الفصل 273 - اختبار الولاء
جلسنا أنا والقديسة أمام مكتب سولان، وكان موضوعنا كيفية توحيد باقي الفروع معنا. سألها سولان بفضول:
“كيف ستكون حركتك تجاه باقي الفروع؟ هل لديك خطط خاصة بكل واحد منهم؟”
أجابت أوغستا ببراءة:
“كنت أنوي الذهاب إليهم وشرح حقيقة سيلاس وهدفي، وطلب دعمهم مباشرة.”
تنهد سولان بعمق وقال:
“ربما نجح الأمر معي، لكنني لا أعتقد أن الأسلوب نفسه سينجح مع البقية. فضيلة الصبر مثلًا، عنيدة ولا تتقبل التغيير بسهولة، أما فضيلة الكرم فيميل لكسب ود النبلاء والأغنياء بدلًا من العامة والفقراء.”
قلت بفضول:
“يا له من تناقض غريب نوعًا ما.”
أجاب سولان:
“ربما هذا رأيك يا دارون، لكن رغم كوننا نمثل فضيلة معينة، إلا أننا بشر، ولنا عيوبنا الخاصة أيضًا.”
صمت قليلًا ثم أضاف:
“يميل فضيلة الإحسان إلى الكراهية والحقد، وفضيلة الكرم إلى التكبر واستصغار الآخرين، وفضيلة الصبر تميل إلى العناد والغضب المكتوم، ويميل الصدق إلى الشك الدائم، وتميل الرحمة إلى التردد، أما التواضع فيميل إلى الحسد الخفي.”
ساد صمت بسيط، كسرته بسؤال:
“وماذا عن الحكمة؟ إلى ماذا تميل أنت تحديدًا؟”
صمت سولان طويلًا وهو ينظر إليّ مباشرة، ثم قال أخيرًا:
“فضيلة الحكمة يميل إلى السير في أفضل خيار مطروح أمامه، مهما كان الثمن المطلوب لذلك.”
نظرت إليه وهو يردد تلك الكلمات، ثم قلت بهدوء:
“وهل خضوعك لأوغستا يُعتبر أفضل خيار بالنسبة لك حقًا؟”
أجاب مباشرة:
“نعم، لا يوجد خيار أفضل من هذا أمامي.”
سألته:
“إذن، لماذا تخبئ ذلك الخنجر تحت مكتبك؟”
قفزت أوغستا بسرعة إلى الخلف، ورفع سولان كلتا يديه عاليًا وقال:
“اهدأ، ذلك الخنجر مجرد إجراء احترازي وقائي لا أكثر.”
قلت بصوت متصاعد:
“لو طُرحت الخيانة كخيار أمامك، واعتبرتها أفضل خيار متاح، كيف سيكون ردك حينها؟”
صمت سولان لوقت أطول من المتوقع، حتى أصبحت أنفاسه مكتومة تقريبًا.
عشر ثوانٍ.
عشرون.
ثلاثون.
ثم مرت دقيقة كاملة دون أن ينطق بحرف واحد.
تصاعد التوتر طوال تلك المدة حتى بلغ ذروته؛ لماذا لا يجيب؟
السبب واضح تمامًا؛ قدرة القديسة تكشف الكذب فورًا، فإذا رفض قول الحقيقة، فهذا يعني أن الحقيقة ليست الجواب المثالي الذي يريد الكشف عنه في هذا الوضع بالذات.
في لحظة واحدة، اختفى سولان من مكانه بحركة خاطفة.
رفعت جارح الظلال لأصطدم به مباشرة في هجمة هزت المكتب بأكمله دفعة واحدة، هجمة دفعتني للخلف حتى التصقت بالجدار، قبل أن أرفع نظري نحوه وأقول:
“هل كشفت حقيقتك أخيرًا؟”
أجاب بصوت مكتوم:
“كيف اكتشفت الأمر؟”
فقلت:
“الاندماج الوحشي.”
فغلفني الظلام وازدادت قوتي فورًا، وقلت:
“ربما يمكنك إخفاء كل شيء، حتى أعمق نواياك وإرادتك، لكن يبقى دائمًا خيط رفيع يمثل نيتك الحقيقية. لو كنت تراني وأوغستا كحلفاء فعلًا، لما كانت خيوط إرادتك موجهة نحونا بهذا الشكل.”
اندفع سولان في هجوم آخر، وهذه المرة كانت قوتي الجسدية أعلى، فتمكنت من التصدي له بسهولة نسبية، وأصبحت قادرًا على مجاراته بوضوح.
أرسلت خيوطًا من الدماء تطير نحوه من عشرات المواضع في آن واحد، مهددة إياه من زاوية تكاد تغطي دائرة كاملة حوله.
تجلت إرادة سولان فجأة، وبحركة واحدة انفجر المبنى بأكمله، ومعه تبخرت هجماتي، قبل أن يقول:
“التحكم في الدماء؟ هل هذه قدرتك الحقيقية؟ يا لها من قدرة نجسة بحق.”
اندفع سولان نحوي، وإرادته الهائلة تتجلى بنية قتل لا مثيل لها، وهو يقول:
“أيتجرأ مجرد متحكم على الوقوف في وجه متجلٍ حقيقي؟ هذه حماقة صريحة.”
كانت سرعة سولان هائلة، وهجماته فتاكة بلا شك، لدرجة أن مجرد صدها كان كافيًا لترك أثر واضح في جسدي.
والأخطر من ذلك، أن تجلي إرادته زاد من قوته بشكل ملحوظ إضافي.
تراجعت للخلف وقفزت من نافذة مكتبه نحو الخارج، وفي السماء، التف حولي ظلام هادئ ومرعب في آن واحد، أحاط بي من كل جانب وعزز قوتي؛ كان ذلك الشعور المألوف نفسه.
الاندماج الوحشي.
أقرب لاندماج كيان آخر مع كيانك الخاص، كيان يشبهك في جوهرك وروحك، فيتعزز كل منكما بالآخر، لتتكونا معًا ككيان أعظم بكثير مما أنتما عليه متفرقين.
بمجرد أن استقرت قدماي على الأرض، كان سولان قد لحق بي بالفعل، ولعل من حسن حظي أن التحول قد اكتمل تمامًا في تلك اللحظة، فتلك الهجمات التي كانت كافية لزعزعة كياني بالكامل أصبحت الآن أقل تأثيرًا من الناحية الجسدية.
كانت قوتي تتفوق حتى على متجلٍ مبتدئ من حيث القوة الخام، ومع ذلك، لم يكن هذا كافيًا لقلب موازين المعركة؛ فمهما كانت قوتي الجسدية جبارة، وقدرتي لا مثيل لها، يبقى متجلٍ مبتدئ أعلى مني مرتبة، وقدرته على تجلي إرادته تسحق كل المزايا التي أملكها إلى جانبي.
تبادلنا عدة هجمات مرعبة، لكن العجيب لم يكن دقة تلك الهجمات فقط؛ بل ما هو أبعد من ذلك؛ كان سولان قادرًا على صد هجمات تبدو مستحيلة الصد تقريبًا، أو تجنبها بحركة غير منطقية في اللحظة الأخيرة قبل إصابته مباشرة.
والأدهى من ذلك، أن هجماته كانت أكثر ضررًا بكثير مما توقعته، بفارق ليس بالهين على الإطلاق.
كان الوصف الأقرب لتلك الحالة أنه يرى المستقبل، ليس توقعًا كما أفعل أنا بمساعدة العقل الفعال، بل رؤية حتمية لكل حركاتي دون أي استثناء يُذكر.
لم أدرك خطورة الموقف إلا بعد فوات الأوان، حين وجدت نفسي بالفعل في خضم هجوم كاسح؛ كسر دفاعي بهجمتين متتاليتين، دفعتا سيفي وأخلّتا توازني تمامًا.
وعلى بعد خطوة واحدة فقط من بلوغ نصله إليّ، انفجرت كتلة هائلة من النور الذهبي غطت المبنى بأكمله وابتلعتنا نحن الاثنين معًا.
دوى صوت أنثوي هائل:
“يفضل أن تكون لم تنسَ وجودي هنا يا سولان.”
دام ذلك النور لثانية واحدة فقط، وانقشع في ثانية أخرى، كاشفًا عن امرأة جميلة ترفرف خصلات شعرها البني الفاتح، والنور يحيط بها بشكل دراماتيكي جعل تركيز الجميع ينصب عليها فورًا.
نهضت من مكاني الذي سقطت فيه، لكن سولان كان قد ابتعد عني بمسافة كبيرة لدرجة جعلت الدم يغلي في عروقي؛ لقد كان قادرًا على التراجع عن هجومه والابتعاد فورًا، والأهم من ذلك، تركيز كامل حواسه على القديسة خلال ثانيتين فقط لا أكثر.
كان هذا كافيًا لتأكيد شكوكي؛ فهو قادر بطريقة ما على تقديم حسابات دقيقة للغاية لما سيحدث خلال المعركة، وهذا وحده كافٍ لجعل تلك المواجهة خارج نطاق سيطرتي تمامًا.
لعل من حسن حظي أن لدي دعمًا حقيقيًا، بل ربما أعظم دعم قد أحصل عليه على الإطلاق في هذه اللحظة بالذات.