الفصل 272 - فضيلة الحكمة
توجهت أنا وأوغستا معًا إلى المدينة التي يقيم بها الرجل المدعو سولان. لم تكن رحلة ممتعة بشكل خاص، فمعظم الوقت قضيناه غارقين في التفكير، نحاول بناء سيناريوهات مستقبلية محتملة، وهكذا مضت ثلاثة أيام أسرع مما توقعنا حقًا. حين بدأت ملامح المدينة تظهر أخيرًا من بعيد، كان وقت الاستعدادات قد انتهى بالفعل، ولم يتبق سوى العمل الفعلي.
بمجرد وصولنا إلى الفرع، نزلت أوغستا أولًا من العربة، وتبعتها. قالت وهي تسير بخطى ثابتة وأكتاف مرفوعة:
“دارون، علينا أن نكون حذرين جيدًا اليوم. سولان لم يكتسب مكانته بالصدفة؛ ليس لأنه الأكبر سنًا، ولا حتى الأكثر ذكاءً وحده، بل لأنه المتغير الذي لا يمكن توقعه أبدًا. لا أحد يستطيع التنبؤ بحركاته، ولا حتى فهم ما يدور داخل عقله حقًا.”
أجبتها بهدوء:
“ألا يجب أن تكوني أنت الأكثر حذرًا مني؟ فأنا مجرد مرافق هنا.”
أجابت بابتسامة:
“أقول هذا لأنني قلقة عليك تحديدًا يا دارون.”
سارت أوغستا نحو البوابة الرئيسية، حيث وقف حارس واحد، تلعثم بمجرد أن رآها وقال:
“سيدتي، ماذا تفعلين هنا؟”
تجاهلته أوغستا تمامًا، ودخلت المبنى بخطوات متسارعة، متجاوزة معظم الأتباع المذهولين من وجودها المفاجئ دون أن تنبس بكلمة واحدة، حتى وصلت إلى بوابة كبيرة، من الواضح أنها الغرفة المركزية في المبنى. لم تكلف نفسها حتى عناء طرق الباب، بل دخلت مباشرة دون اكتراث، وبمجرد دخولي أغلقت الباب خلفنا.
جلس خلف المكتب رجل تظهر عليه تجاعيد العمر، شعره غزاه الشيب، وعيناه المرعبتان لا تحملان أي أثر للدهشة على الإطلاق.
قال بصوت غليظ:
“القديسة تحضر بنفسها هنا دون إخطار مسبق، حادثة لا سابق لها. رغم كل سنوات عمري هذه، لم يسبق لي أن رأيتك تزورين مكانًا دون سبب وجيه، فما سبب حضورك يا سيدتي؟”
أجابت أوغستا:
“سولان، يا فضيلة الحكمة، أتيت لأخبرك بشيء واحد؛ سيلاس مات على يدي، وأتيت لأضمك تحت سلطتي.”
قال سولان بهدوء:
“سيلاس مات؟ حسنًا، كنت أتوقع موت ذلك الفاسد عاجلًا أم آجلًا، ومع ذلك، موته على يدك تحديدًا أمر غير متوقع.”
أطال النظر إليها ثم أضاف:
“أتقولين إذن إنك أتيت لإخضاعي الآن؟”
أجابت أوغستا:
“يمكنك تفسير كلامي كما يحلو لك يا سولان، لكن إرادتي ستبقى كما هي؛ هل ستخضع بنفسك، أم تفضل أن أخضعك بنفسي؟”
نهض سولان من كرسيه فجأة، وامتلأت نية قتل واضحة لدرجة أن الجدران بدأت تتشقق نتيجة تجلي تلك النية بشكل مادي محسوس.
قال بغضب مكتوم:
“فتاة مدللة لم تخض قتالًا حقيقيًا في حياتها، تظنين أنك قادرة على هزيمتي فقط لأنك أعلى مني بمرتبة واحدة.”
تجلت إرادة أوغستا في الهواء فجأة، فمحَت نوايا سولان القاتلة تمامًا ليحل محلها هدوء مرعب، وانبثق شعاع ذهبي نتيجة قدرتها.
قالت بصوت مرتفع ونبرة تهديد صريح:
“سولان، أتيتك أولًا لأنني اعتبرتك الأرجح عقلًا والأكثر ذكاءً بيننا جميعًا. فهل هذا جوابك الحقيقي؟”
تراجع سولان خطوة، عيناه مفتوحتان بذهول، وقال:
“ما هذا؟ هل هذه… قدرتك الحقيقية؟”
صاحت أوغستا بقوة:
“سولان، سأسألك مرة أخيرة فقط؛ هل ستدعمني في هدفي أم ترفض؟ لكن اعلم شيئًا واحدًا؛ لا أريد إجبارك على شيء، فأنا القديسة، رمز الأمل، ولست رمز الديكتاتورية والطغيان.”
صمت سولان قليلًا، ثم قال بصوت متردد:
“وما هو هذا الهدف ماذا بحقك الذي جعلك تتغيرين إلى هذه الدرجة يا أوغستا؟”
أجابت بصوت مليء بالثقة، وقد تجلت إرادتها في كلماتها بوضوح:
“إنه الإيمان والأمل. سأكون الشخص الذي يقود الضعفاء نحو مستقبل مشرق، سأكون أملهم. وسأزرع الإيمان في نفوسهم من جديد.”
تنهد سولان بعمق وقال:
“الإمبراطورية تنهار، لكن من ركامها ستصعد أساطير جديدة لا محالة. أنا سولان، فضيلة الحكمة، سأدعمك، وسأشهد على أسطورتك بنفسي. هل ستخلدين اسمك يومًا إلى جانب العظماء السابقين، أوزيريس وألبرت وأرين والملك الذئب؟ هل تملكين الإرادة الكافية لتُذكري مثلهم؟”
أجابت أوغستا بصوت ثابت يخلو من أي تردد:
“نعم.”
التفت سولان نحوي فجأة، وسأل بتردد:
“ومن يكون هذا الشاب الواقف بجانبك؟”
أجابت أوغستا بحزم:
“إنه زوجي…”
للحظة، توقف عقلي عن العمل تمامًا، وليس أنا وحدي، بل حتى سولان رفض عقله استيعاب ما سمعه للتو.
قبل أن أتمكن من الرد، قلت بذهول:
“ماذا… ماذا تقصدين ماذا بحقك؟”
قال سولان بدوره وهو في حالة صدمة واضحة:
“تزوجت؟ متى حدث هذا؟ أليس من المفترض أن يكون زواجك حدثًا يشمل قصر العدالة بأكمله رسميًا؟”
أجابت أوغستا بهدوء تام:
“قررت هذا الأمر الآن فقط.”
حاول سولان إقناعها باستماتة:
“سيدتي أوغستا، أرجوك انتبهي لكلامك، الزواج أمر بالغ الأهمية لشخص بمكانتك، وليس شيئًا يُتخذ في لحظة عابرة واحدة، بل يحتاج تخطيطًا وتفكيرًا عميقًا.”
رفضت أوغستا كل محاولاته قائلة:
“سولان، هل تشك في قراري؟ لا أرى رجلًا أفضل من دارون ليكون شريكي في الحياة.”
تدخلت أنا قائلًا:
“أوغستا، أعتقد أن الزواج يحتاج موافقة الطرفين معًا، أليس كذلك؟”
أجابتني بفضول حقيقي:
“موافقة الطرفين؟ لماذا؟ في قصة الرداء الأحمر، اختطفت الفتاة الذئب وأجبرته على أن يكون زوجها، بعد أن تنمرت عليه طوال الليل.”
قال سولان بتعبير غريب ممزوج بالحيرة:
“أي نوع من القصص جعلك ذلك الملعون سيلاس تقرئينها؟”
سألت دارون ببراءة حقيقية:
“هل هذا صحيح يا أوغستا؟”
صرخ سولان مقاطعًا:
“بالطبع ليس كذلك! هل أنتما أحمقان أم ماذا ماذا بحقك؟”
نظرنا إليه بفضول مشترك، وسألته أوغستا:
“إذن، كيف يكون الزواج الحقيقي بالضبط؟”
انتظرناه في صمت، ننظر إليه بعيون مليئة ببريق الرغبة في التعلم.
تنهد سولان بعمق شديد وقال أخيرًا:
“يبدو أنني سأحتاج أولًا لتصحيح أفكاركما بالكامل، قبل أن نبدأ في أي عمل جاد بيننا.”