الفصل 282 - الظلام
ما تلا تلك المعركة كان عملية البحث المعقدة. كان المستوى الثالث معقدًا لدرجة لا يمكن وصفها بالكلمات فقط؛ كان عبارة عن متاهة هائلة بضعف مساحة مدينة البخار.
المشكلة أنه لا يمكن وضع خريطة مفصلة عنها، لأن المسارات، وحسب كلام المستكشفين، تتغير باستمرار دون توقف. وصفت أيضًا بأنها آلية تجاوزت الزمن في حد ذاته. رغم سقوط حضارة الميكانيك، إلا أن آلاتهم استمرت بالعمل دون توقف.
الذي زاد من صعوبة البحث كان استحالة تمييز الأصوات، لأن الجدران كاتمة، وحتى القدرات عجزت عن تخطي هذه المهارة الصناعية التي أُطلق عليها اسم “سراديب الهلاك”.
لم يكن أمام فريق سكارليت سوى التقدم والاستكشاف ببطء حتى يجدوا الغرفة التي تم الاتفاق عليها، ولعل ميزتهم الوحيدة أن الغرفة كانت معلمًا على مركز المستوى، ويمكن إدراك ذلك عن طريق اللون.
كان المستوى الثالث مقسمًا إلى أربعة ألوان. كان اللون الأصفر يمثل المساحة الخارجية، وكلما تقدموا تغير لون الممرات والجدران بالترتيب، من الأصفر إلى الأحمر، ثم الأزرق، لينتهي باللون الأبيض.
حاليًا كانت المجموعة على الأطراف التي تفصل بين اللونين الأصفر والأحمر، وقد تم تقدير ساعتين على الأقل لبلوغ اللون الأبيض. لذلك تقدم الفريق بثبات، دون أي استعجال، خاصة أن الوحوش الروبوتية لم تعد تهاجمهم.
عاشت سكارليت حياتها بأكملها بقدرات سمع خارقة. بفضل قدرتها، كانت قادرة على تمييز الأصوات على بُعد أميال، ولهذا السبب بالتحديد جعلها التواجد في هذه السراديب في حالة سيئة.
لوصف حالة سكارليت، كنت سأقول إنها مثل شخص عاش طول حياته بنظر ممتاز ثم فقده. لكن هذا وصف مبالغ فيه، ففي حالتها، الأمر أشبه بأن تعيش كامل حياتك بنظر ممتاز، ثم يضعون على عينيك نظارة ضبابية تمنعك من تمييز الأشياء. ستتعثر وتتخبط وغيرها، ومع ذلك، أكثر ما ستشعر به هو انعدام الأمان.
مرت ساعتان في صمت تام بين الأعضاء، لم يُسمع خلالهما سوى صوت خطوات أقدامهم وأنفاسهم المنتظمة. ساروا وفق تخطيط منظم، متمثل في كشف الاتجاه الذي يصل إلى المركز، ثم اختيار المسارات الأسرع.
كانت أنفاس سكارليت تتصاعد تدريجيًا مع كل خطوة. في البداية كانت طبيعية، ثم بعد عدة دقائق لم تعد واضحة حتى، ولكن بمجرد أن بلغوا بالفعل منتصف اللون الأزرق، أصبحت أنفاس سكارليت أقرب إلى اللهاث منها إلى التنفس.
في البداية تثاقلت أنفاسها، ولكن بعدها بدأت رؤيتها تصبح أكثر ضبابية، ثم تلا ذلك فقدان التركيز، حتى أصبحت خطواتها غير متوازنة تمامًا.
في مرحلة ما، فقدت سكارليت توازنها بالكامل. كانت ترى بشكل ضبابي الأرض وهي ترتفع أمامها، وقبل أن تصل إليها، امتدت ذراعان؛ الأولى أمسكت بياقتها من الخلف، والأخرى أمسكت بذراعها.
“تماسكي، سكارليت…”
آخر ما كانت تتذكره هو صرخات استنجاد منها للتماسك واستعادة رشدها، قبل أن يغمرها سواد قاتم لا نهاية له؛ نفس السواد الذي كرهته منذ الطفولة، تذكيرًا لها بكل آلامها ومعاناتها المكبوتة طوال سنوات حياتها.