الفصل 294 - نور رامية السهام
تحولت مدينة البخار تدريجيًا إلى مقبرة جماعية، بل أصبحت أقرب إلى الأنقاض منها إلى مدينة حقيقية.
اشتَبك جيش التحالف مع جيش فيلمونت في معركة طاحنة، امتلأت خلالها الطرقات بالدماء والجثث والصرخات.
حتى رائحة المجاري، التي لا تُطاق في العادة، غلبتها رائحة الدم المتخثر.
على أحد الأبراج، وقفت امرأة بشعر بني خفيف ونمش يغطي وجهها. امتدت أفعى روح متلفة من ساقها اليسرى، والتفت حول كامل جسدها، قبل أن يتوقف رأسها فوق كتفها إلى جانب رأس المرأة.
كانت تحمل قوسًا فضيًا مهيبًا، ولم تكن سهامه تتوقف عن الانطلاق؛ سهمًا تلو الآخر، كانت تسقط مقاتلي فيلمونت بدقة مرعبة.
كانت نور رامية سهام جبارة، تجاوزت حتى معلمتها إيريس في الرماية، ونالت اعتراف يوليوس بها كواحدة من أفضل رماة السهام بين المتحكمين الشاملين.
في الوقت الحالي، كانت قد حددت هدفها التالي: مجموعة تضم قرابة مئتي مقاتل، تمكنوا من دفع إحدى كتائب جيش التحالف إلى الخلف.
سحبت نور وتر قوسها، فتشكلت الأسهم في مكانها. وبعد تدقيق سريع، أفلتت يدها.
انطلقت عشرات الأسهم في آن واحد، وأصابت أهدافها بدقة مرعبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
ومع ذلك، حدث شيء غريب.
كان هناك خطأ.
لقد أرسلت أربعين سهمًا، لكن لسبب ما لم يُصب منها سوى ثلاثة عشر هدفًا.
بالنسبة إلى نور، التي كانت إصابة أهدافها أمرًا مفروغًا منه، فإن إخفاقها في إصابة هذا العدد الكبير لم يكن يعني سوى شيء واحد.
هناك تدخل آخر يؤثر في أسهمها.
وقبل أن تدرك ما حدث، اندفع نحوها ثلاثة خناجر.
انحنت غريزيًا لتتجنب اثنين منها، ثم أمسكت بالثالث بيدها.
في تلك اللحظة، لمحت من أرسلها.
كان رجلًا طويل القامة، نحيف البنية، وعلى وجهه تلك الابتسامة المتعجرفة.
لم تكن بحاجة إلى فهم وضعها أكثر.
كان الرجل الذي يواجهها هو إيرفين، أحد القادة السبعة ومتحكم شامل مثلها، بل وربما أكثرهم إزعاجًا بالنسبة إليها.
فقدرته، «نسج المسافة»، تسمح له بتمديد المسافات أو تقصيرها بين نقطتين معلومتين بالنسبة إليه.
ابتسمت نور رغم الخطر المحدق بها. فالتحدي كان دائمًا وقودها.
“نسج المسافة… إذن أنت من أفسد رمايتي.”
قالتها وهي تشد قوسها من جديد، وعيناها لا تفارقان إيرفين للحظة.
قفز إيرفين إلى الخلف، فانكمشت المسافة بينهما فجأة دون أن يتحرك جسده فعليًا، وكأن الهواء نفسه قد طُوي لصالحه.
اقترب خنجره من رقبتها بسرعة خاطفة.
لكن نور لم تكن لتُفاجأ مرتين.
تحركت أفعى روحها المتلفة، الملتفة حول جسدها، بإرادتها الخاصة، واعترضت الخنجر بجسدها المعدني اللامع قبل أن يلامس جلدها.
“روح متلفة…” همس إيرفين وهو يتراجع خطوة، دون أن تفارق الابتسامة المتعجرفة وجهه. “سمعت عن هذه الأرواح كثيرًا في حياتي، لدرجة أنني أحسدك على امتلاك واحدة. لنرَ كم تستحق كل هذا الإشادة.”
“لن تحتاج إلى الانتظار طويلًا لترى.”
ردت نور بهدوء بارد، وهي تسحب وتر قوسها من جديد.
هذه المرة، لم تحاول إطلاق وابل من السهام.
سهم واحد فقط.
لكنها ركزت فيه كامل تركيزها.
أطلقته نحو إيرفين مباشرة.
ابتسم الرجل، ثم طوى المسافة بينه وبين نقطة خلف نور مباشرة، متجنبًا السهم ببساطة سخيفة.
أو هكذا ظن.
لأن السهم لم يكن يتجه نحوه أصلًا.
انفجر السهم في الهواء إلى عشرات الشظايا الفضية الدقيقة، وتحولت كل واحدة منها إلى سهم مصغر، أحاط بالنقطة التي طوى إيرفين المسافة إليها من جميع الاتجاهات.
“كنت أعرف أنك ستستخدم قدرتك للهروب من مسار السهم المباشر.”
قالت نور دون أن تلتفت حتى.
“المسافة التي تنسجها… تحتاج إلى نقطة معلومة لك، أليس كذلك؟ لكنك لا تستطيع أن تعرف أين ستكون كل هذه الشظايا في اللحظة نفسها.”
للمرة الأولى، تلاشت الابتسامة المتعجرفة عن وجه إيرفين، ولو للحظة واحدة.
شعر بشيء دافئ يسيل على كتفه.
نظر إليه، فوجد دمه.
تراجع بضع خطوات، وعيناه لا تصدقان ما يريانه.
“مثير للاهتمام.”
قال أخيرًا، لكن صوته فقد نبرته الساخرة السابقة.
“لم يُصبني أحد منذ سنوات.”
لم يمهلها وقتًا للرد.
طوى المسافة فجأة، واختفى من مكانه ليظهر خلفها مباشرة، وخنجره يلمع بالقرب من عنقها.
لكن قبل أن يصل إليها، اعترضته أفعى الروح المتلفة، والتفت حوله كالسوط، ثم دفعته بعيدًا بقوة جعلته يرتطم بحافة البرج.
استدارت نور بسرعة، وسحبت وتر قوسها من جديد.
لاحظت شيئًا.
كل مرة يطوي فيها إيرفين المسافة، تظهر عليه علامات تعب طفيفة، وكأن القدرة نفسها تستنزفه أكثر مما يظهر.
“قدرتك ليست مجانية، أليس كذلك؟”
قالت وهي تصوب نحوه.
“كل طيّة تكلفك شيئًا. لهذا توقفت عن السلسلة الأخيرة.”
ضحك إيرفين بصوت منخفض، ومسح الدم عن شفته.
“ذكية فعلًا. لكن معرفتك بذلك لن تنقذك.”
نهض واستعاد وضعية القتال، لكن هذه المرة كانت حركاته أبطأ قليلًا مما كانت عليه في البداية.
فرق بسيط.
لكن نور التقطته.
خلفهما، استمرت المعركة الكبرى. أصوات الصراخ واصطدام المعادن لم تهدأ، لكن هذه الزاوية الصغيرة من البرج كانت قد تحولت إلى ساحة مبارزة خاصة بين متحكمين شاملين، يبحث كل منهما عن ثغرة في الآخر.
استغل إيرفين تلك الثانية من التردد، وطوى المسافة مجددًا.
هذه المرة، لم يستهدف نور مباشرة، بل نقطة أعلى البرج، محاولًا خداعها بتغيير زاوية هجومه عن المرات السابقة.
لكن نور كانت قد بدأت تفهم منطق قدرته أكثر فأكثر.
كل طيّة للمسافة تبدو وكأنها تحتاج إلى لحظة تركيز قصيرة، يظهر خلالها تجمد خفيف في عينيه قبل الانتقال مباشرة.
وحين رأت تلك اللحظة تتكرر، أطلقت وابلًا من عشرة أسهم نحو الفراغ الذي توقعت ظهوره فيه.
وفعلًا، ظهر إيرفين هناك مباشرة، ليجد نفسه محاصرًا بالأسهم من كل جانب.
اضطر إلى طي المسافة مرة أخرى فورًا للهروب دون أن يكمل هجومه.
لكن هذا الاستخدام المتلاحق بدأ يترك أثره الواضح عليه.
أصبحت أنفاسه أكثر تقطعًا، وبدأت قطرات العرق تتصبب من جبينه رغم برودة الجو.
استغلت نور اللحظة، فسحبت سهمين في وقت واحد وأطلقتهما نحوه من زاويتين متعامدتين، بحيث يستحيل عليه تفاديهما بالقفز جانبًا.
لم يجد إيرفين أمامه سوى طي المسافة نحو أحد السهمين نفسه.
وفجأة، وجد نفسه أمام السهم مباشرة بدلًا من خلفه.
حاول استغلال الطيّة ليمسك بالسهم بيده العارية بدلًا من تفاديه.
ونجح.
لكن بصعوبة بالغة.
اخترق السهم راحة يده وجرحها بعمق، بينما أصابه السهم الثاني في فخذه دون سابق إنذار.
تعثر للحظة، وسقطت إحدى ركبتيه على أرضية البرج.
وفي تلك اللحظة بالذات، اندفعت نور نحوه مباشرة بدلًا من الاعتماد على قوسها فقط.
سحبت خنجرًا قصيرًا من حزامها كانت تخبئه احتياطًا، وحين اقتربت منه بما يكفي، حاول إيرفين طي المسافة للهروب مجددًا.
لكن جسده لم يستجب هذه المرة بالسرعة المعتادة.
بدلًا من اختفائه بالكامل، ظهر تشوه بسيط في الهواء حوله، وكأن قدرته قد تلعثمت.
منحت تلك اللحظة نور الفرصة الكافية للوصول إليه وتوجيه ضربة بخنجرها نحو كتفه غير المصابة.
أصابته الضربة بعمق هذه المرة، وتركت إيرفين يصرخ للمرة الأولى منذ بدء المواجهة.
ابتعدت نور خطوة إلى الخلف وهي تلهث بشدة، مدركة أن الاستمرار في التحكم بالروح المتلفة، إلى جانب هذا القتال المباشر، بدأ يستنزف طاقتها هي الأخرى.
وقف الاثنان لثانية طويلة، يتبادلان النظرات وسط ضجيج المعركة المستمرة من حولهما.
كان كل منهما قد أدرك أن الآخر أقوى مما توقع.
والجولة القادمة…
قد تكون الحاسمة.