الفصل 284 - سكارليت
كان المكان مظلما و موحشا جدا فقدت كل من تعتز بأمرهم اشتاقت لهم و احبت ذكراهم و مع ذلك الموتى لا يستجيبون الآن لم يتبقى لها أحد و لكنها اختارت شخصا آخر عوضها عن كل من فقدتهم كان اسمه يطرب مسامعها منظره كافي ليرفرف قلبها كان دارون
تذكرت السنوات الثلاثة التي قضتهم مع دارون بعد موت أخيها كيف سجلا كمرتزقة كيف قاتلا معا اللحظات الطريفة بينهما لم يفشل دارون أبدا عن إضحاكها بسبب برائته و قلت معرفته، بالنسبة لها كان دارون ملاذها و مع ذلك كان تناقضا صارخا في حياتها
كان دارون وجودا صارخا في حياتها و مع ذلك كان السكون و الصمت خليله منذ البداية كانت عيناه مليئتان بالأمل الذي يبرق وسط ظلام اليأس
كانت تعلم أكثر من غيرها أنه تلقى ما يكفي من المآسي في حياته لهذا السبب لم تشهد في حياتها عن شخص أشد رغبتا من دارون في السعي للقوة
و لكن رغبته هذه كرهتها بل مقتتها أشد المقت كانت تحبه و تكره طبيعته لم تفهم شعورها حتى أحبت وجوده أحبت وجهه احبت قلت معرفته احبت غباءه أحيانا و ذكاءه المبالغ فيه أحيانا و احبت شدة تركيزه و مع ذلك كرهت عدم مبالاته بنفسه كرهت تسرعه كرهت رغبته في السعي للقوة
لأنها… كانت خائفة من فقدانه.
أرادت التمسك به بقوة، فكرت في عدة احتمالات، فكرت عدة خطط، الزواج، التعلق، الإستغلال، العاطفة، مهما كانت خططها ملتوية أرادت دائما نفس الشيء البقاء معه حتى لا تفقده.
كانت حياتها مشرقتا في وحده و كأيبة في غيابه …
لهذا السبب عندما دخلت تلك السراديب و اخبرت الصمت مرة أخرى و رغم محاولاتها طمأنت نفسها كانت فكرة فقدان دارون تشغل كامل طاقتها كل ثانية في هذا الصمت كل خطوة كان نقلها يزداد سخونة و أفكار ازداد جموحا
حتى انهارت تماما…
كان الظلام يحيطها من كل مكان و كان الصمت مشتقا من الظلام لذلك سحبت نفسها تخلصت من الظلام ليحل محلها بياض شاسع و مع ذلك مازال نفس الصمت قائما جلست وسط ذلك البياض ضمن ركبتيها إليها و غرست وجهها عميقا و كأنها تختبئ من الصمت.
حينها فجأة و دون مقدمات ساد جو غريب المكان لم تعد تشعر بذلك الصمت المرعب رفعت رأسها ببطء هناك وقف أمامها ذلك الوجود المألوف ذلك الشخص الذي كان فقدانه أكثر ألما من أي شخص آخر في حياتها كان يوجين
ارتعشت ذراعاها و مدتهما إليه، كان يبتسم نفس الإبتسامة الأخيرة، و مع ذلك كلما مدت يديها إليها كان يبتعد أكثر فأكثر…
انهمرت الدموع من عينيها إستجابتا لوضعها زحفت محاولتا اللحاق به حاولت إخراج صوت من حنجرتها “لالا… لا تذهب يوجين، أنا أشتاق إليك”
زحفت أكثر بيأس عميق لا مثيل لها كانت عيناها مفتوحتان على اتساعهما تفيضان بالدموع
“لا تتركني مرة أخرى يوجين أنا سإمت فقدان الجميع…”
حينها بدأت صورة يوجين تصبح ضبابيتا و بدأت تختفي حتى لم يتبقى سوى ذلك البياض الشاسع
بكا سكارليت بجنون توسلت تضرعت و مع ذلك كان الصمت جوابها كانت يدها ممدودتا طوال الوقت و مع ذلك لم تحصل على استجابة
يأس… كان اليأس جوابها ارتعشت يدها الممدودة و حاولت سحبها بعد أن جفت دموعها
حينها توقفت يدها شعرت بشيء يمسكها بإحكام مهما كانت قوتها لم تستطع سحبها رفعت رأسها مرة أخرى نفس الهيئة نفس الإبتسامة هذه المرة كان جاثيا أمامها و يمسك يدها و قال بصوت جميل
“لا تيأسي أختي…”
تجمدت سكارليت في مكانها.
نظرت إلى يوجين، إلى يده التي تمسك بيدها، وكأنها تخشى أن تكون مجرد وهم آخر سيتلاشى بمجرد أن ترمش.
ابتسم لها يوجين بهدوء.
“أنتِ لستِ وحدكِ.”
اتسعت عيناها قليلاً.
“لقد فقدتِ الكثير… أعلم ذلك.”
خفض نظره إلى يدها المرتجفة.
“لكن لا تجعلي خوفك من فقدان من تحبين يجعلك تفقدين من لا يزالون إلى جانبك.”
ارتجفت شفتاها.
دارون…
تذكرت وجهه، صوته، ابتسامته الساذجة أحياناً، ونظرته التي كانت تحمل ذلك الأمل الغريب حتى في أكثر اللحظات ظلاماً.
قال يوجين:
“أنتِ تحبينه، أليس كذلك؟”
لم تستطع الإجابة.
“إذن لا تحاولي الاحتفاظ به خوفاً من فقدانه.”
رفع عينيه إليها.
“عِشي معه.”
ساد الصمت للحظة.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
“قاتلي إلى جانبه، اضحكي معه، تشاجري معه، ووبخيه عندما يتصرف بحماقة…”
ضحكت سكارليت وسط دموعها.
“لكن لا تدعي الخوف يسرق منكِ الوقت الذي ما زال أمامكِ.”
شعرت بيد يوجين تخف شيئاً فشيئاً.
“الموتى لا يستطيعون العودة يا سكارليت…”
توقف للحظة.
“لكن الأحياء يستطيعون الاستمرار.”
بدأ جسده يتلاشى ببطء.
صرخت سكارليت وهي تشد يده:
“يوجين!”
ابتسم لها للمرة الأخيرة.
“لذلك عيشي.”
ثم اختفى.
ولأول مرة منذ دخلت ذلك المكان…
لم يكن الصمت مرعباً.
جلست سكارليت وسط البياض، ودموعها لا تزال على وجهها، لكنها لم تعد تبكي.
نظرت إلى يدها التي كانت تمسك بيده قبل لحظات، ثم أغلقتها ببطء.
“دارون…”
همست باسمه، وعلى وجهها ظهرت ابتسامة صغيرة.
“أحبك.”