا على أهبة الاستعداد لصد الهجوم المضاد.
وقف هارالد فوق برجه، يراقب ملامح الحرب تتشكل.
لقد بدأت المواجهة الأخيرة والمصيرية الآن.
ظهرت فجأة من خلف هارالد امرأة تدندن وتشهق بجنون، في حالة نشوة غريبة.
تعرّف عليها ضباط هارالد باسم كارلا المجنونة، إحدى المتجلين تحت راية فيلمونت.
لم يكلف هارالد نفسه عناء النظر إليها، بل اكتفى بالقول:
“كارلا، فلتجنّي بقدر ما تريدين. لم يعد هناك سبب لرفض تدخل المتجلين في الحرب.”
صرخت المرأة بضحكة مجنونة، وقالت قبل أن تقفز نحو ساحة المعركة:
“هذا يبدو ممتعًا… ممتعًا بجنون!!”
أشار هارالد إلى مجموعة الضباط، وقال:
“توجهوا نحو كاي وتيد، وأخبروهما بالتدخل. لم يعد هناك سبب للتراجع أكثر.”
توتر الضباط أمامه، رافضين التحرك.
“أخبروا ذلك الجبان تيد، إن رفض القتال فسأقتله بنفسي…”
قالها هارالد، وهو يتوقع أن سبب تردد الضباط هو صعوبة إقحام جبان مثل تيد في الحرب.
ومع ذلك، لم يستجيبوا له.
تقدم أحد الضباط، وعلى وجهه ملامح خوف وتردد شديد:
“سيدي هارالد… السيد كاي تهرّب من الحرب. غادر المدينة قبل الفجر تحت ذريعة تمشيط المنطقة.”
صرّ هارالد على أسنانه بقوة، لدرجة سماع صوت احتكاكها، وقال بنبرة غضب مكتوم:
“سأقتل ذلك الوغد بعد نهاية الحرب بنفسي. لا نمتلك حاليًا رفاهية تشتيت انتباهنا.”
—
في مكان آخر…
وقف رجل قصير ببشرة شاحبة.
بدا ضعيفًا جدًا، لدرجة يمكن وصفه بالهيكل العظمي.
لم يكن يعطي انطباعًا بالقوة أبدًا.
وقف في منتصف الأنقاض، يرتجف بعينين مفتوحتين على مصراعيهما، وأسنانه تصدر أصوات اصطكاك.
كان يلتفت يمينًا وشمالًا بأسلوب يعطي طابعًا من الصدمة.
لم يكن يرتدي سوى ملابس بسيطة وخنجر واحد، بدا أثقل من أن يتمكن من حمله حتى.
في حين كان تيد واقفًا في مكانه، يشاهد المعارك تشتعل من حوله، رافضًا التدخل.
كانت كارلا المجنونة تقتحم ساحة المعركة بجنون مطلق.
تقدمت كارلا في سيمفونية من الهجمات العشوائية والدماء وهستيريا ضحكات لا تنتهي، تمزق الجنود أمام نصلها بسهولة، وكأنهم قماش رقيق.
وكانت ابتسامتها تزداد اتساعًا مع كل روح تسقط على يدها.
وبينما كانت تتقدم بلا رادع، برز أمامها شاب في أوج عطائه.
التقى سيف الشاب بنصل كارلا في اصطدام عنيف.
كان فارق القوة بينهما شاسعًا، لدرجة أن الشاب تراجع مترنحًا من ألم الضربة.
ومع ذلك، فإن حقيقة أنه أوقفها يمكن وصفها بالمعجزة.
كان الشاب متحكمًا متقدمًا، وقد تصادم مع متجلية مبتدئة.
وهذا في حد ذاته يمكن اعتباره إنجازًا في سيرته كمقاتل.
ابتسمت كارلا بجنون نحو الشاب، وقالت:
“يا له من يوم سعيد! يا له من جنون لا ينضب… لم أتوقع مقابلة وسيم مثلك في ساحة المعركة، يا فتى.”
قطب الشاب حاجبيه غاضبًا، وقال:
“سأوقفك هنا مهما حدث. لن أسمح لك بالتقدم أكثر.”
ضحكت كارلا بهستيرية وهي تقول:
“آآآآه! يا له من جنون حقيقي! لقد أصابك الجنون مثلي، يا فتى! وإلا، كيف تنوي الوقوف في وجهي؟”
صرّ الشاب على أسنانه، وقال بنبرة مليئة بالغضب:
“هذا ليس جنونًا.
إنه الأمل.”
توقفت كارلا في منتصف ابتسامتها.
وتغير مزاجها بالكامل في لحظة واحدة.
قطبت حاجبيها، وتغيرت نبرتها:
“هذا مزعج حقًا…”
اندفعت كارلا نحوه بكامل قوتها كمتجلية.
انفجرت من الشاب هالة ذهبية وخضراء في اللحظة نفسها، ليصطدم الاثنان في ضربة هزت ساحة المعركة بأكملها.
قال الشاب:
“أنا توماس.
وأنا أمل أوسترين في الحصول على مستقبل أفضل.”
كانت كارلا في حالة ذهول تام.
هذا المتحكم المتقدم قابل هجومها بالقوة نفسها، وهو أمر يفوق المنطق بكثير.
انفجرت كارلا في عاصفة من الجنون والصراخ والهجمات.
ومع ذلك، لم يزد الأمر إلا أن ازدادت هالة توماس أكثر فأكثر.
تجنب بعض هجماتها، وتصدّى لبعضها، بل وحتى سدّد بعض الهجمات.
—
بالنسبة لتيد، كان العالم بالنسبة له مقسمًا إلى أربعة أقسام:
منطقة أمان.
منطقة شك.
منطقة خطر.
ومنطقة موت.
عاش حياته بأكملها ينجو من الموت، ويتهرب من الخطر، ويتجنب الشك، ويهرول إلى الأمان.
والآن…
هو يقف في ساحة المعركة.
الجنود يحيطون به من كل جانب.
لم يفرّق بين حليف وعدو.
بالنسبة له، الجميع دون استثناء كانوا في منطقة الشك.
لا يعلم متى قد يتحول أحدهم إلى خطر ويحاول قتله.
لهذا السبب، لم يتحرك من مكانه طوال الوقت.
تيد معروف بشيء واحد فقط في حياته:
لم يدخل قتالًا قط بإرادته.
كان هذا قانونًا يحكمه.
ومن بين الجنود، برزت امرأة بقوام مثالي، بشعر أسود مجموع على شكل كعكة.
كانت تحمل وجهًا باردًا ونظرات ثاقبة.
والأكثر من كل شيء…
هدوؤها المرعب جعل تيد يقف من مكانه.
بالنسبة له، كانت المرأة تمثل خطرًا.
ابتسمت إينا بهدوء، وقالت:
“يا له من لقاء مقدّر… حسنًا، دائمًا ما ينتهي الأمر بمواجهة رجال جبناء.”
قال تيد بتردد واضح:
“ما المشكلة في الجبن، أيتها المرأة المخيفة؟”
ضحكت إينا ضحكة بسيطة مصطنعة، مغطيةً فمها بظهر يدها، وقالت:
“معك حق. بالنسبة لي، جميعهم جبناء.
حتى أكثرهم شجاعة يصبح جبانًا بعد أن يختبرني جيدًا…”
صمتت قليلًا، ثم أكملت:
“…لا تقلق، سأجعلك تصرخ بنبرات حتى أنت لم تكن تعلم أنك قادر على إصدارها.”
—
وقف هارالد فوق منصته، وهو يشاهد ساحة المعركة بعيون ثاقبة، شاهدًا على الهجوم المضاد الذي يحدث.
قبل أن يدرك ما يحدث، لمح رجلًا يتقدم بهدوء.
كان طويل القامة، بشعر طويل ولحية غير مكتملة.
كانت نظراته متجهة نحوه تمامًا.
لم يحتج هارالد سوى لحظة واحدة ليدرك أن الرجل أتى ليواجهه.
ولأول مرة منذ بداية الحرب، تحرك هارالد بنفسه وهو يواجه الرجل، وقال:
“لديك شجاعة محارب حقيقي، وإلا، كيف يجرؤ مجرد متحكم شامل على الوقوف في وجهي؟”
أجابه إيفان بنبرة غضب مكتومة:
“وأخيرًا قابلتك، أيها الوغد.
لن أنكر أبدًا رغبتي في تمزيقك وقتلك بيدي.”