الفصل 267 - استكشاف الذات
غادرنا المدينة المقدسة عند الظهيرة، أوغستا ترتدي عباءة سفر بسيطة تخفي ثوبها الأبيض المعروف، ومعها حقيبة صغيرة قالت إنها تحمل بعض أدوات التأمل المعتادة. رافقنا حارسان فقط حتى أطراف المدينة، ثم تركانا نكمل طريقنا بمفردنا، بأمر مباشر منها لم يجرؤ أحد على الاعتراض عليه، رغم أنني لاحظت تبادل نظرة قلقة بينهما قبل انصرافهما.
سرنا في صمت لبعض الوقت عبر طريق ترابي هادئ يبتعد تدريجيًا عن المدينة، حتى وصلنا إلى وادٍ صغير محاط بأشجار كثيفة، بعيدًا تمامًا عن أي عين قد تراقبنا. توقفت أوغستا هناك، وتنفست بعمق وكأنها تتحرر من ثقل لم تدركه إلا بعد ابتعادها الفعلي عن أسوار كنيستها. قالت بصوت أخف من أي وقت مضى: “لا تتخيل كم مضى من الوقت منذ آخر مرة مشيت فيها بهذه الحرية، دون عشرات العيون تراقب كل خطوة أخطوها.”
جلسنا على صخرة كبيرة مسطحة قرب جدول ماء صغير، وسألتها: “حسنًا، لنبدأ من البداية. أخبريني بكل ما تعرفينه عن قدرتك، مهما بدا بسيطًا أو غير مكتمل.” فكرت أوغستا للحظة قبل أن تقول: “يُقال إن قدرتي تُدعى نعمة النور، تسمح لي بمنح البركات، وتلطيف بعض الآلام الجسدية البسيطة، وإشعال ضوء دافئ في الظلام. هذا ما تعلمته وما استخدمته طوال سنوات.” سألتها: “وهل حاولتِ يومًا دفع تلك القدرة إلى ما هو أبعد من ذلك؟” هزت رأسها ببطء وقالت: “كل من علّموني حذروني دائمًا من ‘الإفراط في استخدام النعمة لأغراض شخصية’، وكأن أي محاولة استكشاف أعمق نوع من الأنانية أو الكفر حتى.”
شعرت بغضب خفي تجاه من زرع فيها ذلك الخوف المصطنع، لكنني تمالكت نفسي وقلت بهدوء: “أريدك أن تنسي كل ذلك التعليم للحظة، وتحاولي معي تمرينًا بسيطًا. أغمضي عينيك، وحاولي الشعور بإرادتك الداخلية، لا بالقدرة نفسها، بل بالمصدر الذي يغذيها.” أغمضت أوغستا عينيها بتردد واضح، وبعد دقائق من الصمت، قالت بصوت مضطرب قليلاً: “أشعر بشيء، دفء في صدري، لكنه محاط بشيء آخر، وكأن جدارًا يمنعني من الاقتراب أكثر.” سألتها: “هل يمكنك وصف ذلك الجدار؟” ترددت قبل أن تجيب: “يشبه… الخوف. خوف قديم جدًا، لا أعرف مصدره الحقيقي.”
طلبت منها أن تستمر في التركيز دون محاولة كسر ذلك الجدار بالقوة، بل فقط ملاحظته بهدوء. مرت دقائق إضافية، ثم فتحت عينيها فجأة، ودموع خفيفة تنهمر منها دون بكاء حقيقي، وقالت بصوت مهتز: “رأيت شيئًا، ذكرى قديمة جدًا، ظننتها منسية تمامًا.” سألتها بلطف: “هل تريدين مشاركتها؟” هزت رأسها ببطء وقالت: “كنت طفلة، ربما في الخامسة من عمري، وكان هناك رجل، أظنه أحد كهنة ذلك الزمن، يعلمني أن أكبح أي ‘فيض’ يظهر مني تلقائيًا، وأن أخفيه دائمًا، لأن ‘النور الحقيقي يجب أن يظل تحت السيطرة الكاملة، وإلا احترق كل من حوله’.”
شعرت أن تلك الذكرى تحمل مفتاحًا حقيقيًا، فسألتها: “وهل تتذكرين ماذا كان ذلك الفيض الذي طلب منك كبحه؟” فكرت أوغستا طويلاً، ثم قالت بصوت أكثر ثباتًا فجأة: “ضوء. ضوء ساطع جدًا، أقوى بكثير من أي بركة أو نعمة أعرفها الآن. أظن أنني كنت أطلقه بشكل عفوي حين كنت طفلة، قبل أن يعلّموني كبته تمامًا.” نظرت إليّ بدهشة متزايدة وأضافت: “هل تعتقد أن هذا هو جزء من قدرتي الحقيقية؟ الجزء الذي كبتوه عني منذ الطفولة؟”
أومأت برأسي بثقة وقلت: “أعتقد ذلك تمامًا. من الواضح أن شخصًا ما أراد إبقاءك ضمن حدود معينة من القوة، ربما لأن قدرتك الكاملة كانت ستمنحك استقلالية لا يرغبون فيها.” اتسعت عينا أوغستا فجأة، وكأن قطعًا متفرقة من صورة كبيرة بدأت تتجمع أخيرًا في ذهنها. قالت بصوت مرتجف: “هل تقصد أن كل هذا، كل تلك التعاليم عن الكبح والتواضع الروحي، كانت وسيلة متعمدة لإبقائي ضعيفة؟” لم أجب مباشرة، بل تركتها تصل إلى استنتاجها الخاص، فأكملت هي بنفسها: “سيلاس… منذ كنت طفلة، كان هو من يشرف على تعليمي الروحي مباشرة.”
ساد صمت ثقيل بيننا، وبدا على أوغستا صراع داخلي حقيقي بين الغضب والحزن والارتباك معًا. قلت لها بهدوء: “لا أريد أن أفترض أشياء لا أملك دليلاً قاطعًا عليها، لكن ما اكتشفناه للتو يستحق استكشافًا أعمق بكل تأكيد.” أومأت أوغستا برأسها ببطء، ثم أغمضت عينيها مرة أخرى بتصميم مختلف هذه المرة، أكثر جرأة من محاولتها الأولى. قالت بصوت حازم: “أريد أن أحاول مرة أخرى، وهذه المرة، لن أسمح لذلك الجدار بإيقافي.”
ركزت أوغستا بعمق، وبدأ جسدها يهتز خفيفًا، ثم فجأة، انبعث من راحة يدها المفتوحة وهج خافت في البداية، سرعان ما تصاعد إلى ضوء أبيض نقي، أقوى بكثير من أي شيء رأيته يصدر عن كاهنة عادية. أضاءت المنطقة المحيطة بنا بالكامل لثوانٍ قبل أن تفقد أوغستا تركيزها فجأة وتلهث بشدة، والضوء يخفت تدريجيًا حتى يختفي تمامًا. نظرت إلى يدها بذهول تام وقالت بصوت مرتجف: “هذا… هذا لم يحدث لي منذ كنت طفلة صغيرة جدًا.”
ابتسمت لها بفخر حقيقي وقلت: “هذه مجرد البداية يا أوغستا. تخيلي ماذا يمكنك أن تصلي إليه حين تتقني التجلي الكامل في تلك القوة، بدلاً من كبتها طوال هذه السنوات.” نظرت إليّ بعينين تحملان مزيجًا من الخوف والأمل معًا، وقالت بصوت أكثر ثباتًا من أي وقت مضى: “أريد أن أتعلم. أريد أن أعرف من أنا حقًا، دون قيود أي شخص آخر عليّ بعد الآن.” شعرت في تلك اللحظة أن شيئًا أعمق بكثير من مجرد تجنب صراع عسكري بدأ يتشكل بيننا، بداية تحول حقيقي قد يغير مسار الجنوب بأكمله في الأشهر القادمة.