الفصل 274 - الفضيلة الزائفة
استقر ذلك النور الذهبي بيني وبين سولان كجدار فاصل، وظهرت أوغستا واقفة بيننا مباشرة، عيناهـا تحملان غضبًا صريحًا هذه المرة. قالت بصوت يهتز بقوة كامنة:
“سولان، اشرح لي الآن، بلا مراوغة، لماذا هاجمت دارون فعلاً؟”
نظر إليها سولان من مسافته الآمنة، وأنفاسه لا تزال متقطعة قليلاً، ثم ابتسم ابتسامة باردة لم أرَ مثلها على وجهه طوال لقائنا الأول. قال بهدوء مرعب:
“لأنني أدركت أن دعمي الذي وعدتك به قبل قليل كان خطأ حسابيًا سريعًا، وقررت تصحيحه الآن قبل فوات الأوان.”
شعرت بصدمة حقيقية عند سماع ذلك التحول المفاجئ، فسألته بغضب:
“أهذا كل ما كانت عليه موافقتك؟ مجرد حسابات باردة تتغير كيفما شئت؟”
أجاب سولان بنبرة لا تحمل أي ندم:
“بالضبط يا فتى، وهذا بالضبط جوهر فضيلتي الحقيقي، لا كما تتخيلونه أنتم السذج. الحكمة ليست التزامًا أخلاقيًا ثابتًا، بل قدرة على رؤية أفضل مسار ممكن، بغض النظر عما يعتبره الآخرون صوابًا أو خطأ.”
نظرت إليه أوغستا بذهول متزايد وقالت:
“تقصد أنك كنت تعرف بفساد سيلاس منذ البداية؟”
ضحك سولان ضحكة جافة وقال:
“أعرفه؟ يا لسذاجتك يا سيدتي، أنا من ساعدت سيلاس على توطيد سلطته منذ عشرات السنين.”
اتسعت عيناي بصدمة، فأكمل بفخر مقزز:
“كنت أرى بوضوح تام أن سيلاس، بكل فساده ودناءته، كان يمثل أفضل احتمال لاستقرار طويل الأمد لقصر العدالة، مقارنة بأي بديل فوضوي آخر كان سيهدد بنيتنا بأكملها. قدرتي تريني احتمالات لا نهائية، وسيلاس، رغم قذارته، كان الخيار الأمثل من بينها حقًا.”
قالت أوغستا بصوت مرتجف من الغضب:
“أنت ساعدت على اضطهاد آلاف الأبرياء بوعي كامل، لأن حساباتك الباردة اعتبرت ذلك «أفضل مسار»؟!”
أجاب سولان بلا مبالاة صادمة:
“بالضبط. الأخلاق مجرد قيد بشري ضعيف يعيق الرؤية الحقيقية للاحتمالات. أنا لا أختار الخير أو الشر، بل أختار ما ينجح، وسيلاس كان أداة ناجحة لعقود طويلة، حتى قررتِ أنتِ إفساد تلك المعادلة المستقرة بيقظتك المفاجئة.”
شعرت بغضب حقيقي يتصاعد بداخلي، وقلت:
“وماذا عنا الآن؟ لماذا تهاجمنا إذن، إن كانت حساباتك تفضل الاستقرار؟”
أجاب سولان بجدية باردة:
“لأن حساباتي الجديدة، بعد رؤية قوة أوغستا الحقيقية، تشير إلى أن دعمها الآن سيقود إلى فوضى أعظم بكثير مما تتخيلان، فوضى قد تُسقط قصر العدالة بأكمله في النهاية. أفضل مسار متاح أمامي الآن هو القضاء عليكما هنا، والادعاء لاحقًا أن سيلاس قُتل على يد متمردين مجهولين، ثم إعادة بناء النظام القديم بهدوء تحت قيادتي أنا مباشرة هذه المرة.”
نظرت إلى أوغستا، فوجدت في عينيها نفس القرار الذي استقر في داخلي؛ لا مجال للتفاوض مع رجل يرى البشر مجرد متغيرات في معادلة باردة.
قالت أوغستا بصوت حازم:
“إذن، سنغير حساباتك بأنفسنا يا سولان.”
اندفعت نحوه، وتحرك ضوؤها الذهبي معي في تناغم فوري، بينما اندمجت أنا بالوحش بالكامل هذه المرة، تاركًا كل تحفظ سابق خلفي.
اندفع سولان لمواجهتنا مباشرة، وبدأت المعركة الحقيقية أخيرًا. حاول تكرار الأسلوب نفسه الذي استخدمه ضدي منفردًا. يحسب حركاتي بدقة مرعبة، ويتفادى كل هجمة قبل أن تصل إليه بجزء من الثانية.
لكن أوغستا، باندفاعها العشوائي غير المتوقع، بدأت تعطل حساباته بشكل واضح؛ كل مرة كان يوجه تركيزه الكامل نحوي، كانت هي تضرب من زاوية لم يحسبها، وكل مرة يحاول التكيف مع ضوئها الفوضوي، كنت أنا أستغل تلك اللحظة لأضربه بقوة وحشية خام.
صرخ سولان وهو يتلقى ضربة من مخالبي مزقت جزءًا من درعه:
“هذا… هذا غير منطقي! لا يمكن لمتغيرين فوضويين أن يتحدا بهذا التناغم!”
أجبته وأنا أندفع نحوه مجددًا:
“ربما لأننا لا نقاتل وفق حسابات باردة يا سولان، بل وفق ثقة حقيقية ببعضنا.”
حاول التراجع لإعادة ترتيب حساباته، لكن أوغستا لاحقته بموجة ضوئية واسعة، أجبرته على القفز جانبًا مباشرة في مسار هجومي آخر، فتلقى ضربة مزدوجة هزت جسده بالكامل.
بدأ الإرهاق يظهر على ملامح سولان بوضوح متزايد؛ فحساباته، مهما بلغت دقتها الفردية، لم تكن مصممة لمواجهة قوتين متكاملتين تتحركان بتناغم عاطفي حقيقي بدلًا من منطق قابل للتنبؤ.
صرخ وهو يحاول هجومًا يائسًا أخيرًا:
“لن تفهما أبدًا! الحكمة الحقيقية تعني التضحية بالقلة من أجل استقرار الكثرة، هذا ما فعلته دائمًا!”
اندفعت نحوه بكامل قوتي، وتصادمت مخالبي مع درعه المتصدع أصلًا، بينما أطلقت أوغستا في التوقيت نفسه ضربة ضوئية مباشرة نحو صدره.
اصطدمت الهجمتان به في آن واحد، فانفجر ما تبقى من درعه بالكامل، وسقط سولان على ركبتيه. جسده يحمل حروقًا وجروحًا عميقة من كلا الهجومين معًا.
حاول النهوض مجددًا، لكن قواه خانته هذه المرة، فسقط على الأرض بالكامل، يلهث بصعوبة بالغة.
اقتربنا منه معًا، أنا وأوغستا، ووقفنا فوقه ننظر إليه بخليط من الغضب والاشمئزاز.
قال سولان بصوت ضعيف، لكنه لا يزال يحمل نبرة تعالٍ غريبة:
“حتى الآن… حساباتي تخبرني أن قتلي سيكلفكما أكثر مما تتخيلان. أتباعي في الفرع سيثورون، وسيتهمانكما بقتل قديسين اثنين خلال أسبوع واحد فقط.”
نظرت أوغستا إليه بهدوء بارد وقالت:
“ربما، لكن حساباتك فشلت في توقع شيء واحد أساسي يا سولان؛ أنني لم أعد أخشى العواقب حين يتعلق الأمر بمحاسبة الفاسدين، مهما كلف ذلك من ثمن سياسي مؤقت.”
مدت يدها نحوه، مستعدة لإنهاء الأمر، لكن قبل أن تلمسه، دوى صوت صغير خافت يشق الهواء من مسافة بعيدة جدًا، وانفجرت الأرض عند قدمي أوغستا مباشرة، فاضطرت للتراجع بسرعة لتفادي عمود من الحجارة المتطايرة.
رفعت رأسي بحذر، أبحث عن مصدر ذلك الهجوم المفاجئ، لكن لم أجد شيئًا سوى سكون تام في الأفق البعيد. وكأن الرامي كان على بعد كيلومترات لا يمكن تحديدها بالعين المجردة.
استغل سولان تلك اللحظة من الارتباك فورًا؛ فبقايا قوته المتهالكة كانت كافية بالكاد لدفعه نحو أقرب منفذ للهروب، وهرب منها بحركة يائسة أخيرة.
حاولت اللحاق به، لكن طلقة ثانية من ذلك القناص المجهول انفجرت في مسار حركتي مباشرة، أجبرتني على التراجع خطوتين بدلًا من المطاردة.
حين استقر الغبار أخيرًا، كان سولان قد اختفى تمامًا بين أزقة المدينة، مستغلًا تلك الثواني الحرجة التي اشتراها له ذلك التدخل الغامض.
وقفت أوغستا بجانبي، تلهث بغضب مكتوم، وقالت:
“من كان ذلك ماذا بحقك؟ لم أشعر بأي إرادة تقترب منا قبل تلك الطلقة مباشرة.”
هززت رأسي بحيرة مماثلة وقلت:
“ولا أنا. كائن قادر على الإصابة من هذه المسافة الهائلة، دون أن يُكشف أمره حتى للحظة واحدة، ليس خصمًا عاديًا بأي مقياس.”
نظرت أوغستا نحو الأفق البعيد حيث اختفت آثار تلك الطلقات، وقالت بقلق متصاعد:
“يبدو أن سولان لم يكن يعمل بمفرده تمامًا كما ظننا. لديه حليف في الظل، حليف أقوى بكثير مما توقعناه لأي منا.”
جلسنا وسط ذلك المكتب المحطم، أتأمل الأمر بجدية بالغة.