الفصل 271 - أمل الشعب
داخل المعبد، وبالضبط في سرداب مخفي تحت الأرض، اكتشفنا أنا وأوغستا مجموعة من المعاملات الورقية بين سيلاس وفيلمونت، تحمل أسماء كثيرة متورطة في فسادهما مًعا. ومن أكثر ما أدركناه صدمة كان مقدار جشع سيلاس نفسه؛ لم يكتِف باختلاس الأموال وجمع الثروات عبر علاقاته المشبوهة، بل امتد طمعه ليشمل السلطة ذاتها. كانت جمعية قصرالعدالة الاسم المركزي لإمبراطورية أوغستا الروحية، الممتدة منذ أكثر من خمسمئة عام، وتضم سبعة فروع رئيسية. بدأ سيلاس راعيًا للقديسة السابعة قبل مئة عام، وهو ما زرع فيه شهوة سلطة لا توصف، لدرجة أن معظم الوثائق التي عثرنا عليها كانت تفّصل خططه في التضييق على تلك الفروع وفرض سيطرته باسم القديسة. بعبارة أدق، لم يكتِف بالسيطرة على الفروع السبعة فقط، بل دنّس اسم أوغستا نفسها، مستخدمًا إياها كواجهة بريئة لكل أعماله المظلمة.
جلست أنا وأوغستا مقابل بعضنا في غرفتها الشخصية، وكانت أوغستا متعبة، بل مجهدة للغاية، لم تنم لأكثر من أسبوعين تحت وطأة تلك الحقيقة المرة. قالت لي وهي مطأطئة رأسها: “أعلم أنني طلبت منك المساعدة، لكن في ظل هذه الظروف، أعتقد أن طريقنا مسدود بالفعل.” سألتها: “هل استسلمت بالفعل؟” رفعت نظرها إليّ وقالت: “ليس الأمر استسلامًا أو استمرارًا، نحن ببساطة لا نملك سبيلًا واضحًا الآن. خسرت ماء وجهي، وخسرت أتباعي، ولم يتبق مني سوى امرأة عادية أمام معضلة أكبر من طاقتها.”
نظرت إليها بتركيز شديد وقلت: “أنتِ لستِ مجرد امرأة، أنتِ واجهة الشعب. الإمبراطورية تنهار، سيموت الضعيف وسيموت القوي على حد سواء، لكن مع ذلك يبقى لديهم أمل في الحياة. أما الشعب، فسيكون أول وأكبر المتضررين من هذه الحرب بأكملها.”
حاولت أوغستا الرد، لكنني قاطعتها بسرعة: “ربما يملك المقاتلون أو السياسيون أو التجار أملًا في قوتهم، أو أموالهم وعلاقاتهم، لكن ماذا عن الشعب نفسه؟ من يمثل أمله هو؟”
صمتت أوغستا قليلًا، ثم أكملت بصوت خفيض شديد التركيز: “إذن، ماذا تقترح؟”
أجبتها بثقة: “فلتكوني أنتِ أملهم يا أوغستا.”
اتسعت عيناها في دهشة حقيقية وقالت بتردد: “أ… أكون أملهم؟”
ابتسمت وقلت: “نعم، أنتِ تملكين بالفعل أعظم سلاح يملكه البشر على الإطلاق؛ الإيمان.”
توقفت أوغستا للحظة، وملامح الذهول تسيطر عليها تمامًا، لكن عينيها، ولأول مرة منذ وقت طويل جدًا، بدأتا تشعان بشيء نسيته منذ زمن بعيد؛ الأمل.
قلت لها بصوت واضح يملؤه اليقين: “حين يجتمع الأمل مع الإيمان، حينها فقط يمكننا صنع معجزة حقيقية.”
انهمرت الدموع من عيني القديسة كسيل لا يعرف حدًا، وقالت بصوت مكسور مليء بالأمل في آنٍ واحد: “دارون… سأفعلها… سأكون أمل الشعب، ورمز حريتهم.”
كان العالم يكتسب ألوانه في عيني القديسة بطريقة زاهية غير مسبوقة؛ العالم الذي كان بالأبيض والأسود بدأ يتلون بألوان لم تشهدها أوغستا من قبل، تلك المرأة المسكينة التي عاشت حياتها بأكملها محصورة في قصر ضيق، انفتح بصرها كاملًا على مصراعيه بمعجزة نتجت عن إيمانها وحده، والأمل الذي منحه لها رجل يُدعى دارون.
في عيني دارون، بدأت تلك الخيوط البراقة التي تعكس إرادة القديسة تزداد إشعاعًا وتماسكًا واتحادًا، لأول مرة يشهد إرادة أكثر ثباتًا من أي شيء رآه من قبل. لم يقل شيئًا، بل اكتفى بالابتسام فقط، وكأن الكلمات عجزت تمامًا عن وصف ما يراه أمامه.
اكتفى الاثنان تلك الليلة بالتراجع والذهاب للنوم، تاركين كل شيء آخر للغد. لم يكن النوم من الأشياء التي يحبها دارون، ولعله كان يلجأ إليه فقط عند الضرورة القصوى، لكن لسبب ما، كانت تلك الليلة من أفضل الليالي التي نامها على الإطلاق.
في اليوم التالي، بعد الاستيقاظ، غسل وجهه بماء بارد وارتدى ملابسه ببطء وتأّن. ثبّت جارح الظلال على خصره، والقلادة حول عنقه، واستقر السوار على معصمه الأيسر، بينما رفض ارتداء عباءة الفينرير لأول مرة منذ ثلاث سنوات كاملة. اختار دارون بكامل إرادته الاهتمام بشعره الطويل المبعثر، واختار أسهل تسريحة يعرفها، ذيل حصان بسيط، ثم سار بخطى ثابتة نحو غرفة القديسة.
مر في طريقه عبر مجموعات من الرجال يرتدون قمصانًا وسراويل بيضاء مخططة بالأحمر، ومجموعات من النساء يرتدين ثوبًا كامل الجسم مخططًا باللون الذهبي الجميل. بعد دقائق قليلة، وصل أخيرًا إلى غرفة القديسة، ووقف بثبات أمام بوابتها.
طرق بخفة على الباب، محاولًا إصدار أكبر صوت ممكن ليُسمع، فاستقبله صوت القديسة من الجهة الأخرى: “آه… دارون، تفضل بالدخول.”
فتح الباب ببطء، فاستقبله القديسة بظهرها بينما كانت تعدّل ملابسها أمام المرآة. اقترب منها بضع خطوات، فاستدارت بابتسامة هادئة وقالت: “صباح الخير يا دارون.”
أجابها بالتحية نفسها، قبل أن يلاحظ مقدار اهتمامها المفاجئ بتفاصيلها الشخصية؛ شعرها البني الجميل ممشوط بعناية فائقة، وملابسها البيضاء التي جمعت بين الخطوط الذهبية والحمراء معًا، بينما بدا ثوبها أكثر هيبة وجمالًا من أي وقت مضى، جمال جعل تلك التفاصيل كلها تستحق النظر إليها فعلًا.
أجلسته أوغستا بجانبها، وبدأت الحديث بنبرة مليئة بالبهجة: “لدى قصرالعدالة سبعة فروع، كل فرع يقبع في مدينة محورية، ولعلك مررت بأحد هذه المدن بالفعل يا دارون. أهم شخصية في كل فرع تُسمى بفضيلة من الفضائل التالية؛ الإحسان، الرحمة، الصدق، الكرم، الحكمة، التواضع، والصبر. هؤلاء هم ثاني أعلى رتبة بعدي مباشرة، حتى سيلاس نفسه لم يستطع إخضاعهم بالكامل طوال كل تلك السنوات.”
قلت بعد تفكير قصير: “إذن، هل تقولين إن علينا إقناعهم بالانضمام إلينا؟”
أجابت أوغستا: “أعلم أنها مهمة شاقة، وربما شبه مستحيلة، لكن من واجبي كقديسة أن أجعلها ممكنة.”
ابتسمت أوغستا ببراءة مشرقة وهي تعلن هدفها التالي بثقة متجددة.
سألتها بهدوء: “إذن، من هو هدفنا الأول؟”
أجابت أوغستا بكل ثقة وشجاعة: “هدفنا الأول هو سولان، فضيلة الحكمة، صاحب أفضل عقل في قصرالعدالة بأكمله، والأكبر سنًا بيننا جميعًا، ومن وضع معظم قوانين قصرالعدالة الحالية بنفسه.”
ابتسمت بخفوت وقلت: “يبدو أننا سنواجه أخطرهم منذ البداية إذن.”