الفصل 263 - أرض القداسة
انطلقت وحدي عند الفجر، بينما كانت الفرق الخمسة لا تزال تُنظّم صفوفها استعدادًا للرحيل نحو مدينة البخار. لم أودّع أحدًا رسميًا، فقد فعلنا ذلك بالفعل الليلة الفائتة، لكن سكارليت انتظرتني عند بوابة المدينة رغم ذلك، ذراعاها معقودتان وملامحها تحمل قلقًا لم تخفِه هذه المرة.
قالت بمجرد أن رأتني: “ظننت أنك ستتسلل خارجًا دون أن أراك.” ابتسمت وقلت: “وتظنينني سأفعل ذلك حقًا؟ بعد كل هذه السنوات، ما زلت لا تثقين بي؟” ردت بجفاف: “أثق بك في القتال، لا في الوداعات. أنت سيئ فيها بشكل يدعو للشفقة.” ضحكت رغمًا عني وقلت: “حسنًا، هذه المرة سأحاول أن أكون أفضل. وداعًا يا سكارليت.” رفعت حاجبًا وقالت: “هذا كل ما لديك؟ ثلاث كلمات؟” أجبتها: “ماذا تريدين مني أن أقول بالضبط؟” فكرت للحظة ثم قالت: “لا أعرف، شيء يجعلني أشعر أنك تأخذ هذا الأمر بجدية كافية.” نظرت إليها بصدق وقلت: “سكارليت، إن لم أعد خلال شهرين، أريدك أن تقودي متحكمي أوسترين بنفسك، لا تنتظري أحدًا آخر.” اتسعت عيناها قليلاً، ثم أومأت برأسها بصمت، وكأن تلك الجملة كانت كافية أخيرًا لإقناعها بجديتي.
سرت بعدها جنوبًا لعدة أيام متواصلة، أتجنب الطرق الرئيسية قدر الإمكان، فقد كانت المنطقة المحيطة بأراضي كنيسة النور المقدس معروفة بكثافة حجاجها ومسافريها، ولم أرغب في لفت انتباه أي شخص قبل أن أفهم طبيعة المكان بنفسي عن قرب. في اليوم الرابع، بدأت أرى أولى علامات اقترابي؛ تماثيل حجرية صغيرة منتشرة على جانبي الطريق، كل واحد منها يمثل شخصية بملامح هادئة، أيديها مرفوعة في وضعية بركة، ونقوش تحتها بلغة قديمة لم أتعرف عليها بالكامل.
عند الغسق، وصلت إلى قرية صغيرة تقع عند أطراف الأراضي المقدسة مباشرة، أول مستوطنة بشرية حقيقية أراها منذ مغادرتي أوسترين. قررت الدخول والمبيت فيها ليلة واحدة، أجمع خلالها أكبر قدر ممكن من المعلومات قبل التوغل أعمق. دخلت حانة صغيرة في وسط القرية، هادئة نسبيًا، يجلس فيها بضعة رجال يتناولون عشاءهم بصمت.
جلست في زاوية بعيدة، وطلبت طبقًا بسيطًا من صاحب المكان، رجل مسن بدا متعبًا لكنه ودود. سألته بينما كان يضع الطبق أمامي: “هل هذه أول قرية عند حدود أراضي القديسة أوغستا؟” توقف الرجل للحظة، ونظر إليّ بحذر واضح قبل أن يجيب: “تعتمد على ما تقصده بالضبط بـ’الحدود’. أراضي كنيسة النور تمتد أبعد بكثير مما يظنه الغرباء، لكن نعم، من هنا يبدأ نفوذها المباشر.” سألته بفضول: “وهل الناس هنا يحبونها؟ يحترمونها؟” ضحك الرجل ضحكة قصيرة لا تخلو من مرارة وقال: “الحب كلمة كبيرة يا غريب. نحن نخافها، وربما هذا كافٍ لبعض الناس ليعتبروه احترامًا.”
اقترب مني رجل آخر كان يجلس على الطاولة المجاورة، بدا أصغر سنًا، وقال بصوت منخفض: “لا تسأل أسئلة كهذه بصوت مرتفع هنا يا غريب، حتى الجدران في هذه القرية لها آذان تصل إلى كهنة الكنيسة.” شعرت بفضول أكبر، فسألته: “لماذا؟ ما الذي يحدث لمن يتحدث بصراحة؟” تردد الرجل قليلاً قبل أن يجيب: “لا شيء مباشر عادة، لكن أسرتك، محصولك، حتى صحتك، قد تبدأ فجأة بمواجهة ‘سوء حظ’ غريب إن أزعجت الكهنة المحليين بما يكفي.” أومأت برأسي بتفهم، مدركًا أن هذا النوع من السيطرة الناعمة أخطر أحيانًا من أي جيش مباشر.
سألته: “وأنت، لماذا تخبرني بهذا رغم الخطر؟” ابتسم الرجل ابتسامة متعبة وقال: “لأنك تبدو مختلفًا عن التجار والحجاج المعتادين، ولأنني، بصراحة، تعبت من الصمت.” نظر حوله بحذر قبل أن يضيف: “إن كنت هنا لسبب يتعلق بمواجهة الكنيسة، فأنت إما شجاع جدًا أو غبي جدًا، لكن جزء مني يتمنى أن يكون الاحتمال الأول.” شكرته على صراحته، ودفعت له أكثر مما يستحقه الطعام، إشارة صامتة لتقديري.
في صباح اليوم التالي، واصلت طريقي عبر الأراضي المقدسة نفسها، وبدأت ألاحظ تغيرًا واضحًا في طبيعة المكان؛ حقول مزروعة بعناية فائقة، قرى أكثر نظافة وترتيبًا، لكن أيضًا حضور كهنوتي كثيف في كل زاوية تقريبًا، رجال ونساء يرتدون أثوابًا بيضاء موحدة، يراقبون كل غريب بعيون يقظة لا تخفي شكها.
عند إحدى نقاط التفتيش غير الرسمية على الطريق، أوقفني كاهن شاب، وسألني بنبرة رسمية: “ما غرضك من دخول أراضي النور المقدس؟” فكرت سريعًا في إجابة مناسبة وقلت: “جئت طالبًا لقاء القديسة أوغستا شخصيًا، لدي أمر مهم أرغب في مناقشته معها.” اتسعت عينا الكاهن الشاب بدهشة واضحة وقال: “طلب لقاء مباشر؟ هذا أمر نادر الحدوث لغريب لا نعرفه. هل لديك موعد مسبق، أو توصية من أحد كهنتنا الكبار؟” أجبته بصدق: “لا، لا أملك أيًا من ذلك.” ضحك الكاهن بصوت غير مصدق وقال: “إذن، أخشى أن رحلتك ستنتهي هنا يا صديقي. القديسة لا تستقبل أحدًا دون ترتيب مسبق دقيق، خاصة الغرباء القادمين من خارج نفوذنا مباشرة.”
أدركت أن المواجهة المباشرة والصريحة لن تفتح لي أي باب هنا، فقلت بهدوء: “حسنًا، أفهم ذلك. هل هناك طريقة أخرى للتواصل، أو ربما شخص يمكنني التحدث معه أولاً لشرح طبيعة الأمر؟” فكر الكاهن قليلاً قبل أن يقول: “يمكنك التوجه إلى المعبد الرئيسي في المدينة المقدسة، على بعد يومين من هنا تقريبًا. هناك، يمكنك تقديم طلبك رسميًا لأحد كبار الكهنة، وقد يوافقون على ترتيب لقاء إن رأوا في طلبك ما يستحق اهتمام القديسة شخصيًا.” شكرته على المعلومة، وواصلت طريقي نحو تلك المدينة المقدسة، مدركًا أن الطريق أمامي سيتطلب صبرًا ودبلوماسية أكثر بكثير مما توقعت في البداية.
خلال ذلك اليوم الإضافي من السفر، فكرت مليًا في طبيعة هذا التحدي المختلف تمامًا عن أي مواجهة قتالية خضتها من قبل؛ هنا، القوة وحدها لن تكفي، بل ستحتاج إلى فهم عميق لقواعد لعبة سياسية ودينية معقدة، لعبة لا أعرف قواعدها الحقيقية بعد. شعرت بيقين هادئ يستقر بداخلي رغم ذلك؛ فمهما كانت طبيعة هذا التحدي الجديد، لم أعد ذلك الشاب الضائع الذي بدأ هذه الرحلة قبل سنوات طويلة، وكنت مستعدًا لمواجهة أي شيء يقف في طريقي، بالحكمة إن أمكن، وبالقوة إن اضطررت لذلك.