الفصل 283 - حين يصمت العالم
كان الليل هادئًا، هادئًا أكثر مما ينبغي. فتحت سكارليت عينيها ببطء، وبقيت تحدق في الظلام دون أن تتحرك، تستمع إلى أي شيء؛ حفيف الرياح خلف النافذة، خطوات أحدهم في الممر، صوت خشب يتقلص تحت برودة الليل، حتى صوت تنفس شخص نائم في الغرفة المجاورة. أي شيء على الإطلاق. لكنها لم تسمع شيئًا. تجمد جسدها، وارتفعت أنفاسها دون إرادة منها، ومدّت يدها نحو صدرها؛ كانت دقات قلبها تتسارع، لكنها لم تكن قادرة على سماعها. همست: “لا…” وأغلقت عينيها بقوة. لم يكن الصمت بالنسبة إلى سكارليت مجرد غياب للصوت، بل كان نذيرًا، بابًا يُفتح على ذكرى لا تريد دخولها أبدًا. ومع ذلك، كان عليها أن تعود إليها.
كانت طفلة صغيرة، وكان منزلها صغيرًا أيضًا، لكنها لم تره صغيرًا قط، لأن البيت كان ممتلئًا بالأصوات؛ صوت والدها وهو يصلح شيئًا خشبيًا، وطرق المطرقة المتكرر، وصوت والدتها في المطبخ بين رنين الأواني، وضحكة يوجين الصغير، وصرخاته حين تغضبه أخته، وصوتها هي حين تركض خلفه في أرجاء المنزل تصيح: “يوجين! أعدها!” فيجيبها: “لن أعيدها!” فتصرخ: “أمي!” فتقول أمها: “لا تشتكي كل مرة يا سكارليت.” فتحتج: “لكنه أخذها!” فترد الأم: “وأنت أخذت لعبته بالأمس.” وقبل أن تكمل اعتراضها، كانت تسمع ضحكة والدها، ثم ضحكة أمها، ثم ضحكة يوجين، فتضحك معهم جميعًا.
كان عالمها بسيطًا؛ لم تكن عائلتها غنية، ولم تكن حياتهم مليئة بالمغامرات، لكنها كانت سعيدة، وكان أهم شيء في ذلك العالم بالنسبة إلى سكارليت أنها كانت تسمعهم دائمًا. طالما سمعت والدها، فهو موجود. طالما سمعت والدتها، فهي بخير. وطالما سمعت يوجين يركض ويصرخ ويشكو منها، فهو حي. لم تكن تعرف حينها أن تلك الأصوات الصغيرة ستصبح يومًا أغلى ما تملكه ذاكرتها بأكملها.
كبرت سكارليت قليلاً، وفي أحد الأيام دخلت الغابة مع صديقتها، وكانتا تضحكان بينما تحيط بهما الأشجار من كل جانب، وتملأ أصوات الطيور والحشرات المكان من حولهما. سألتها صديقتها: “ألا تخافين؟” فسألتها سكارليت: “من ماذا؟” فأجابت: “من أن نضيع.” ضحكت سكارليت وقالت: “طالما أستطيع سماعك، فلن نضيع.” سألتها صديقتها: “ما علاقة هذا؟” فأجابت ببساطة: “لا أعلم.” ثم ضحكتا معًا وتقدمتا أكثر، حتى تغير شيء ما فجأة. لم تلاحظ سكارليت ذلك في البداية، ثم توقفت فجأة وقالت: “انتظري.” التفتت صديقتها وسألت: “ماذا؟” حدقت سكارليت بين الأشجار وقالت: “أين الطيور؟” لم تجبها صديقتها. رفعت سكارليت رأسها؛ لا شيء، لا رياح، لا حشرات، لا حفيف أوراق، لا شيء على الإطلاق. كان الصمت كثيفًا وغريبًا، وكأنه شيء حي يراقبهما عن كثب. قالت: “لنعد.” لكن صديقتها لم تجب هذه المرة. التفتت سكارليت إليها، فوجدتها واقفة في مكانها ساكنة تمامًا، ثم سقطت فجأة. صرخت سكارليت وركضت إليها، هزتها ونادتها وصرخت باسمها مرات ومرات، لكن الغابة لم تجب. ومنذ ذلك اليوم، عرفت سكارليت أن الصمت يمكن أن يعني الموت بذاته.
ثم جاء الطاعون. كان منزلها في البداية مليئًا بأصوات مختلفة؛ السعال، والأنين، وخطواتها وهي تتحرك بين والديها، وصوت الماء، وصوت الأدوية، وصوت أمها وهي تحاول طمأنتها، وصوت أبيها وهو يقول: “لا تخافي يا سكارليت.” لكن تلك الأصوات بدأت تقل يومًا بعد يوم، حتى جاءت تلك الليلة. استيقظت، ولم تسمع شيئًا. جلست ونظرت إلى والدها، فوجدته ساكنًا. سألت: “أبي؟” لا جواب. اقتربت منه ولمست يده، فوجدتها باردة. التفتت إلى أمها وسألت: “أمي؟” لا جواب أيضًا. هزتها، ثم احتضنتها وصرخت، لكن المنزل ظل صامتًا تمامًا؛ لم يكن هناك صوت مطرقة، ولا صوت أوانٍ، ولا ضحكة، ولا خطوات صغيرة، فقط الصمت المطبق. في تلك الليلة، فقدت سكارليت والديها، لكنها فقدت شيئًا آخر أيضًا؛ ذلك الأمان الذي كانت تشعر به كلما سمعت أصوات من تحب. ومنذ ذلك اليوم، أصبح الصمت عدوها الحقيقي.
بقي يوجين وحده؛ آخر صوت، آخر شخص، آخر دليل على أن العالم لم يأخذ كل شيء منها بعد. كانت تحميه، وكان يحاول حمايتها بالمقابل، حتى وصلا معًا إلى كاريثيون. هناك تغيرت حياتهما بالكامل؛ القتال، والدماء، والخوف، والجوع. لكن يوجين كان لا يزال موجودًا، وكانت تسمع صوته دائمًا ينادي: “سكارليت!” فتلتفت نحوه. يقول: “أنا بخير!” فترد: “أنت تنزفين!” فتجيبه: “مجرد خدش!” فيقول: “أختي، أنت تكذبين!” فتضحك. كان ذلك الصوت وحده يكفيها دائمًا. ثم ظهر دارون في حياتهما. منذ اللحظة الأولى، شعرت بشيء غريب تجاهه، لم تفهمه؛ لم يكن عدوًا، ولم يفعل شيئًا يستحق كراهيتها، ومع ذلك شعرت بعداء غامض تجاهه، وكأن شيئًا بداخلها يحذرها منه. لكن ذلك الشعور بدأ يتغير تدريجيًا، لأن وجود دارون كان يعني شيئًا لم تدركه إلا لاحقًا؛ كان وجوده يعني الحركة، والصوت، والخطر، والحياة نفسها. حين كان موجودًا، لم يكن العالم صامتًا أبدًا. ولهذا، بطريقة لم تستطع تفسيرها بوضوح، أصبحت تثق بوجوده تدريجيًا.
ثم جاءت مدينة الرماد الأبيض، تلك المدينة التي بدت وكأنها ماتت قبل أن يصلوا إليها أصلاً؛ الرماد في كل مكان، والسماء رمادية، والهواء يحمل رائحة الموت الثقيلة. لكن يوجين كان بجانبها، وهذا كان كافيًا لتشعر بالأمان النسبي. حتى بدأت المعركة؛ صرخات، وانفجارات، وأقدام تتراكض، وسيوف، وقدرات تتصادم، كل شيء كان صاخبًا للغاية، ولهذا لم تكن سكارليت خائفة في البداية. ثم سمعت دارون من بعيد يصرخ: “يوجين!” رفعت رأسها، فرأته يهبط في الساحة كالعاصفة، تتحطم الأرض تحت قدميه وهو يركض باحثًا عن شيء ما. ثم رأته أخيرًا؛ يوجين، راكعًا على ركبتيه، يداه ممدودتان، والمرض يتدفق منه نحو الآخرين، عشرات الأشخاص حوله، أجساد كانت تحتضر ثم بدأت تتعافى تدريجيًا. لكن يوجين نفسه كان يزداد سوءًا مع كل لحظة تمر.
شعرت سكارليت بأن قلبها توقف فجأة، وصاحت: “يوجين…” ركضت نحوه، لكن دارون كان قد وصل قبلها. سمعته يصرخ صرخة لم تكن تشبهه على الإطلاق، صرخة رجل رأى شيئًا لا يستطيع عقله قبوله بسهولة. ثم اقترب يوجين منه، ووضع يده على جرحه، وعالج المرض في جسده حتى وهو يحتضر، حتى وهو يموت فعليًا، كان لا يزال يعطي دون توقف. توقفت سكارليت للحظة، ثم فهمت أخيرًا لماذا كان يوجين يبتسم، وفهمت شيئًا آخر أيضًا؛ هذه المرة، لن يكون هناك أي إنقاذ ممكن.
كان دارون يحدق فيه، ووجهه مكسور تمامًا، ويداه ترتجفان بشدة. قال: “يوجين… أنت مصاب، عالج نفسك أولاً.” ابتسم يوجين ابتسامة هادئة، الابتسامة نفسها التي كان يمنحها لأخته كلما خافت في صغرها، وقال: “دارون… ربما لا تعلم، لكن أختي تعلم. أمتلك قدرة علاجية تعالج كل شيء.” خفض عينيه وأضاف: “لكنها لا تعالجني أنا أبدًا.” شعرت سكارليت أن العالم بدأ يبتعد عنها تدريجيًا؛ لم تعد تسمع صرخات الناس، ولا صوت النار، ولا أي شيء آخر على الإطلاق. لا، ليس الآن، ليس مرة أخرى، ليس ذلك الصمت من جديد.
قال دارون: “لا… لا، أنت تمزح.” نظرت سكارليت إلى أخيها، فوجدته يبتسم وكأن الموت لم يكن واقفًا أمامه مباشرة، وكأنه لا يرى سوى الأشخاص الذين تمكن من إنقاذهم للتو. قال: “لطالما حلمت بمساعدة الكثير من الناس بقدرتي هذه يا دارون.” كانت دموع سكارليت تنزل بغزارة، فأضاف بابتسامة: “وانظر، لقد تحقق حلمي أخيرًا.” تذكرت سكارليت منزلها القديم، ووالدها، ثم والدتها، ثم صديقتها، وكيف كان الصمت يأتي دائمًا بعد كل واحد منهم. بدأ جسدها يرتجف بعنف؛ لا، لن يحدث هذا مرة أخرى، لن تسمح بذلك. اقتربت منه واحتضنته بقوة، كما لو أن ذراعيها وحدهما قادرتان على منع الموت من الاقتراب أكثر. همست: “لا… لا تتركني.” رفع يوجين يده الضعيفة ووضعها على رأسها، تمامًا كما كان يفعل حين كانت طفلة صغيرة، وقال: “لا تبكي يا أختي.” انهارت تمامًا، أرادت الصراخ بأعلى صوتها، لكنها خافت؛ خافت أن تصرخ ولا يسمعها أحد، خافت أن يعود ذلك الصمت اللعين من جديد.
وقف دارون أمامها، يحمل سيفه بيد مرتجفة، وفهمت هي ما يعنيه ذلك دون أي حاجة لتفسير إضافي؛ كان عليها أن تسمح بقتل أخيها بيديه، لكنها لم تستطع تحمل تلك الفكرة. رفعت رأسها نحوه، وعيناها ممتلئتان بالدموع، وقالت: “أرجوك يا دارون…” توقفت، لم تستطع إكمال الجملة، لكنه فهم المقصود على الفور. قال: “أنا سأفعلها.” أغمضت عينيها وقالت بصوت مكسور: “أنا لا أستطيع. إذا طلبت مني قتله…” احتضنت يوجين أكثر وأضافت: “…فسأموت قبله.” لم يجب دارون بكلمات، لكنها سمعت شهقة، ثم تنفسًا متقطعًا؛ كان يبكي، دارون كان يبكي فعلاً، ذلك الرجل الذي بدا لها دائمًا وكأنه لا يتزعزع أمام أي شيء، كان يقف أمامها والسيف في يده يرتجف بوضوح.
قال يوجين: “دارون.” رفع دارون رأسه نحوه. سأله يوجين: “هل أنت حزين؟” لم يجب مباشرة، فابتسم يوجين وقال: “إذن هذا يعني أنك كنت تحبني حقًا.” انهمرت دموع دارون بغزارة أكبر، وقال بصوت محطم: “أيها الأحمق… بالطبع أحببتك.” ابتسم يوجين وقال: “هذا جيد.” سكت لحظة ثم أضاف: “كنت أخاف دائمًا أن أموت دون أن أكون مفيدًا لأحد.” نظر إلى الأشخاص الذين أنقذهم للتو وقال: “لكنني اليوم أنقذت الكثير منهم.” ثم نظر إلى سكارليت وقال: “وحميت أختي.” ثم إلى دارون وأضاف: “وساعدت صديقي.” ابتسم أخيرًا وقال: “أعتقد أن حياتي كانت جميلة فعلاً.”
لم تعد سكارليت تسمع شيئًا مرة أخرى؛ عاد الصمت من جديد، لكنه هذه المرة لم يكن صمت الغابة، ولا صمت منزلها بعد موت والديها، بل كان أسوأ من كليهما، لأنها كانت تعرف تمامًا ما سيأتي بعده مباشرة. قال يوجين: “عندما يتحقق حلمك يا دارون…” فتح عينيه ونظر إليه وأكمل: “…عش بسعادة من أجلي أيضًا.” أغمض عينيه بعدها، وأصبح هادئًا، هادئًا جدًا. أمسكت سكارليت بيده وقالت: “يوجين…” لا جواب. ضغطت على يده بقوة أكبر: “يوجين.” لا شيء على الإطلاق. بدأت تبكي، لكنها لم تسمع بكاءها، ولا النار، ولا الناس، ولا حتى دارون، لم تسمع شيئًا أبدًا؛ فقط رأت وجه أخيها، رأت ابتسامته الأخيرة، ثم أدركت الحقيقة الكاملة؛ لقد عاد الصمت من جديد.
في اللحظة نفسها، كان دارون يقف أمامها والسيف في يده المرتجفة، لا يعرف كيف يستطيع تحريكها، ولا كيف يمكن لسيف أن يصبح أثقل من جبل كامل فجأة. نظر إلى يوجين، ثم إلى سكارليت، وكان مستعدًا لرؤية الكراهية في عينيها؛ توقع أن تنظر إليه وكأنه قاتل، وكأنه الرجل الذي جاء متأخرًا، الرجل الذي لم يكن سريعًا بما يكفي، الرجل الذي فشل في إنقاذ أخيها في الوقت المناسب. لكن سكارليت لم تكرهه على الإطلاق، وهذا بالذات جعله يتألم أكثر بكثير؛ كانت عيناها فارغتين تمامًا، لا غضب فيهما، ولا حقد، ولا حتى اتهام، فقط ذلك الصمت المطبق.
قال: “سكارليت…” رفعت رأسها، لكنها لم تسمع صوته، رأته فقط يتحرك، شفتاه تتحركان دون أي صوت مسموع. كان العالم كله قد ابتعد عنها تمامًا، وكأنها عادت إلى الغابة من جديد، صديقتها أمامها ثم تسقط، ثم منزلها، ووالدها، وأمها، ثم كاريثيون، ثم يوجين؛ كلهم كانوا هناك، وكلهم اختفوا بعد الصمت نفسه. لم تعد تعرف كيف تتحمل كل ذلك مجتمعًا، لكنها رأت دارون يرفع سيفه أخيرًا، ففهمت، وأغمضت عينيها، واحتضنت يوجين بإحكام وهمست: “لا تخف.” لم تعرف لماذا قالت تلك الكلمة بالذات، ربما كانت تتحدث إلى نفسها فقط. أضافت: “أنا هنا.” كانت يدها ترتجف فوق شعره وهي تكرر: “أنا هنا يا يوجين.” ثم شعرت بيد دارون تستقر على مقبض سيفه، وصمت العالم أكثر فأكثر من حولها.
لم تعرف سكارليت كم من الوقت مر؛ ثانية؟ دقيقة؟ ربما دهر كامل؟ كل ما عرفته أنها حين فتحت عينيها أخيرًا، لم يعد يوجين يتألم بعد الآن. وضعت يدها على وجهه، فوجدته هادئًا، هادئًا حقًا لأول مرة منذ وقت طويل جدًا. انحنت فوقه وضمت جسده إلى صدرها بإحكام، لم تصرخ، لم تستطع ذلك، لأن الصمت كان قد أخذ صوتها هي الأخرى. لكن دموعها استمرت في الانهمار. وبجوارها، كان دارون راكعًا، سيفه ملقى أمامه، رأسه منخفض، يده لا تزال ترتجف، ووجهه غارق في الدموع تمامًا مثلها. لم ينظر أي منهما إلى الآخر مباشرة، ولم يكن هناك شيء يمكن قوله أصلاً، لأن بعض اللحظات تكون أكبر بكثير من أي كلمات ممكنة.
في تلك الليلة، فهمت سكارليت شيئًا لم تفهمه طوال حياتها السابقة بأكملها؛ لم تكن تخاف الصمت بذاته، بل كانت تخاف ما يأتي بعده دائمًا. كانت تخاف أن تختفي الأصوات التي تحبها؛ صوت والدها، صوت والدتها، ضحكة صديقتها، خطوات يوجين المألوفة. وعرفت الآن أن العالم قد يفعل ذلك مرارًا وتكرارًا، يأخذ ثم يأخذ ثم يأخذ، حتى لا يتبقى شيء على الإطلاق. لكن وسط ذلك الخراب الكامل، كان هناك صوت واحد ما زال موجودًا؛ تنفس دارون، شهقاته المتقطعة، صوت يده وهي تقبض على مقبض سيفه. لم يكن صوتًا جميلاً بأي مقياس، لكنه كان صوتًا حقيقيًا رغم ذلك. ولهذا السبب بالتحديد، تمسكت به؛ ليس لأنها كانت مستعدة لنسيان يوجين يومًا، بل لأن يوجين نفسه ترك لها شيئًا حقيقيًا خلفه؛ ذكرياته، ضحكته، كلماته الأخيرة، وحلمه في أن تساعد الآخرين، وأن يعيش الناس بأمان، وأن يكون وجود الإنسان ذا معنى حقيقي حتى لو كان قصيرًا جدًا في النهاية.