الفصل 266 - القديسة
دخلت الغرفة ببطء، فوجدتها بسيطة بشكل مفاجئ مقارنة بضخامة المعبد من الخارج؛ لا زخارف مبالغ فيها، لا عرش مذهب، فقط نافذة كبيرة تطل على حديقة صغيرة، وكرسيان بسيطان متقابلان، وطاولة صغيرة عليها إبريق شاي يتصاعد منه بخار خفيف. جلست عند أحد الكرسيين امرأة بدت أصغر سنًا مما توقعت بكثير، شعرها بني فاتح مجدول ببساطة، وثوبها الأبيض خالٍ تمامًا من أي زخرفة تميزها عن أي امرأة عادية، باستثناء نظرة عينيها؛ هادئة، عميقة، وتحمل نوعًا من التعب الذي لا علاقة له بالجسد.
رفعت رأسها عند دخولي، وابتسمت ابتسامة صادقة دافئة، لم تحمل أي أثر لتلك الهيبة الباردة التي توقعتها من شخصية بحجمها الديني. قالت بصوت رقيق: “تفضل بالجلوس، أنت الرجل الذي أثار فضول سيلاس كثيرًا الليلة الماضية.” جلست في الكرسي المقابل وقلت: “أشكرك على قبولك اللقاء، لم أتوقع أن يكون الأمر بهذه السهولة.” ضحكت بخفة وقالت: “سهولة؟ سيلاس كان يحاول إقناعي طوال الصباح بأن هذا اللقاء فكرة سيئة. رفضي المضي في نصيحته هو ما جعله يبدو سهلاً بالنسبة لك.”
سألتها بفضول: “ولماذا وافقتِ رغم اعتراضه؟” أجابت وهي تصب لي كوبًا من الشاي دون أن أطلب: “لأنني تعبت من أن يُقرَّر كل شيء نيابة عني. حين سمعت أن غريبًا يطلب لقائي شخصيًا، بشرط الخصوصية، شعرت بفضول حقيقي لأول مرة منذ وقت طويل.” قدمت لي الكوب وأضافت: “معظم من يطلبون مقابلتي يريدون بركة، أو نصيحة روحية، أو حلاً لمشكلة عائلية. أنت الوحيد الذي طلب اللقاء لسبب لم يوضحه لسيلاس بالكامل.” رفعت حاجبها بفضول واضح وسألت: “إذن، ما الذي أتى بك حقًا؟”
فكرت في طريقة الإجابة الصادقة دون أن أبدو مهددًا، وقلت: “جئت لأخبرك أن جيشًا يتحرك حاليًا نحو مدينة البخار، لإسقاط الدوق فيلمونت. طريقه المحتمل يمر قريبًا من أطراف أراضيك، وأردت التأكد من أنك لن ترَيه تهديدًا يستدعي ردًا يكلف الطرفين خسائر لا داعي لها.” اتسعت عيناها قليلاً، ثم سألت بجدية مفاجئة: “الدوق فيلمونت؟ هل هذا صحيح فعلاً؟” أومأت برأسي، فصمتت للحظة قبل أن تقول بصوت أهدأ: “لا تتخيل كم مرة تمنيت سماع هذا الخبر.”
فوجئت بردة فعلها، فسألتها: “أليس فيلمونت حليفًا للإمبراطورية التي تنتمي كنيستكم إليها رسميًا؟” ضحكت أوغستا ضحكة حزينة هذه المرة وقالت: “رسميًا نعم. لكن هل تعرف كم قرية أرسل إليّ كهنتها رسائل استغاثة بسبب ضرائبه وسياساته القاسية، وكم مرة أُمرت أن أتجاهل تلك الرسائل حفاظًا على ‘العلاقة الطيبة’ مع القصر؟” شعرت بمفاجأة حقيقية، فسألتها: “من أمرك بذلك؟” صمتت للحظة، ونظرت نحو الباب المغلق بحذر، قبل أن تقول بصوت أخفض: “لنقل فقط إن قراراتي ليست حرة دائمًا كما يظن الناس من الخارج.”
شعرت أن هذه اللحظة تكشف لي شيئًا أعمق بكثير مما توقعت، فسألتها بلطف: “هل تريدين إخباري بذلك؟” ترددت أوغستا طويلاً، تتقلب أصابعها حول كوبها دون أن تشربه، ثم قالت أخيرًا: “أنا القديسة أوغستا أمام الناس، الوجه الذي يرونه، الصوت الذي يسمعونه. لكن القرارات الحقيقية، السياسات، التحالفات، حتى بعض العقائد التي أُعلنها باسم الإيمان، لا تصدر عني وحدي دائمًا.” نظرت إليّ بعينين مثقلتين وأضافت: “أشعر أحيانًا أنني دمية جميلة يُحرّكها آخرون من خلفي، بينما يظن الناس أنني أنا من أقرر مصيرهم الروحي.”
شعرت بتعاطف حقيقي تجاهها، فقلت بصدق: “لم أتوقع أن أسمع هذا من امرأة يُقال إنها الأقوى روحيًا في الجنوب بأكمله.” ابتسمت أوغستا ابتسامة مريرة وقالت: “القوة الروحية والحرية الشخصية شيئان مختلفان تمامًا للأسف.” سألتها بفضول: “وماذا عن قدرتك؟ أنتِ متجلية كاملة منذ سنوات كما سمعت، ألا تمنحك تلك القوة حرية كافية لتغيير الأمور بنفسك؟” صمتت أوغستا طويلاً هذه المرة، ثم قالت بصدق مفاجئ: “بصراحة، لست متأكدة تمامًا من طبيعة قدرتي الحقيقية. أعرف كيف أستخدم جزءًا صغيرًا منها في الطقوس والبركات، لكن أشعر دائمًا أن هناك عمقًا أكبر بكثير لم أستكشفه يومًا، وكأنني أخاف من النظر إليه مباشرة.”
نظرت إليها باهتمام حقيقي وقلت: “ربما يمكنني مساعدتك في ذلك، إن كنتِ مستعدة.” رفعت رأسها بدهشة وسألت: “لماذا قد تفعل ذلك؟ أنت جئت هنا لتجنب صراع، لا لمساعدتي شخصيًا في أمر لا علاقة له بمهمتك.” أجبتها بصدق: “ربما لأنني أعتقد أن امرأة بقوتك الحقيقية، حين تكتشفها أخيرًا، وتقررين استخدامها بحرية كاملة لأول مرة، قد تكونين حليفة أهم بكثير من مجرد اتفاق على تجنب الصدام.” ابتسمت أوغستا ابتسامة مختلفة هذه المرة، أكثر إشراقًا وصدقًا من أي ابتسامة أظهرتها طوال حديثنا، وقالت: “لم يعرض عليّ أحد شيئًا كهذا منذ زمن طويل جدًا.”
نظرت نحو النافذة والحديقة الصغيرة خلفها، ثم عادت بنظرها إليّ وقالت بصوت أكثر ثباتًا: “حسنًا، أقبل عرضك. لكن ليس هنا، ليس تحت سقف هذا المعبد حيث لكل جدار أذن تقريبًا.” نهضت من كرسيها وأضافت: “سأخبر سيلاس أنني سأرافقك في جولة تأملية خارج أسوار المدينة المقدسة، شيء أفعله أحيانًا لن يثير شكوكه كثيرًا. هناك، بعيدًا عن كل هذا، يمكننا التحدث بحرية حقيقية لأول مرة.” نهضت بدوري وقلت: “سأكون بانتظارك إذن.” أومأت أوغستا برأسها، وشعرت في تلك اللحظة أن رحلتي إلى هذه المدينة المقدسة كانت على وشك أن تتحول إلى شيء أعمق بكثير مما خططت له في البداية.