الفصل 264 - زحف الفرق الخمسة
عند بزوغ الفجر، اصطفت الفرق الخمسة خارج أسوار أوسترين، عشرات الآلاف من المقاتلين يمتدون على مساحة شاسعة من الأرض، راياتهم تتطاير مع نسيم الصباح البارد. وقف فولك على منصة خشبية مرتفعة، يراقب ذلك المشهد المهيب، بينما اجتمع القادة الخمسة أمامه للمرة الأخيرة قبل الانطلاق. بلغ الخمسة جميعًا مستوى التحكم الشامل خلال ذلك الشهر كما وعدوا، وبدا ذلك واضحًا في وقفتهم وحضورهم أكثر من أي كلام يمكن أن يُقال.
وقف إيفان بينهم أيضًا، وإن لم يكن أحد القادة، جاء ليودّع الجيش قبل أن يلتحق بموقعه الخاص ضمن صفوف سكارليت. أغمض عينيه للحظة، ثم فعّل قدرته جزئيًا، فبدأت أنيابه تطول قليلاً وفراؤه يتناثر عند أطراف يديه، قبل أن يوقف التحول عند ذلك الحد. قال بصوت أجش مندهش: “هذا… مختلف تمامًا.” نظر إلى يده وهو يقبضها ويرخيها ببطء وأضاف: “أشعر أن الوحش بداخلي لم يعد يقاتل إرادتي كما اعتاد، بل أصبح جزءًا منها مباشرة. حتى نصف التحول هذا يحمل قوة تفوق ما كنت أصل إليه بالتحول الكامل قبل شهر واحد فقط.” أعاد فراءه إلى طبيعته البشرية بسرعة وقال لنفسه أكثر مما قاله لأي أحد: “لا أطيق صبرًا لأرى ما ستفعله هذه القوة الجديدة حين يحين وقتها الحقيقي.”
قال فولك موجهًا كلامه للجميع: “خمستكم الآن متحكمون شاملون حقيقيون، تستحقون مواقع القيادة التي منحتها لكم.” نظر نحو الأفق الشرقي وأضاف: “انطلقوا الآن، كل فريق يسلك مساره المحدد، وتذكروا؛ النجاح الحقيقي هو عودتكم جميعًا أحياء لرؤية هذا النصر بأعينكم.” أطلقت الفرق الخمسة صيحة موحدة هزت الأرض، قبل أن تبدأ بالتحرك تدريجيًا نحو وجهاتها.
راقب فولك تلك الجيوش حتى اختفت خلف الأفق، ثم تنهد وتمتم لنفسه: “الآن، لم يبقَ سوى انتظار دارون.” التفت نحو أراك وسأله: “أي أخبار عن تحركه؟” هز أراك رأسه وقال: “آخر تقرير يشير إلى أنه بلغ المدينة المقدسة، مركز كنيسة النور المقدس. لا شيء بعد ذلك.” قطّب فولك حاجبيه بقلق صامت.
في الوقت نفسه، وعلى مسافة طويلة جنوبًا، كنت أقترب أخيرًا من أسوار المدينة المقدسة بعد يومين إضافيين من السفر. كانت مختلفة تمامًا عن أي مدينة مررت بها من قبل؛ لا أسوار حجرية ضخمة، بل سور منخفض مزين بنقوش دينية معقدة، وكأن المدينة تعتمد على هيبتها الروحية أكثر من أي تحصين مادي.
عند البوابة، استقبلني حراس يرتدون دروعًا بيضاء تحمل رمز شمس ذهبية. سألني أحدهم: “ما غرضك من دخول المدينة المقدسة أيها الغريب؟” أجبته: “جئت لتقديم طلب لقاء رسمي مع أحد كبار الكهنة، بخصوص أمر يتعلق بالقديسة أوغستا شخصيًا.” تبادل الحارس نظرة سريعة مع زميله وقال: “هذا طلب غير معتاد، لكن لك الحق في تقديمه في المعبد الرئيسي.”
دخلت المدينة، وشعرت بجو مختلف يلفني من كل اتجاه؛ ترانيم هادئة من بعيد، أناس يسيرون بخطى بطيئة ووجوه هادئة، وكأن المكان بأكمله يعيش في تأمل دائم. توجهت نحو المعبد الرئيسي، مبنى أبيض ضخم تتوسط قبته الذهبية المدينة بأكملها.
عند مدخله، استقبلني كاهن أكبر سنًا، نظر إليّ بتمعن وسأل: “أخبروني أنك تطلب لقاءً مع القديسة نفسها. طلب جريء، فما الذي يجعلك تظن أنك تستحق هذا الشرف؟” قلت: “لا أدّعي استحقاق شرف خاص، لكن لدي معلومات تتعلق مباشرة بمصلحة كنيستكم، أرى أنها تستحق أن تصلها بأسرع وقت ممكن.” ضاقت عيناه بحذر وسأل: “من أي نوع؟” أجبته: “من النوع الذي يُقال لها مباشرة، لا لأي وسيط مهما بلغت رتبته.” تردد قليلاً ثم قال: “انتظر هنا، سأنقل طلبك لمن هو أعلى مني رتبة. لا أعدك بشيء.”
جلست في ساحة انتظار هادئة، أراقب حركة الكهنة والحجاج بصمت، وأفكر في خطوتي التالية إن رُفض طلبي كما توقعت جزئيًا. شعرت أن هذه المواجهة، رغم هدوئها الظاهري، ستحمل تعقيدات أعمق بكثير مما تخيلته حين اتخذت قراري بمواجهة أوغستا وحدي.