الفصل 275 - الخطاب
في وسط تلك الحالة من الإدراك التي تأتي بعد الخيانة، جلسنا أنا وأوغستا صامتين لبعض الوقت، وكانت كل ثانية تمر أثقل من التي قبلها. كسرت الصمت أخيرًا وسألتها: “إذن، كيف سنتحرك تاليًا؟” أجابت بصدق: “لا أعلم يا دارون، صدقني. لا أعلم شيئًا في هذه اللحظة.” سألتها: “إذن، هل تفضلين الاستسلام؟” ابتسمت بهدوء وقالت: “للاستسلام وقع جميل في بعض الأحيان، لكن للأسف لا مكان له في معزوفتي.” سألتها: “إذن، من هي الفضيلة التالية؟” فكرت أوغستا بعمق شديد ثم قالت بهدوء: “سيكون من الجميل أن يكون شخصًا يُعتمد عليه، داعمًا حقيقيًا، وصعب الإغراء في آن واحد.”
سألتها: “هل هناك شخص يناسب هذا الوصف إذن؟” ابتسمت بإشراق مفاجئ وقالت: “حسنًا، ربما تكون عنيدة نوعًا ما، لكنها الخيار الأفضل. سنتجه نحو فضيلة الصبر، سيليكا.” سألتها: “هل لديك خطة لكسبها إلى صفنا؟” ضحكت أوغستا بخفة وقالت ساخرة: “ماذا لدينا؟ زير نساء هنا، يمكنك إغراؤها وجعلها تجن بحبك، وينتهي الأمر ببساطة.” قلت بجدية: “أوغستا، هذا ليس وقت المزاح.” صمتت للحظة، فأضفت بقلق: “هل تتكلمين بجدية؟ أرجوك قولي إنك تمزحين.” أجابت بابتسامة عريضة على وجهها: “لا تقلق يا دارون، سيليكا سهلة المنال مقارنة بباقي النساء.” صمتت قليلًا ثم أكملت: “حسنًا، أولًا نحتاج لتغيير مظهرك؛ أنت بحاجة لقصة شعر جديدة، وملابس أنيقة، وبعض التدريب لتتمكن من جعلها تذوب بالكلمات.”
قلت لها: “لديك حس فكاهة سيئ حقًا يا أوغستا. لا تقلقي، حتى لو لم تقبل أي فضيلة دعمك، سأدعمك أنا حتى النهاية.” ضغطت أوغستا على شفتها السفلى في محاولة لكتم غيظها، ثم قالت بصوت منخفض مكسور: “يا لك من زير نساء يا دارون…” سألتها بذهول: “ماذا؟ لماذا أنا زير نساء؟ لم أواعد أي فتاة في حياتي.” ابتسمت وقالت بصوت ساخر: “بالضبط، إذن أنت زير النساء الأحمق يا دارون.” قلت لها: “بجدية، متى اكتسبت أسلوب السخرية هذا؟” تقدمت أوغستا أمامي بخطوات واسعة، ثم التفتت بابتسامة مشرقة وقطرة دم بسيطة على طرف عينيها وقالت: “حين تعيش حياتك محبوسًا، ستظهر بعض التمرد الخفي وأسلوب السخرية اللاذع أيضًا يا عزيزي دارون.”
قلت لها: “حسنًا أيتها المشاغبة المتمردة، هل نتوجه إلى فضيلة الصبر الآن؟” أجابت: “لا، أولًا علينا إنهاء الأمور هنا، ثم الانتقال إلى سيليكا ثانيًا.” سألتها: “إذن، ماذا تنوين فعله بهذا الفرع تحديدًا؟” قالت وهي تسير أمامي: “اتبعني يا دارون، حان وقت العمل الجاد.” تقدمت أوغستا وطلبت من معظم الأتباع الاجتماع في الساحة فورًا، ما أثار حركة متصاعدة داخل المبنى وخارجه، وصوت همسات تحولت سريعًا إلى نقاشات حادة بين الحاضرين.
في الساحة، اجتمع مئات الأتباع، حتى بدت الساحة نفسها أصغر بكثير مما كانت عليه فعلًا. تمكنت من تمييز أكثر من عشرين متحكمًا بينهم، أغلبهم من رتبة المتقدم. من بين تلك الصفوف الكثيفة، تقدمت ثلاث شخصيات، ورغم ارتدائها الثياب نفسها كبقية الحاضرين، إلا أنها بدت بارزة بوضوح، تشع بكاريزما قيادية لا تخطئها العين. وقفت أوغستا فوق منصة بدائية، مستعدة لمخاطبة الجميع بثقة كاملة.
رفعت أوغستا يدها، فسـاد صمت مطبق في الساحة بأكملها خلال ثوانٍ معدودة. بدأت حديثها بصوت هادئ، لكنه امتد ليصل إلى أبعد الصفوف بوضوح تام: “أعلم أن كثيرين منكم سمعوا شائعات متضاربة خلال الأيام الأخيرة، عن موت سيلاس، وعن خيانة سولان، وعن تغيرات مفاجئة يصعب استيعابها دفعة واحدة. لن أطلب منكم تصديق كلامي فقط، بل سأطلب منكم شيئًا أصعب بكثير؛ أن تنظروا في عيني، وتحكموا بأنفسكم إن كنت لا أزال أستحق ثقتكم.”
ارتفعت همهمات خافتة بين الحضور، فرفعت أوغستا صوتها قليلًا وأكملت: “لسنوات طويلة، عشت بينكم كصوت هادئ يمنح البركات، ويهدئ الآلام الصغيرة، لكنني كنت في الحقيقة دمية يحركها آخرون من خلفي، بينما تركت استغاثاتكم الحقيقية دون رد، وتركت معاناتكم اليومية تحت وطأة ضرائب الدوق وجشع من يُفترض أنهم يحمونكم.” توقفت للحظة، ونظرت مباشرة نحو مجموعة من الفلاحين في الصفوف الخلفية وقالت: “أعرف أن بعضكم أرسل رسائل استغاثة لم تصله يومًا إجابة، وأعتذر عن كل يوم إضافي عانيتم فيه بصمت بسبب ذلك التقصير.”
بدأت الهمهمات تتحول تدريجيًا إلى صمت أكثر تركيزًا، فتابعت أوغستا بنبرة تزداد قوة مع كل جملة: “اليوم، أقف أمامكم امرأة مختلفة تمامًا؛ اكتشفت أخيرًا حقيقة قدرتي التي أخفيت عني طوال حياتي، واكتشفت أن ذلك الإخفاء لم يكن حماية لي كما ادعوا، بل كان قيدًا فُرض علينا جميعًا، أنا وأنتم معًا.”
رفعت يدها، فانبعث منها وهج ذهبي خفيف امتد عبر الساحة بأكملها، لامس كل واحد من الحاضرين بدفء محسوس جعل الكثيرين يلهثون بدهشة. قالت وهي تراقب ردود أفعالهم: “هذا جزء بسيط جدًا مما اكتشفته؛ قدرة على منح الدعم والقوة لكل من يؤمن بهدف مشترك، بلا حدود لعددكم، ولا لمسافة تفصلكم عني.”
صمتت للحظة، ثم أضافت بصوت يحمل تصميمًا حازمًا: “لن أطلب منكم القتال، ولن أجبر أحدًا على شيء. فأنا لست هنا لأصنع جيشًا يخضع لأوامري، بل لأصنع أملًا يقف على قدميه بنفسه. من يختار الإيمان بهذا الهدف، سيجد في دعمي دعمًا حقيقيًا لا مثيل له، ومن يفضل الانتظار والمراقبة، فله كامل الحق في ذلك دون أي لوم مني.” نظرت نحو تلك الشخصيات الثلاث البارزة بين الصفوف وقالت مباشرة: “وأنتم تحديدًا، من تحملون بالفعل احترام من حولكم، أدعوكم لتكونوا صوتًا يوصل هذه الرسالة أبعد مما يمكن لصوتي وحده أن يصل إليه.”
ساد صمت طويل بعد انتهاء كلماتها، صمت بدا وكأنه يزن كل كلمة قيلت للتو. ثم، من بين الصفوف، تقدم أحد أولئك الثلاثة البارزين، رجل في متوسط العمر، وركع على ركبة واحدة أمام المنصة وقال بصوت عالٍ: “أنا أومن بك يا سيدتي، ليس لأنك قديسة، بل لأنك أول من اعترف بخطئه أمامنا بصراحة تامة.”
تبعه الثاني، ثم الثالثة، وبدأت موجة من الركوع تنتشر تدريجيًا عبر الساحة بأكملها، حتى بدا المشهد وكأن بحرًا كاملًا من الرؤوس المنحنية يمتد أمام تلك المنصة البسيطة.
وقفت بجانب أوغستا وأنا أراقب ذلك المشهد المهيب، وشعرت بفخر عميق يتصاعد في صدري؛ فتلك المرأة التي قابلتها أول مرة مترددة وخائفة من ظلها، أصبحت الآن قادرة على تحريك قلوب مئات الأشخاص بكلمات صادقة وحدها، دون أي حاجة لفرض إرادتها بالقوة. نظرت إلى أوغستا بابتسامة متعبة لكنها منتصرة، وهمست بصوت لا يكاد يُسمع: “يبدو أن هذا الفرع أصبح ملكنا فعلًا يا دارون، دون إراقة قطرة دم واحدة هذه المرة.”