الفصل 295 - المدينة التي ترفض السقوط
لم تعد مدينة البخار مدينة.
لم يبقَ من شوارعها الواسعة سوى ممرات ضيقة تحاصرها الأنقاض، ولم تعد مبانيها تقف شامخة كما كانت قبل ساعات. بعضها انهار بالكامل، وبعضها بقي واقفًا بنصف جدرانه، كأن المدينة نفسها ترفض الاعتراف بأنها سقطت.
غطى الدخان السماء، والتهمت النيران عشرات المواقع، بينما جرت الدماء بين الحجارة واختلطت بمياه الأمطار القديمة المتجمعة في الشوارع.
ومع ذلك…
كانت الحرب مستمرة.
في كل زاوية تقريبًا كان هناك قتال. جندي يصرخ، وآخر يسقط، وقائد يطلق الأوامر، ووحدة تتراجع بينما تندفع أخرى لاستعادة موقع فقدته قبل دقائق. لم يعد أحد يعرف كم مضى من الوقت منذ بداية الهجوم. كل ما كانوا يعرفونه هو أن الشمس ارتفعت في السماء، ثم اختفت خلف ستار الدخان، بينما استمرت المدينة في الاشتعال.
—
على البرج الشمالي، وقف أحد ضباط التحالف وهو يراقب ساحة المعركة. كانت الرايات تتحرك في كل اتجاه، فرفع منظاره محاولًا فهم ما يحدث وسط الفوضى، لكنه ما إن نظر إلى أحد الشوارع البعيدة حتى تجمد.
“ماذا…؟”
اقترب منه جندي آخر وسأله بقلق: “ماذا هناك؟”
أشار الضابط إلى الشوارع البعيدة.
“قواتنا تتراجع.”
نظر الجندي إلى المكان، فرأى إحدى كتائب التحالف التي كانت قد وصلت إلى شارع رئيسي يقود نحو قلب المدينة، وهي تتراجع الآن بسرعة، بينما اندفعت قوات فيلمونت خلفها.
صرخ أحد قادة التحالف:
“لا تتراجعوا!”
لكن صوته ضاع وسط الفوضى.
انطلقت سهام من فوق المباني، ثم سقطت قذيفة وسط الكتيبة.
دووووم!
تناثر الجنود في كل اتجاه، واضطر الباقون إلى التراجع.
رفع الضابط منظاره من جديد، لكن ملامحه تغيرت أكثر.
“ليس هذا فقط…”
اتسعت عيناه.
“هناك قوات أخرى تتحرك من الجهة الشرقية.”
سأله الجندي:
“كم عددهم؟”
“لا أعلم.”
صمت الضابط للحظة، ثم قال:
“لكنهم يلتفون حول جناحنا.”
تغير وجه الجندي.
“هل يعني هذا أنهم يحاولون تطويق الجيش؟”
لم يجب الضابط.
لأنه كان يعرف الإجابة.
هارالد لم يكن يدافع عن المدينة فقط.
كان يعيد تشكيل ساحة المعركة.
كل شارع ينسحب منه جيش فيلمونت كان يقابله شارع آخر تهاجم منه قوات أخرى. وكلما تقدم التحالف، أصبح أكثر تشتتًا، وكلما تراجع فيلمونت، أصبح أكثر تنظيمًا.
كانت المدينة تتحول تدريجيًا إلى شبكة هائلة من الكمائن.
—
في أحد الأحياء الغربية، وقف إيفان وسط عشرات الجثث، يتنفس ببطء بينما غطت الدماء جزءًا من درعه. أمامه وقف عشرات الجنود، وخلفهم أحد المتحكمين الشاملين.
رفع الرجل سلاحه وقال:
“إيفان!”
رفع إيفان رأسه.
“سمعت عنك.”
قبض إيفان على سيفه وقال بهدوء:
“وأنا لم أسمع عنك.”
انطلق الرجل نحوه، فاصطدم السلاحان بقوة.
كرااانغ!
اهتز الشارع تحت وقع الاصطدام، وتراجع إيفان نصف خطوة، ثم ابتسم.
“قوي.”
اندفع مجددًا، لكن هذه المرة لم يكن هدفه الرجل نفسه.
بل الأرض تحت قدميه.
ضرب إيفان الأرض بسيفه، فانفجرت الحجارة واختل توازن خصمه للحظة.
وكانت تلك اللحظة كافية.
ظهر إيفان أمامه مباشرة.
“انتهى.”
هبط سيفه.
—
في الجهة الأخرى من المدينة، كانت المعركة بين كارلا وإيلينا وليون لا تزال مشتعلة. لم تعد الساحة تشبه مكانًا يمكن للبشر القتال فيه. غطت النيران الشوارع، وجعلت الحرارة الهواء نفسه يرتجف.
لكن شيئًا تغير.
بدأ جنود فيلمونت بالتراجع.
لم يكن تراجعهم ناتجًا عن الخوف، بل كان منظمًا، وكأنهم يتحركون وفق أوامر محددة.
لاحظت كارلا ذلك فورًا، فخفضت يدها.
“توقفوا.”
توقف ليون ونظر إليها.
“ماذا؟”
أشارت إلى الجنود الذين بدأوا بالانسحاب.
“إنهم ينسحبون.”
ضحكت إيلينا.
“ممتاز! نلاحقهم!”
أمسك ليون بذراعها.
“انتظري.”
نظرت إليه بغضب.
“ماذا؟”
أشار إلى الشوارع.
“انظري.”
توقفت إيلينا.
كان الجنود يتراجعون بطريقة منظمة. لم يهربوا، ولم يرموا أسلحتهم، بل كانوا يتحركون في مجموعات، بحيث تغطي كل مجموعة الأخرى أثناء انسحابها.
قال ليون:
“هذا ليس انسحابًا.”
ساد الصمت للحظة.
ثم قالت كارلا:
“إنهم يسحبوننا إلى مكان آخر.”
رفعت إيلينا فأسها.
“إذن نذهب معهم.”
نظر إليها ليون بصدمة.
“أنت لم تفهمي شيئًا مما قلته.”
ابتسمت إيلينا.
“بل فهمته.”
ثم رفعت فأسها فوق كتفها.
“لكنني أريد أن أعرف إلى أين يهربون.”
تنهد ليون.
“كنت أتمنى لو أنك لم تفهمي.”
—
فوق أحد الأبراج، كانت نور لا تزال تقف أمام إيرفين.
كان كلاهما ينزف، لكن هذه المرة لم يكن أي منهما يبتسم.
كان إيرفين يراقب نور، بينما تراقبه هي أيضًا. لم تتجاوز المسافة بينهما بضعة أمتار، ومع ذلك بدت تلك المسافة كأنها آخر حدود العالم بينهما.
قال إيرفين:
“لقد فهمتِ قدرتي أكثر مما ينبغي.”
شدت نور وتر قوسها.
“وأنت تستخدمها أكثر مما ينبغي.”
نظر إيرفين إلى ساقه المصابة، ثم إلى كتفه، قبل أن يضحك.
“ملاحظة جيدة.”
أخذ نفسًا عميقًا، ثم اختفى.
تجمدت عينا نور.
“هناك!”
أطلقت سهمًا، لكنه لم يصب شيئًا.
لم يكن هناك أحد.
ثم ظهر إيرفين خلفها مباشرة.
لقد طوى المسافة.
اندفع الخنجر نحو رقبتها، لكن أفعى الروح تحركت في اللحظة الأخيرة، فاصطدم الخنجر بجسدها المعدني.
كرااانغ!
تراجع إيرفين، لكن نور لم تمنحه فرصة أخرى.
استدارت وأطلقت سهمًا من مسافة صفر.
تراجع إيرفين وطوى المسافة مجددًا، وظهر على الجانب الآخر من البرج.
لكنه توقف هناك.
كان يتنفس بصعوبة، ومسح العرق عن جبينه قبل أن ينظر إلى يده المرتجفة.
“تبًا…”
قالت نور:
“قلت لك.”
رفعت قوسها.
“قدرتك ليست مجانية.”
ابتسم إيرفين رغم الإرهاق.
“وأنت أيضًا.”
نظرت نور إلى يدها.
كانت أصابعها ترتجف هي الأخرى.
استخدام روحها المتلفة لفترة طويلة بدأ يستنزفها.
قال إيرفين:
“إذن…”
خفض جسده استعدادًا للهجوم.
“من سيسقط أولًا؟”
شدت نور وترها.
“لنكتشف ذلك.”
—
وفي مكان آخر من المدينة، كان ستارك لا يزال واقفًا أمام أرثر.
لكن شيئًا كان مختلفًا.
كان السيف المحطم ملقى على الأرض، بينما تحولت الأرض المحيطة بهما إلى اللون الأسود بفعل التآكل.
وقف أرثر بصعوبة، والدم ينزل من كتفه، بينما ظل ستارك ثابتًا في مكانه.
رفع ستارك سيفه.
“استسلم.”
ضحك أرثر.
“أنت فعلًا لا تعرف كيف تتحدث مع خصمك.”
“لا أحتاج إلى ذلك.”
خطا ستارك خطوة إلى الأمام.
“أحتاج فقط إلى إنهاء القتال.”
رفع أرثر يده، وبدأت علامات التآكل تنتشر على جسده، حتى بدأ جلده نفسه يتشقق.
قال:
“إذن تعال.”
اندفع ستارك.
وفي اللحظة نفسها…
اهتزت المدينة.
دووووووووم!
توقف الاثنان.
رفع ستارك رأسه.
كان الانفجار بعيدًا، لكن قوته كانت هائلة.
ثم جاء انفجار آخر.
ثم ثالث.
تغير وجه أرثر.
“ما هذا؟”
لم يجب ستارك.
كان ينظر إلى الاتجاه نفسه.
ومن بين الدخان، ظهر شيء ضخم فوق أحد المباني.
مدفع.
لكن ليس كأي مدفع رأوه من قبل.
كان أكبر بعشرات المرات من المدافع الموجودة عند البوابة، وكان موجهًا مباشرة نحو قلب جيش التحالف.
اتسعت عينا ستارك.
“إنهم يستخدمون المدفع الرئيسي…”
نظر أرثر إليه.
“يبدو أن هارالد قرر إنهاء هذه الحرب بسرعة.”
—
في قلب المدينة، كان هارالد يقف فوق برج القيادة، وحوله عشرات الضباط. أمامهم خريطة ضخمة لمدينة البخار، وقد انتشرت عليها علامات حمراء وزرقاء تمثل تحركات القوات.
قال أحد الضباط:
“الجناح الشرقي للعدو بدأ يتقدم.”
وقال آخر:
“لكن قواتنا ما زالت تحافظ على الممرات الداخلية.”
وأضاف ثالث:
“قواتهم الرئيسية انفصلت عن المؤخرة.”
ظل هارالد صامتًا.
ثم وضع إصبعه على الخريطة.
“هنا.”
نظر الجميع إلى النقطة التي أشار إليها.
“أغلقوا هذا الشارع.”
تردد أحد الضباط.
“لكن سيدي، إذا أغلقناه فستُحاصر وحداتنا الموجودة هناك.”
نظر إليه هارالد.
“أعرف.”
ساد الصمت.
ثم قال:
“أريدهم أن يظنوا أننا نرتكب خطأ.”
فهم الضباط ما يعنيه.
لم يكن هارالد يحاول منع التحالف من الوصول إلى قلب المدينة.
كان يقودهم إليه.
خطوة بعد خطوة.
شارعًا بعد شارع.
حتى أصبح الجزء الأكبر من الجيش داخل منطقة محددة.
رفع هارالد رأسه.
“هل المدفع جاهز؟”
أجاب الضابط:
“جاهز.”
“هل يمكنه إطلاق طلقة واحدة فقط؟”
“نعم.”
“وهل تكفي؟”
صمت الضابط للحظة، ثم قال:
“إذا أصابت الهدف…”
نظر إلى الخريطة.
“فلن يبقى شيء في ذلك الشارع.”
ابتسم هارالد.
“إذن لا تخطئوا.”
—
في الخارج، لم يكن جيش التحالف يعرف ما يحدث.
كان الجنود يواصلون التقدم، وهم يرون قوات فيلمونت تتراجع أمامهم، ولذلك ظنوا أن النصر أصبح قريبًا.
ارتفعت صرخات الجنود في الشوارع.
“إلى الأمام!”
“لا تتوقفوا!”
“القصر أمامنا!”
بدأت الرايات تتقدم واحدة تلو الأخرى، لكن فوق المباني ظهرت عشرات الجنود.
رفعوا أسلحتهم.
ثم انسحبوا جميعًا في اللحظة نفسها.
توقف أحد قادة التحالف، ونظر حوله بحيرة.
“لماذا انسحبوا؟”
ثم سمع صوتًا.
صوتًا عميقًا وثقيلًا قادمًا من أعماق المدينة.
ووووووووووووم…
رفع الجميع رؤوسهم.
ظهر ضوء هائل في الأفق.
تجمدت الوجوه.
قال أحد الجنود:
“ما هذا؟”
صرخ القائد:
“انبطحوا!”
لكن الأوان كان قد فات.
انطلق المدفع.
—
في اللحظة نفسها، سمع ويليام الانفجار من بعيد.
كان لا يزال يقاتل رودريك، لكن كلاهما توقف في اللحظة ذاتها.
نظر ويليام إلى الأفق.
“هذا ليس انفجار قدرة.”
ابتسم رودريك.
“لا.”
رفع سيفه.
“إنه مدفع.”
شد ويليام قبضته حول رمحه.
“مدفع بهذا الحجم…”
ثم نظر نحو المدينة.
“إنه متجه إلى جيشنا.”
اختفت ابتسامة رودريك.
وللمرة الأولى منذ بداية القتال، لم يهتم أي منهما بالخصم الذي أمامه.
قال ويليام:
“إذا أصابهم…”
أكمل رودريك:
“فسنخسر آلاف الرجال.”
ساد صمت قصير.
ثم قال رودريك:
“إذن ماذا ستفعل؟”
نظر ويليام إليه، ثم ابتسم.
“سأوقفه.”
رفع رودريك سيفه.
“وأنا؟”
قال ويليام:
“حاول ألا تقتلني بينما أفعل.”
ضحك رودريك.
“لا أعدك.”
وانطلق الاثنان في اللحظة نفسها.
لكن هذه المرة، لم يكن اتجاههما نحو بعضهما.
بل نحو المدفع.
وفي مكان آخر من المدينة، كانت سكارليت ترفع رأسها نحو السماء. كانت قد سمعت الصوت قبل الجميع، واتسعت عيناها وهي تحدق في الضوء المتسارع عبر السماء.
ثم قالت كلمة واحدة:
“اهربوا…”
لكن صوتها لم يصل إلى أحد.
لأن قذيفة المدفع كانت قد وصلت بالفعل إلى منتصف السماء.
وكانت الحرب على وشك دخول مرحلة جديدة تمامًا.