الفصل 268 - خلاص بلا حدود
خلاص بلا حدود
واصلنا التمارين لساعات إضافية بعد ذلك الاختراق الأول، وأوغستا تزداد ثقة بنفسها مع كل محاولة جديدة. طلبت منها في إحدى المحاولات أن تحاول توجيه تلك الطاقة نحوي مباشرة، لا كضوء يُرى، بل كشيء يُشعر به. أغمضت عينيها، ومدت يدها نحوي، وشعرت فجأة بموجة دافئة تسري في جسدي، ليست شفاء بالمعنى المعتاد، بل شيء أعمق؛ إحساس بقوة إضافية تتدفق في عضلاتي، وحدة أكبر في إدراكي، وكأن جزءًا من إرادتها امتزج بإرادتي للحظة.
اتسعت عيناي بدهشة حقيقية، فسألتها: “ماذا فعلتِ للتو بالضبط؟” فتحت أوغستا عينيها، ونظرت إلى يدها بذهول مماثل لذهولي وقالت: “لا أعرف بالضبط، لكنني شعرت برغبة في ‘منحك’ شيئًا، ليس شفاءً، بل دعمًا مباشرًا.” فكرت في الأمر بعمق، ثم سألتها: “هل تعتقدين أن هذا يعمل مع أكثر من شخص واحد في آنٍ معًا؟” ترددت قبل أن تجيب: “لا أعرف، لم أجرب ذلك من قبل.” اقترحت عليها: “جربي التركيز على فكرة ‘المؤمنين بك’ بدلاً من شخص واحد محدد، وانظري ما يحدث.”
أغلقت أوغستا عينيها مرة أخرى، وبدأ الضوء يتصاعد من جسدها بأكمله هذه المرة، لا من يدها فقط، ينتشر كموجة غير مرئية تقريبًا تمتد إلى ما هو أبعد من الوادي الذي نقف فيه. شعرت أنا بتلك الموجة تلامسني مرة أخرى، أقوى قليلاً من المرة الأولى، لكن أوغستا فتحت عينيها فجأة بذعر خفيف وقالت: “شعرت بشيء غريب، كأن اتصالاً امتد بعيدًا جدًا، إلى أشخاص لا أعرفهم حتى، أناس يؤمنون بي في قرى بعيدة.” نظرت إليّ بقلق وأضافت: “هل هذا معقول؟ أن تمتد قدرتي لكل من يؤمن بي، بلا حدود لعددهم؟”
شعرت بثقل تلك الإمكانية يستقر في ذهني فورًا؛ لو كانت أوغستا قادرة فعلاً على منح الدعم والقوة لكل مؤمن بها، مهما بلغ عددهم ومهما بعدت المسافة، فهذا يعني أنها تملك القدرة على تحويل جيش كامل من الفلاحين العاديين إلى قوة قتالية حقيقية، أو ببساطة أكبر، دفع شعب بأكمله نحو ثورة حاسمة. قلت لها بجدية: “أوغستا، إن كان ما تشعرين به صحيحًا، فأنت تملكين قوة قد تفوق أي جيش تقليدي في هذه المنطقة بأكملها.” نظرت إليّ بخليط من الرهبة والفخر معًا وقالت: “كل هذه السنوات، وأنا أظن أن قدرتي مجرد بركات صغيرة عاجزة.”
لم نكمل ذلك الحديث طويلاً، إذ سمعنا فجأة صوت خطوات ثقيلة منظمة تقترب من الوادي، ثم ظهر عند حافته عدد من الجنود يرتدون دروعًا بيضاء مألوفة، يتقدمهم سيلاس نفسه، وقد تغيرت ملامحه تمامًا عن ذلك الرجل الهادئ الذي قابلته في المعبد؛ عيناه ضاقتا بغضب بارد، وفكه مشدود بتوتر واضح. قال بصوت حاد: “كنت أعرف أن هذا الغريب سيجلب المشاكل منذ اللحظة الأولى.” نظر نحو أوغستا وأضاف: “ماذا فعلتِ يا أوغستا؟ شعرت بموجة إرادتك تمتد بعيدًا جدًا، أبعد بكثير مما ينبغي أن تكون قادرة عليه.”
تقدمت أوغستا خطوة، ووقفت بيني وبين سيلاس مباشرة، وقالت بصوت أكثر حزمًا مما سمعته منها طوال ذلك اليوم: “اكتشفت أخيرًا الجزء الحقيقي من قدرتي، ذلك الجزء الذي أمضيت حياتي كلها أُعلَّم كيفية كبته.” ضاقت عينا سيلاس أكثر وقال: “كبحناه لسبب وجيه يا طفلتي، قوة كهذه في يد شخص غير مستعد يمكن أن تدمر توازن مناطق بأكملها.” أجابته أوغستا بغضب متصاعد: “غير مستعدة؟ أم غير مسيطر عليها من قبلك أنت شخصيًا؟”
اتسعت عينا سيلاس للحظة، قبل أن يستعيد هدوءه الظاهري ويقول: “لا أعرف عمّ تتحدثين.” صاحت أوغستا: “أنت تعرف تمامًا! منذ كنت طفلة في الخامسة، أنت من علمني كبح ذلك الفيض، أنت من أقنعني أن ‘النور الحقيقي يحرق كل من حوله إن لم يُكبح’. كانت كذبة، أليس كذلك؟ كذبة لإبقائي دمية سهلة التحكم بينما تدير أنت كل القرارات الحقيقية من خلفي.” لم يجب سيلاس مباشرة، لكن صمته وحده كان اعترافًا كافيًا.
قال سيلاس أخيرًا بصوت بارد: “حتى لو كان ما تقولينه صحيحًا، فقد كان ذلك لمصلحة الجميع. قوتك الحقيقية في يد امرأة عاطفية مثلك كانت ستقود إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها. أما أنا، فقد استخدمت السلطة بحكمة، لصالح الكنيسة، ولصالح استقرار الجنوب بأكمله.” شعرت بغضب حقيقي عند سماع تلك الكلمات المتغطرسة، لكنني تركت أوغستا تواجهه بنفسها، مدركًا أن هذه لحظتها هي لا لحظتي.
صاحت أوغستا: “استقرار؟ أم سيطرتك الشخصية فقط؟ كم قرية تجاهلت استغاثتهم؟ كم رسالة أمرتني بتمزيقها دون قراءتها حتى، بحجة ‘الحفاظ على العلاقات مع القصر’؟” تقدمت خطوة نحوه وأضافت: “أنا لست دمية بعد الآن يا سيلاس.” رفع سيلاس يده فجأة، وانطلق منها هجوم مباشر، طاقة داكنة كثيفة انفجرت من راحته على هيئة رمح ضخم من الظل الملتف، اخترق الهواء بسرعة أذهلتني رغم كل ما رأيته من قوى في حياتي. لم يكن ذلك هجوم متحكم شامل عادي، بل ضربة متجلٍّ حقيقي، دليل صريح على أنه أخفى مرتبته الحقيقية طوال سنوات كاملة. اهتزت الأرض تحت أقدامنا للحظة قبل أن يصل الرمح إلى هدفه حتى.
رفعت أوغستا يدها بسرعة، فتشكل أمامها حاجز من ضوء نقي كثيف، لكن اصطدام الرمح الداكن به أحدث انفجارًا هائلاً هز الوادي بأكمله؛ تطايرت الأشجار المحيطة كأنها أعواد ثقاب، وتصدعت الصخور الكبيرة من حولنا، وارتفع عمود من الغبار والضوء الممزوجين عاليًا في السماء، مرئيًا على الأرجح من مسافة أميال في كل اتجاه. تراجعت أوغستا عدة أمتار تحت وطأة الصدمة، لكن حاجزها صمد، وإن بصعوبة واضحة بدت على ملامحها المجهدة فجأة.
صرخ سيلاس وهو يندفع خلف هجومه الأول مباشرة: “لا تزالين تجهلين حقًا حجم ما يمكن أن نفعله نحن المتجلون!” اندفع نحوها بسرعة تفوق حدود الإدراك البشري العادي، وأطلق سلسلة من الضربات المتلاحقة، كل واحدة منها تحمل قوة كافية لتسوية مبنى كامل بالأرض. تصدت أوغستا لبعضها بحواجز ضوئية متتالية، تنكسر كل واحدة منها بعد ضربة أو ضربتين فقط، بينما تفادت البعض الآخر بحركات اضطرارية متسارعة، والأرض تتشقق تحت كل ضربة فاتها هدفها لتضرب التربة مباشرة بدلاً من ذلك.
ابتعدت أنا بسرعة عن مركز تلك المواجهة، مدركًا أن مجرد الوقوف قريبًا منها قد يعني الموت الفوري رغم كل قوتي كمتحكم شامل؛ فارق المستوى بيننا وبين ما يجري أمامنا كان هائلاً بكل معنى الكلمة. لو تقابل متجليان مبتدئان في قتال جاد، لهزّت المدينة المقدسة بأكملها من الأثر وحده. أما ما يجري أمامي الآن، متجلية كاملة تواجه متجليًا مبتدئًا، فكان أقرب لعاصفة طبيعية تتصارع مع نفسها منه إلى معركة بين شخصين.
بدأت أوغستا، رغم صدمتها الأولى، تستعيد زمام السيطرة تدريجيًا؛ فارق مرتبتها الحقيقية عن سيلاس بدأ يظهر بوضوح أكبر مع كل تبادل هجمات. ضوءها لم يعد مجرد حواجز دفاعية، بل بدأ يتشكل حولها كهالة كاملة، ترفع حرارة الهواء المحيط بها لدرجة جعلت العشب القريب يحترق تلقائيًا. أطلقت موجة ضوئية أفقية واسعة، لا كضربة مركزة بل كجدار متحرك من النور الخالص، اجتاح المنطقة بأكملها أمامها. حاول سيلاس صد تلك الموجة بدرع ظلي كثيف، لكن الاصطدام أنتج انفجارًا ثانيًا أعنف من الأول، أطاح بجزء كامل من التلة القريبة وحوّلها إلى ركام متطاير.
خرج سيلاس من ذلك الاصطدام مصابًا بوضوح، ثوبه ممزق جزئيًا، وخط دم رفيع ينزل من زاوية فمه. صرخ وهو يستجمع ما تبقى من طاقته: “توقفي! أنتِ لا تفهمين حجم القوة التي تلعبين بها!” اندفع نحوها بآخر ما يملك من قوة، محاولًا ضربة يائسة أخيرة. لكن أوغستا، بدلاً من التراجع هذه المرة، اندفعت هي نفسها نحوه مباشرة، ملتقية بهجومه في مواجهة صريحة. اصطدم الظلام بالنور في نقطة واحدة، فانفجر ضوء أبيض ساطع غطى الوادي بأكمله لثوانٍ، محو كل ظل فيه تمامًا، تبعه دوي هائل تردد صداه بين التلال المحيطة وكأن رعدًا سقط من السماء مباشرة فوق رؤوسنا.
حين خفت ذلك الضوء أخيرًا، وجدت سيلاس راكعًا على الأرض، جسده يحمل حروقًا واضحة تتصاعد منها أنفاس دخان خفيفة، ودرعه الظلي قد تبخر تمامًا. وقفت أوغستا أمامه، تلهث بشدة من فرط الجهد المبذول، لكنها لا تزال واقفة بثبات، بينما تناثرت حولنا آثار تلك المواجهة؛ أشجار محترقة، صخور مهشمة، وحفرة عميقة في وسط الوادي لم تكن موجودة قبل دقائق قليلة فقط.
اقتربت أوغستا منه ببطء، ووقفت أمامه وهو يلهث بصعوبة، ونظرت إليه بعينين لم تعودا تحملان أي أثر لتلك الرقة التي عرفتها بها منذ ساعات قليلة فقط. قال سيلاس بصوت ضعيف: “أوغستا… تذكري كل ما فعلته من أجلك، من أجل الكنيسة.” أجابته بهدوء بارد: “أتذكر كل شيء بوضوح تام الآن يا سيلاس، هذا بالضبط ما يخيفك.” مدت يدها نحوه، وبومضة ضوء أخيرة، هادئة هذه المرة بدلاً من عنيفة، أطفأت حياته دون أي ألم إضافي، وكأنها تمنحه رحمة لا يستحقها حقًا.
وقفت أوغستا صامتة للحظات طويلة، تنظر إلى جثته الملقاة أمامها، قبل أن تلتفت نحوي بعينين مثقلتين بمزيج من الحزن والتحرر معًا. قالت بصوت مرتجف قليلاً: “قتلت الرجل الذي ربّاني منذ الطفولة.” اقتربت منها ووضعت يدي على كتفها بلطف وقلت: “قتلتِ الرجل الذي سجنكِ منذ الطفولة، هذا مختلف تمامًا.” نظرت إليّ بعينين دامعتين، لكن نظرة تصميم بدأت تحل محل الحزن تدريجيًا، وقالت: “من الآن فصاعدًا، لن يقرر أحد شيئًا نيابة عني مرة أخرى.”