الفصل 262 - قبل الرحيل
انتهى الاجتماع على وقع ذلك التوتر المكتوم، وتفرق الجميع ببطء، كل واحد منهم يحمل ثقل ما سمعه للتو؛ شهر واحد فقط لبلوغ مستوى لم يظنوا يومًا أنهم سيقتربون منه بهذه السرعة، وقرار مفاجئ بمواجهتي المنفردة لأخطر شخصية دينية في الجنوب بأكمله. بقيت أنا وفولك وحدنا في الغرفة بعد خروج البقية، وساد صمت ثقيل بيننا لبضع لحظات قبل أن يكسره هو أولاً.
قال فولك بصوت أهدأ من نبرته السابقة الغاضبة: “أعرف أن قرارك بشأن إيفان كان صائبًا من الناحية العملية البحتة، لكنه ترك أثرًا مريرًا في نفوس الجميع، بمن فيهم أنا شخصيًا.” أجبته بصدق: “أعلم ذلك جيدًا، ولم يكن قرارًا سهلاً بالنسبة لي أيضًا. إيفان صديق حقيقي، وأثق بقوته أكثر من أي شخص آخر تقريبًا، لكن القيادة تتطلب أكثر من مجرد القوة أو الصداقة.” تنهد فولك بعمق وقال: “ربما أنت محق، لكن أرجو أن تجد طريقة لتعويضه عن هذا لاحقًا، فهو يستحق ذلك بعد كل ما مر به.”
غادرت الغرفة بعد ذلك الحديث القصير، ووجدت إيفان ينتظرني عند الباب الخارجي للمبنى، وحيدًا، يراقب غروب الشمس بصمت. اقتربت منه ووقفت بجانبه دون أن أقول شيئًا في البداية. بعد لحظات، قال بصوته الهادئ: “لا داعي لأن تشعر بالذنب يا دارون، أتفهم قرارك تمامًا، بل أحترمه.” نظرت إليه وقلت: “لن أدعك بلا مسؤولية طويلاً يا إيفان. حين نصل إلى مدينة البخار، ستكون أنت من يقود العملية الأكثر خطورة وأهمية في هذه الحملة بأكملها، مهمة تتطلب قوة وثقة لا يملكها أي شخص آخر بيننا سواك.”
اتسعت عيناه قليلاً بفضول، فأضفت: “لم أحدد التفاصيل بعد، لكن اعتبر هذا وعدًا مني. قيادة الجيش شيء، وقيادة مهمة حاسمة تحدد مصير المعركة بأكملها شيء آخر تمامًا.” ابتسم إيفان ابتسامة صادقة للمرة الأولى منذ انتهاء الاجتماع وقال: “سأنتظر ذلك بفارغ الصبر إذن.” شعرت بارتياح داخلي وأنا أراه يستعيد بعضًا من ثقته المعتادة، وتركته يستمتع بغروب تلك الشمس بمفرده، بينما توجهت أنا لبدء العمل الفعلي مع بقية القادة الخمسة.
قضيت الأيام التالية متنقلاً بين كل واحد من القادة على حدة، أساعدهم على فهم طبيعة مساراتهم الداخلية بعمق أكبر، تمهيدًا لتلك القفزة الحاسمة نحو مستوى التحكم الشامل. كانت ديانا أول من بدأت معها، فقدرتها المرتبطة بأتباعها منحتها فهمًا فطريًا لمفهوم الترابط بين المسارات المختلفة، أسرع بكثير مما توقعت. قالت لي في إحدى جلساتنا: “الأمر أشبه بربط خيوط متفرقة كنت أعرف وجودها لكن لم أفهم كيفية توحيدها من قبل.” أومأت لها بارتياح، مدركًا أنها ستكون من أوائل من يبلغ ذلك المستوى الجديد.
أما ويليام، فكان أكثر تعقيدًا قليلاً؛ قدرته المرتبطة بقراءة الرياح والتيارات البحرية جعلت مساره الداخلي أكثر تشتتًا وانتشارًا من غيره، ما تطلب جلسات أطول لمساعدته على تجميعه ضمن وعاء إرادة موحد. قال لي بإحباط خفيف بعد إحدى المحاولات الفاشلة: “أشعر وكأنني أحاول جمع مياه بحر كامل بيدي فقط.” ضحكت وقلت له: “ربما هذا بالضبط ما تحتاجه، ليس جمع المياه كلها دفعة واحدة، بل توجيه تيار واحد رئيسي يقود البقية خلفه بشكل طبيعي.” بدا عليه التفكير العميق في تلك النصيحة، وشعرت أنه بدأ يقترب من الفهم الحقيقي رويدًا رويدًا.
عملت مع سكارليت وأردين وليليا بالطريقة نفسها، كل واحد منهم يواجه تحديات مختلفة بناء على طبيعة قدرته الخاصة، لكن جميعهم أظهروا تقدمًا ملموسًا خلال الأسبوعين الأولين من ذلك الشهر المحدد. في الوقت نفسه، خصصت لنفسي ساعات إضافية كل مساء للتحضير لمهمتي المنفردة القادمة؛ جمع كل ما أمكنني معرفته عن القديسة أوغستا وكنيستها من خلال أراك وشبكة معارفه التجارية الواسعة.
اكتشفت خلال تلك الأبحاث أن أوغستا لم تكن مجرد شخصية دينية عاديةؤ بل امرأة بلغت مرتبة التجلي الكامل منذ عقود طويلة، تقود كنيسة النور المقدس بقبضة من حديد مغلفة بخطاب روحي مقنع للغاية، يجذب إليها آلاف الأتباع المخلصين عبر مناطق جنوبية شاسعة. كانت عقيدتها الأساسية تقوم على فكرة أن القوة الحقيقية يجب أن تُمنح فقط لمن يثبت “طهارة نيته” أمام محكمة روحية داخلية تديرها هي شخصيًا، ما جعلها تنظر بعداء صريح لأي متحكمين يكتسبون قوتهم بطرق “غير مباركة” من وجهة نظرها.
في إحدى الليالي، بينما كنت أراجع تلك المعلومات وحدي، انضمت إليّ سكارليت بهدوئها المعتاد، جلست مقابلي وسألت بجدية: “هل أنت متأكد فعلاً من قدرتك على مواجهة شخصية بهذا الحجم من القوة والنفوذ وحدك؟” نظرت إليها وأجبت بصدق: “لست متأكدًا بشكل كامل، لكنني أعرف أن إرسال أي قوة عسكرية إلى منطقتها سيُفسَّر فورًا كإعلان حرب مباشر ضدها وضد كل أتباعها المنتشرين في الجنوب. مواجهة فردية، دبلوماسية قدر الإمكان، هي الخيار الأقل كارثية بيننا جميعًا.”
صمتت سكارليت للحظة قبل أن تقول: “أعرف أنني لا أستطيع منعك من قرارك، لكن عدني على الأقل أنك ستكون حذرًا، وأنك ستنسحب فور شعورك بأن الأمور تخرج عن السيطرة.” ابتسمت لها بامتنان وقلت: “أعدك بذلك.” بدت غير مقتنعة تمامًا بذلك الوعد، لكنها لم تُلحّ أكثر، مدركة عنادي المعروف في مثل هذه القرارات.
مرت بقية الأسابيع بإيقاع مكثف من التدريب والاستعداد المتوازي؛ القادة الخمسة يقتربون تدريجيًا من عتبة التحكم الشامل، بينما أكملت أنا استعداداتي الخاصة لتلك المواجهة المنفردة المرتقبة. في الليلة الأخيرة قبل انتهاء المهلة المحددة، اجتمع الجميع مرة أخرى في تلك الغرفة الواسعة نفسها، هذه المرة بشعور مختلف تمامًا عن الاجتماع الأول؛ ثقة أكبر، وترابط أعمق، رغم أن ظل القلق من حجم التحدي القادم لم يفارق أحدًا منهم بالكامل.
وقف فولك وقال موجهًا كلامه للجميع: “غدًا تنطلق الفرق الخمسة نحو مدينة البخار، بينما ينطلق دارون في اتجاه مختلف تمامًا نحو مواجهته الخاصة.” نظر إليّ بقلق حقيقي واضح وأضاف: “أرجو أن تلحق بنا سريعًا يا دارون، فنحن بحاجة إليك في تلك المواجهة النهائية أكثر مما تتخيل.” أومأت له بثقة هادئة وقلت: “سألحق بكم قبل وصولكم إلى أسوار المدينة بوقت كافٍ، أعدكم بذلك.” نظرت إلى كل الوجوه المجتمعة أمامي، أصدقاء ورفاق دعم طريقي منذ بداية هذه الرحلة الطويلة، وشعرت بيقين هادئ يستقر في صدري رغم كل الخطر الذي ينتظرنا جميعًا في الأيام القادمة.