الفصل 296 - الجدار الذي لا ينحنب


كانت طاقة المدفع قد وصلت بالفعل إلى منتصف السماء.
لم تكن مجرد قذيفة.
كانت كتلة هائلة من القوة تشق الهواء في طريقها، مشوِّهةً الفضاء من حولها، حتى بدا وكأن السماء نفسها عاجزة عن تحمّل وجودها.
توقفت المعارك، وتوقفت الأوامر، حتى إن صليل السيوف خفت للحظة.
رفع الجنود رؤوسهم.
القادة.
المتحكمون.
المقاتلون.
الجميع نظر إلى الشيء ذاته.
ورغم اختلاف مشاعرهم…
الخوف، الذهول، الصدمة، اليأس…
اجتمعوا جميعًا على فكرة واحدة:
“كارثة.”
—
اتسعت عينا ستارك.
للمرة الأولى منذ دخوله هذه الحرب، ظهر على وجهه شيء يشبه الرعب البدائي.
لم يكن أمام خصم، ولم يكن أمام قدرة يمكنه فهمها أو مواجهتها.
كان أمام قوة هائلة تتجه نحو آلاف البشر.
تحركت شفتاه دون وعي.
“توقف!”
اهتز الهواء.
“اختفِ!”
ارتجفت الأرض.
“انكسر!”
ازداد الضغط حوله.
“تحطّم!”
ثم كلمة أخرى، وأخرى، وأخرى.
خرجت الكلمات من فمه متتابعة، أسرع من قدرته على التفكير.
كان يلقي أوامره على الواقع نفسه.
لكنه لم يتوقف.
استمر.
“توقف!”
“اختفِ!”
“انكسر!”
“تحطّم!”
“—”
حتى بدأ العالم يدور حوله.
اختفت الأصوات، وتشوش بصره، ثم سقط على ركبتيه.
سال الدم من أنفه، ثم من فمه.
كان قد استهلك قدرًا هائلًا من طاقته خلال قتاله مع أرثر، والآن…
أطلق سيلًا من الكلمات دون حساب.
رفع رأسه بصعوبة.
نظر إلى الطلقة.
لم تتوقف.
لم تتباطأ إلا بمقدار ضئيل للغاية.
اتسعت عيناه.
“…لا.”
كانت كلماته قادرة على تغيير الواقع.
لكن حتى الواقع نفسه كان عاجزًا عن إيقاف تلك القوة بالكامل.
—
وفجأة…
حدث شيء آخر.
شششششششش!
انفجرت أمام الطلقة عاصفة هائلة من الشعر.
آلاف الخيوط اندفعت من بين الأنقاض، ملتفة حول بعضها حتى أصبحت كجدار أسود ضخم.
ثم اصطدمت بالطلقة.
ثانية واحدة.
فقط ثانية واحدة.
ثم…
تبخّر الشعر.
اختفى بالكامل.
لم يبقَ منه شيء.
لم تتوقف الطلقة.
لكنها لم تعد تواجه أحدًا.
كانت لا تزال تتقدم.
وكان اليأس قد وصل إلى ذروته.
بعض الجنود رموا أسلحتهم، وآخرون تجمدوا في أماكنهم.
وقائد صرخ:
“اهربوا!”
لكن إلى أين؟
كانت الطلقة أكبر من أن يهربوا منها.
وفي تلك اللحظة…
ظهر رجل.
—
من بين أحد المسارات الجانبية، خرج من بين الأنقاض رجل بشعر أبيض ناصع.
كانت عيناه زرقاوين صافيتين بشكل غريب وسط ذلك الجحيم.
لم يتوقف.
لم ينظر إلى الجنود.
لم ينظر إلى الجثث.
لم يهتم بالأنقاض التي تعيق طريقه.
كان يتقدم بخطوات واسعة وسريعة.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
لم يدركه أحد؛ لأن كامل وعيهم كان مسلوبًا أمام جبروت تلك اللحظة.
“كارل…”
همس أحدهم.
رفع آخر رأسه.
“كارل؟!”
لكن الرجل لم يجب.
كان قد وصل بالفعل.
وقف أمام اندفاعة الطلقة مباشرة.
—
رفع سيفه.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم ركّز كامل طاقته.
برزت عضلات ذراعه.
ظهرت عروقها تحت جلده.
اشتدت قبضته حول مقبض السيف.
صرّ على أسنانه حتى كاد يسمع صوتها.
الطلقة أصبحت قريبة.
قريبة جدًا.
رفع كارل سيفه إلى الأعلى، ثم أرجعه إلى الخلف بكل قوته.
وقال:
“الضربة الارتجاجية.”
وانطلق السيف.
—
لم يكن ما حدث مجرد ضربة.
تمزق الهواء.
ثم تمزق الفضاء نفسه.
انضغطت الطاقة أمام السيف في خط رفيع للغاية، حتى بدا وكأن العالم قد شُقَّ إلى نصفين.
ثم انفجرت.
دووووووووووم!
ارتفع الانفجار إلى السماء.
انتشر فوق المدينة بأكملها.
اهتزت الأبراج.
انفجرت النوافذ.
تطايرت الأنقاض من الأرض.
وسقط الجنود على ظهورهم بفعل الضغط الهائل.
حتى المتحكمون شعروا بالقوة تضرب أجسادهم.
وفي السماء…
اصطدمت الضربة بالطلقة.
قوتان هائلتان.
قوتان لا يفترض أن تلتقيا.
إحداهما تريد التقدم.
والأخرى تريد إيقافها.
بدت السماء وكأنها ساحة صراع بين كارثتين طبيعيتين.
ثم—
انفجر الضوء.
غطى المشهد بأكمله.
ولحسن الحظ…
كان الاصطدام في السماء.
لو حدث على الأرض، لكان آلاف الجنود قد اختفوا في لحظة.
لكن كارل لم يخرج منتصرًا.
بل تلاشت ضربته أمام القوة الهائلة للمدفع.
بدأت الطاقة الارتجاجية تتكسر.
تبعها الضوء.
ثم اختفت الضربة بالكامل.
لكن…
كانت هناك نتيجة.
الطلقة تباطأت.
انخفض زخمها.
وأصبحت أقل قوة.
نظر أحد القادة إلى المشهد غير مصدق.
“…لقد أضعفها.”
كان هذا هو الشيء الوحيد الذي استطاع كارل فعله.
لم يوقف الطلقة.
لكنه كسر زخمها.
قلل قوتها.
ومنحهم فرصة.
لكنها كانت فرصة صغيرة.
صغيرة جدًا.
فالطلقة ما زالت قادرة على قتل مئات المقاتلين.
—
وفجأة…
ظهر ظل ضخم أمامها.
رجل هائل البنية.
يرتدي درعًا أسود قاتمًا.
هبط أمام الطلقة مباشرة.
لم يحمل سلاحًا.
لم يتراجع.
لم يبحث عن طريقة للهروب.
فقط…
وقف.
رفع ذراعيه.
وقال:
“خلفي.”
لم يفهم أحد ما الذي ينوي فعله.
ثم اصطدمت به الطلقة.
دووووووم!
انفجر الضوء حوله.
دُفع جسده عدة أمتار إلى الخلف.
انغرست قدماه في الأرض.
تشقق الشارع تحتهما.
صرخ الرجل.
لكن لم يتراجع.
كانت القوة تضغط عليه من كل اتجاه.
الدرع بدأ يتشقق.
الجلد بدأ يتمزق.
والدم بدأ ينزف من جسده.
ومع ذلك…
ظل واقفًا.
“آآآآآآآآآآآه!”
صرخة خرجت من أعماقه.
لم تكن صرخة خوف.
كانت صرخة رجل يحاول ابتلاع كارثة بجسده.
بدأت الطاقة تدخل إليه.
امتصها.
حاول امتصاصها بالكامل.
ارتجف جسده.
تقيأ الدم.
سال الدم من أنفه.
ثم من فمه.
ثم من عينيه.
كان جسده ينهار.
لكن قدميه بقيتا ثابتتين.
صرخ أحد الجنود:
“إنه سيموت!”
لم يجب أحد.
لأنهم كانوا يرون بأعينهم شيئًا لا يُصدَّق.
كان الرجل…
يمتص الطلقة.
—
تراجع نصف متر.
ثم نصف متر آخر.
تشقق الطريق تحت قدميه.
كل خطوة إلى الخلف كانت تعني اقتراب الطلقة من الجنود خلفه.
رفع رأسه.
نظر إلى مئات الأشخاص الذين يقفون وراءه.
ثم قبض على أسنانه.
“لن…”
دفع نفسه إلى الأمام.
“…أسمح.”
خطوة.
“لأحد…”
خطوة أخرى.
“…أن يموت.”
ثم فتح ذراعيه.
احتضن الطلقة.
احتضن الكارثة نفسها.
بووووووووووم!
اختفى جسده داخل الضوء.
ساد الصمت.
ثانية.
ثانيتان.
ثلاث…
ثم بدأ الضوء ينكمش.
ينكمش أكثر.
حتى…
اختفى.
تمامًا.
لم تعد هناك طلقة.
لم يعد هناك ضوء.
لم يبقَ سوى الرجل.
واقفًا.
منحنيًا قليلًا.
جسده يرتجف.
درعه محطّم.
والدم يغطيه بالكامل.
لكنه…
ما زال واقفًا.
رفع رأسه ببطء.
نظر إلى السماء.
ثم إلى مصدر المدفع.
كانت عيناه تحملان شيئًا مختلفًا الآن.
لم يكن غضبًا.
كان تصميمًا.
—
في الجهة الأخرى من المدينة…
تجمّد رجال فيلمونت.
كان المدفع العملاق لا يزال هناك.
أو هكذا ظنوا.
رفع أحد الجنود رأسه.
“ماذا يفعل؟”
ابتسم الرجل الضخم.
ثم فتح كفيه.
بدأت الطاقة التي امتصها تتحرك داخل جسده.
خرجت منه موجة ضغط هائلة.
اهتز الهواء.
بدأت الحجارة من حوله ترتفع.
ثم قال:
“الضربة الارتدادية.”
دفع ذراعيه إلى الأمام.
—
انطلقت الطاقة.
لم تكن نسخة من الطلقة.
كانت الطلقة نفسها.
بكل زخمها.
بكل قوتها.
بكل ما حملته من طاقة.
لكن هذه المرة…
كانت عائدة إلى صاحبها.
شق الهجوم السماء.
مزق الدخان.
واخترق المسافة بينه وبين المدفع في لحظة.
حاول جنود فيلمونت التحرك.
صرخ أحدهم:
“أوقفوها!”
لكن لم يكن هناك شيء يمكن إيقافه.
اصطدمت الطاقة بالمدفع.
دووووووووووووم!
ابتلع الانفجار البرج بأكمله.
ثم بدأ الحديد بالذوبان.
تحول المعدن إلى سائل متوهج.
ذابت الآليات.
انهارت القاعدة.
وتلاشت فضة الروح التي كانت تمثل قلب المدفع وركيزته.
ثم…
اختفى كل شيء.
لم يبقَ من السلاح الذي كان قبل لحظات قادرًا على إبادة جيش كامل سوى كتلة ضخمة من الحديد المنصهر.
—
في المدينة بأكملها…
ساد الصمت.
لم يتوقف القتال لأن الحرب انتهت.
بل لأن الجميع…
لم يعرف ماذا يقولون.
رفع الجنود رؤوسهم.
نظروا إلى السماء.
ثم إلى الرجل الواقف وسط الأنقاض.
حتى أعداؤه لم يستطيعوا تجاهل المشهد.
لقد أنقذ مئات الأرواح.
لكنه دفع ثمن ذلك بجسده.
أما الرجل…
فبقي واقفًا.
ثابتًا.
كجدار لا ينحني.
وفي تلك اللحظة…
وصل صوت هارالد من برج القيادة:
“…المدفع.”
نظر إلى الكتلة المنصهرة البعيدة.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
“لقد دمروا سلاحنا.”
ساد الصمت.
ثم رفع هارالد عينيه نحو ساحة المعركة.
“إذن…”
أمسك بخريطة المدينة.
ومزق الجزء الذي يمثل الجبهة الخارجية.
“…لم يعد لدينا سبب للدفاع.”
اتسعت عيون الضباط.
رفع هارالد رأسه.
وقال:
“ابدؤوا الهجوم المضاد.”
وفي اللحظة نفسها…
دقت أجراس مدينة البخار.
مرة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
ومن خلف التحصينات الداخلية…
ارتفعت آلاف الرايات.
لم تكن رايات التراجع.
بل رايات الهجوم.
كانت الحرب…
على وشك أن تبدأ من جديد.