الفصل 290 - المرحلة الثانية للحرب
لم تعد المدينة تعرف معنى الهدوء.
منذ اللحظة التي سقطت فيها البوابة، تحولت شوارع فيلمونت إلى ساحة حرب لا نهاية لها.
ارتفعت صرخات الجنود من كل اتجاه، وصليل السيوف، وصوت الرماح وهي تخترق الدروع، وصهيل الخيول، وانفجارات القدرات التي كانت تهز المباني من أساساتها.
تقدم جيش التحالف إلى داخل المدينة كالموج.
عشرون ألف مقاتل اندفعوا عبر البوابة، لكن قوات فيلمونت لم تكن مستعدة للتراجع.
كانت صفوفهم قد تشكلت بالفعل خلف البوابة.
جنود المشاة في المقدمة.
الرماة فوق أسطح المباني.
وحدات الفرسان في الشوارع الجانبية.
ورجال المدفعية خلف التحصينات الداخلية.
كانت فيلمونت تعرف أن سقوط البوابة الخارجية لا يعني سقوط المدينة.
بل يعني أن الحرب الحقيقية بدأت.
— “اثبتوا مواقعكم!”
صرخ أحد قادة فيلمونت.
رفع الجنود دروعهم.
ثم اندفعوا.
اصطدم الصفان.
كراااانغ!
اهتزت الأسلحة.
سقط أول رجل، ثم الثاني، ثم عشرات.
وفي غضون لحظات، امتلأت الأرض بالدماء.
لم يكن هناك مجال للتردد. الجندي الذي يتراجع خطوة يجد سيفًا أمامه، والذي يتقدم خطوة يجد رمحًا ينتظره.
تحولت الشوارع الواسعة إلى ممرات ضيقة من الموت.
كان مقاتلو التحالف يتقدمون ببطء، مستخدمين أعدادهم الكبيرة للضغط على دفاعات فيلمونت.
لكن المدافعين كانوا يعرفون المدينة.
كانوا يقاتلون بين مبانيها، من الأزقة، ومن النوافذ، ومن فوق الأسطح.
سقطت سهام من الأعلى.
فششش!
اخترق أحدها جنديًا، ثم سقطت عشرات السهام بعدها.
رفع مقاتلو التحالف دروعهم.
— “الدروع!”
تشكلت عشرات الدروع فوق رؤوسهم.
ثم…
دوي!
انفجرت إحدى القذائف وسط التشكيل، فتطاير الجنود في الهواء.
صرخ أحد الضباط:
— “لا تتوقفوا!”
واصل الباقون التقدم.
كان هدفهم واضحًا: الوصول إلى قلب المدينة.
—
في شارع آخر، كان القتال أكثر شراسة.
مجموعة من مقاتلي التحالف حاصرت وحدة من فرسان فيلمونت.
اندفع أحد الفرسان بحصانه ورفع سيفه، لكن مقاتلًا من التحالف اعترض طريقه.
اصطدمت الشفرات.
كراااانغ!
تراجع الفارس، ثم أحاط به ثلاثة آخرون.
لم يكن هناك قتال فردي…
لم تكن هناك مبارزة شريفة.
هذه حرب.
وحين سقط الفارس عن حصانه، مر فوقه عشرات الجنود دون أن ينظر أحد إلى الوراء.
—
في السماء، كانت الحرب مختلفة.
ارتفعت أعمدة من النار والدخان فوق المدينة.
كان بعض أصحاب القدرات يقاتلون فوق أسطح المباني، بينما كان آخرون يطلقون قدراتهم من مسافات بعيدة لدعم قواتهم.
ضربة واحدة من مقاتل قوي كانت كافية لتحطيم جزء من مبنى.
ومع كل انفجار، كانت الأحجار تتساقط على الجنود في الأسفل.
بدأت بعض الأبنية بالانهيار.
بووووم!
سقط جدار كامل.
هرب الجنود من تحته، لكن أحدهم لم يكن سريعًا بما يكفي، فاختفى جسده تحت الأنقاض.
لم يتوقف أحد.
استمرت الحرب.
—
وفي وسط كل ذلك…
كان القادة السبعة لفيلمونت يتحركون.
لم يكونوا مجرد جنود أقوياء.
كانوا أعمدة الجيش.
كل واحد منهم كان قادرًا على قلب ساحة صغيرة من المعركة بمفرده.
ولهذا لم يكن قادة التحالف يسمحون لهم بالتحرك بحرية.
تم توزيع المواجهات مسبقًا.
كل قائد في مواجهة قائد.
كل قوة كبيرة لها من يواجهها.
وبين تلك المعارك، كان الجنود العاديون يخوضون حربهم الخاصة.
كانت تلك هي الخطة.
عزل القادة، ثم سحق الجيش، ثم الوصول إلى قلب السلطة.
—
على أحد الأسطح المرتفعة، وقف رجل من قوات التحالف يراقب المدينة.
كان يرى كل شيء.
البوابة التي تحولت إلى أنقاض، والشوارع الممتلئة بالجنود، والدخان، والنيران، والرايات التي تتقدم شيئًا فشيئًا.
لكن عينيه لم تتوقفا عند تلك الأشياء.
كان ينظر إلى مكان أبعد…
إلى قصر فيلمونت.
كان القصر لا يزال بعيدًا.
ولا تزال راية فيلمونت مرفوعة فوقه.
قال الرجل:
— “نحن نتقدم بثبات.”
ثم ضيق عينيه.
— “لكنهم لم يسقطوا بعد.”
وفي اللحظة نفسها…
اهتزت الأرض.
دواااااام!
وقع انفجار هائل في الجهة الشرقية، وارتفع عمود من النار إلى السماء.
ثم جاء صوت آخر.
ثم آخر.
بدأت خطوط الجبهة تتحرك.
تراجعت قوات فيلمونت في أحد الشوارع، لكنها تقدمت في شارع آخر.
التحالف يخسر موقعًا ثم يستعيده.
وحدة كاملة من فيلمونت تُحاصر، فتتدخل قوة أخرى لإنقاذها.
لم تكن المعركة تسير في اتجاه واحد.
كانت المدينة بأكملها تتغير كل دقيقة.
—
في أحد الشوارع، رفع جندي من التحالف سيفه.
كان جسده مغطى بالدم، ولم يعرف إن كان الدم دمه أم دم خصمه.
نظر حوله.
وجد خمسة من رفاقه قد سقطوا.
لكنه رأى أيضًا راية التحالف تقترب.
صرخ:
— “إلى الأمام!”
استجاب له عشرات الجنود.
— “إلى الأمام!”
اندفعوا.
وفي الجهة المقابلة، صرخ جنود فيلمونت:
— “لا تسمحوا لهم بالمرور!”
اصطدم الجيشان من جديد.
كرااااانغ!
كانت الحرب تبتلع الجميع.
الأقوياء.
والضعفاء.
القادة.
والجنود.
حتى المدينة نفسها.
—
ومع مرور الوقت، بدأت نتيجة المعركة تظهر ببطء.
لم يكن جيش التحالف قد اخترق قلب فيلمونت بعد.
لكنهم تجاوزوا البوابة.
سيطروا على عدة شوارع رئيسية.
وسقطت التحصينات الخارجية.
في المقابل، حافظ جيش فيلمونت على خطوطه الداخلية.
كان يتراجع تدريجيًا، لكنه لم ينهَر.
وكان ذلك أخطر ما في الأمر.
لأن الجيش الذي ينهار يهرب.
أما الجيش الذي يتراجع منظمًا…
فإنه يستعد للضربة التالية.
وفوق إحدى بوابات المدينة الداخلية، وقف هارالد، الذراع اليمنى لفيلمونت، يراقب اقتراب قوات التحالف.
ثم ابتسم.
— “دعهم يتقدمون.”
نظر أحد الجنود إليه باستغراب.
— “سيدي؟”
قال القائد:
— “لقد دخلوا المكان الذي أردناه.”
وفي اللحظة نفسها…
بدأت بوابات الشوارع الداخلية تُغلق.
دواااانغ!
أُغلقت البوابات الحديدية خلف مقدمة جيش التحالف.
توقفت مجموعة كبيرة من الجنود في منتصف الشارع.
ثم بدأت أجراس المدينة تدق.
رفع القائد عينيه نحو السماء.
— “الآن…”
ظهرت عشرات الأعلام فوق المباني.
— “ابدؤوا المرحلة الثانية.”
وللمرة الأولى منذ دخولهم مدينة البخار…
شعر قادة التحالف أن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا.
كانت المعركة قد بدأت تتغير.
ولم تعد مسألة اقتحام مدينة.
لقد أصبحت حربًا داخل قلب الإمبراطورية.