الفصل 269 - بداية الانتقام
بداية الانتقام
توجهنا أنا وأوغستا عائدين نحو المدينة، وكانت خطوات أقدامها أكثر ثباتًا وثقة، تمشي بأكتاف مرفوعة وكأن ثقل سنوات كاملة قد انزاح عن كاهلها أخيرًا. قالت لي بصوت يحمل بعض التردد: “بعد موت سيلاس، سأضطر لإعادة توحيد جميع الأتباع والفروع معًا، ستكون مهمة شاقة جدًا، لكن هل ستمنحني يد المساعدة؟” نظرت إليّ بنظرات تحمل أملًا حقيقيًا، فابتسمت برفق وقلت: “حسنًا، لك ذلك، سأساعدك أيتها القديسة.”
رفعت أوغستا حاجبيها واتسعت عيناها وكأنها لا تصدق إجابتي، وقالت متلعثمة: “لـ… لكن ألم تقل إنكم ستهاجمون الدوق فيلمونت؟ ألن تضطر للمغادرة؟” اتسعت ابتسامتي أكثر وقلت بنبرة تحمل ثقة شديدة: “لن تكون هناك حاجة لذلك، إيفان بجانبهم، وقد حصل على أخطر مهمة بينهم جميعًا، قتل ذراع فيلمونت اليمنى، هارالد، بنفسه.” سألت أوغستا بفضول: “هل هو متجلٍّ؟” تقدمت أمامها بخطوات أسرع وقلت: “لا، إنه متحكم شامل فقط.” صاحت أوغستا: “أتمزح معي؟ أتتوقع من متحكم شامل أن يهزم هارالد، متجلٍّ مبتدئ من بين أخطر أتباع قصر العدالة؟ لا يوجد متجلٍّ مبتدئ واحد قادر على هزيمة هارالد في قتال مباشر.”
التفت إليها وقلت: “لكنه ليس متجليًا، بل متحكم شامل فحسب. سأخبرك بهذا يا أوغستا، هارالد سيموت لو واجهه متحكمان شاملان فقط؛ الأول هو إيفان.” سألتني أوغستا بنبرة شك عميق: “لا أعلم لماذا تثق به لهذه الدرجة، لكن من هو الثاني؟” أطلقت تنهيدة ساخرة خفيفة وقلت: “بالطبع سيكون أنا.” في تلك اللحظة، شعرت تلك المرأة التي عاشت مسجونة طوال حياتها، لأول مرة، أن العالم الخارجي ليس مكانًا تحكمه المنطق البحت، بل مكان تحكمه احتمالات لا نهائية، ومن بين تلك الاحتمالات، شعرت أن احتمال موت هارالد على يد دارون أقرب إلى الحتمية منه إلى مجرد احتمال عابر.
توقفت أوغستا تراقبني وأنا أمشي أمامها، ربما لم تشعر بهذا حتى تلك اللحظة، لكن بالنسبة لها، كان العالم من وجهة نظرها مختلفًا تمامًا الآن. قدرتها متنوعة، بل شعرت أنه لا يوجد شيء لا تستطيع تلك القدرة كشفه، ومن بين ذلك، كشف الكذب وحتى تردد الآخرين الداخلي. لكن تصريحي الأخير كان صدقًا مطلقًا، بل حتى هي نفسها لم تكن لتستطيع نطق كلمات أصدق منه. ما أثار رعبها الحقيقي أنها، رغم كوني بجانبها طوال ذلك اليوم، ورغم ما تمنحها إياه قدرتها من شعور بإرادة من حولها، لم تستطع الشعور بإرادتي أبدًا. كانت هي نفسها متجلية، بل متجلية كاملة، تمتلك قدرة يمكن اعتبارها من أعظم القدرات في العالم، بل يمكن وصفها بقدرة تتخطى قوانين العالم المعتادة. ومع ذلك، شخص لا يتجاوز مرتبة متحكم شامل، ضعيف من المفترض ألا يكون قادرًا حتى على الوقوف أمامها بثبات، كان قادرًا على جعلها ترتجف خوفًا فقط بحضوره.
تنهدت أوغستا بعمق، ثم ابتسمت؛ كانت سعيدة، بل سعيدة جدًا، لأنها أدركت أنها اتخذت حرفيًا أفضل خيار وأفضل سيناريو ممكن. أدركت في تلك اللحظة أن الشخص الواقف أمامها كان يريد منعهم من التدخل في حربهم، ورغم أنه قال إنه يفضل حل الأمور بالتفاهم، إلا أنه لم ينفِ أبدًا لجوءه للقوة إن لزم الأمر. طرأ سؤال واحد في رأسها فجأة: “لو قاتلنا، هل كنت أنا وسيلاس سنكون قادرين على قتله حقًا؟”
في مكان آخر من هذه الإمبراطورية، تقدم فارس مدرّع بدرع أسود يُقال إنه مصنوع من فولاذ الفراغ، يسير في ممر داخل قصر شاسع، ممر واسع يسمح لعشرة أشخاص بالمرور جنبًا إلى جنب بسهولة، وسقف مرتفع لدرجة أن رفع الرأس بالكامل بالكاد يكفي لرؤيته. كان هذا الرجل يمشي بخطوات ثابتة متساوية، وكأن أول شيء تعلمه في حياته هو المشي بمثالية مطلقة. كان طوله بارزًا لدرجة أن الدروع الضخمة المصفوفة كزينة على جانبي الممر بدت أصغر منه حجمًا. شعره أزرق غامق، بتسريحة أنيقة تتمايل مع كل خطوة يخطوها، وعلى خصره سيف ضخم بمقاييس أي إنسان عادي، لكنه بدا بحجم عادي تمامًا بالنسبة لجسده هو. كان ذلك السيف مصنوعًا من أقوى المعادن النفيسة، ممزوجًا بفضة الروح، ومزخرفًا بنقوش تزيده هيبة، ومن أول نظرة إليه يمكن وصفه بأنه أثر حقيقي دون أدنى شك.
تقدم الفارس حتى وصل إلى باب مطرز بزخارف ذهبية، يمتد ارتفاعه حتى السقف نفسه. أمسك بمقبضه بسهولة وفتحه، فأصدر الباب صوت صرير ملأ القاعة بأكملها. كان يجلس بالداخل رجلان، شابان نسبيًا في المظهر، لكن عيونهما تحكي عن قرون من الخبرة المتراكمة. قال الفارس مخاطبًا إياهما: “أيها الفارسان الأخوان، أخوكما الأصغر حضر ليبارك لكما تتويجكما أخيرًا.” أجابه أحدهما بنبرة متكبرة: “أيها الفارس العظيم كاستر، ماذا تفعل هنا؟ أتترك جبهاتك دون دعم؟”
قال الفارس بنبرة غليظة: “أيها الفارسان ألدريك وكايزر، قبل عقدين من الزمن، وبمساعدة من الدوق فيلمونت وأيادٍ خارجية، خنتما المبجل العظيم أرين وقتلتماه.” اتسعت أعين الفارسين ووقفا غاضبين: “هل تحريت عنا أيها الطفل الملعون؟ أتتهمنا نحن من نعلوك رتبة؟” أجاب الفارس بهدوء: “أنا لا أتهمكما، بل أدينكما، وسأنفذ حكم إعدامكما الآن.” صرخ أحدهما مستشيطًا غضبًا: “لقد جننت أيها الطفل المدلل، أتظن نفسك قادرًا على قتلنا هنا؟” سحب الفارسان سلاحيهما، وحينها تصادمت ثلاث إرادات عظيمة في تصادم عنيف هزّ القصر بأكمله. كان القصر يقع في منطقة نائية، أقرب مدينة إليه تبعد مئتي كيلومتر على الأقل، وفي تلك المدينة، كان الجميع يعيشون حياتهم اليومية بشكل طبيعي تمامًا، غافلين عما يجري.
تصادمت الإرادات الثلاث، وفعّل كل واحد منهم قدرته الخاصة، واندفع الثلاثة في قتال مباشر. اهتزت الأرض وتصدعت، وبلغ الأمر حد زلزال عظيم اقتلع الأشجار من جذورها، ورياح هوجاء رفعت صخورًا لم يحلم أحد برؤيتها تتحرك من مكانها. حتى في تلك المدينة البعيدة، اهتزت المباني وتمزقت الجدران في مشهد مرعب، وتحولت السحب السوداء فوقها إلى دوامة دورانية مرعبة أرعبت كل من رآها. لم يدم الأمر طويلاً، بضع دقائق فقط، قبل أن يحل سكون مرعب على العالم بأسره. وقف الفارس كاستر عندها، بإصابات متفاوتة الخطورة، نصف وجهه مغطى بالدماء، ودرعه المرعب يحمل آثار تلك المعركة، بينما كان يحمل في يديه رأسين اثنين. قال بهدوء مرعب: “معلمي، لقد بدأ انتقامك أخيرًا.”.