الفصل 261 - مجلس أوسترين
مجلس أوسترين
في الوقت نفسه، كان دارون وإيفان وسكارليت وبقية الرفاق مجتمعين في مدينة أوسترين، تلك المدينة التي كانت يومًا مجرد نقطة هامشية على الخريطة يتجنبها الجميع، لكنها أصبحت الآن موطئ قدم لمجموعة من المقاتلين الذين اختاروا التغيير على التأقلم. اجتمعنا هذه المرة في مبنى مبهر، داخل غرفة واسعة تشع روعة، توسطها طاولة طويلة استقرت عليها شخصيات عديدة معينة بعناية.
جلس فولك على رأس الطاولة، وعلى جانبيه كل من إيفان ودارون، وامتدت المجموعة لتشمل سكارليت وويليام وديانا وحلفاءهم من الخليج الأزرق، إلى جانب وجوه جديدة انضمت إلينا؛ أردين ولوكا من مدينة غولدينفيلد، المدينة التي تولى فولك شخصيًا تحرير أهلها من طغيان الدوق فيلمونت.
كانت غولدينفيلد مدينة تحيط بها سهول واسعة مغطاة بالقمح الذهبي، ويُقال إنها تغطي معظم احتياجات المدن الجنوبية من الحبوب. إلا أن فيلمونت، بجشعه المعتاد، استخدم ضدهم سياسة القروض العائلية، سحب من خلالها أراضي ملاكها الأصليين واستعبدهم ببساطة. كانت حربهم سياسية بحتة، إذ تمكن فولك من استعادة حقوقهم أمام المحكمة التابعة لقصر العدالة.
كان أردين أحد المتمردين الذين جمعوا قوتهم في مواجهة ذلك الطغيان، وأصبح الآن أحد حلفائنا الأقوياء، فهو متحكم متقدم يملك سبعة متحكمين أوليين كأتباع له، إضافة رائعة لصفوفنا بلا شك. وإلى جانبه، جلست امرأة أخرى تُدعى ليليا، انضمت إلى صفوفنا بعد أن قدمنا مساعدات مالية لمدينتها التي نُهبت على يد قطاع طرق قبل ستة أشهر، تحت مسمى رد الدين.
اختار أراك زاوية للوقوف فيها، ليبدأ فولك حديثه أخيرًا عن خطتنا الأصلية؛ الإطاحة بالدوق فيلمونت. تكلم فولك قائلاً: “اجتماعنا اليوم سيحدد نهايتنا، نهاية كل ما بدأناه معًا.” تنهد بعمق شديد وأكمل: “الإطاحة بالدوق فيلمونت هدف لطالما سعيت إليه ولطالما تمنيتموه جميعًا. لو أُخبرت قبل عدة أشهر أن فيلمونت سيسقط، لقلت إن هذا هراء جنون، أو هراء سكر.” أغلق عينيه للحظة ثم فتحهما وأكمل: “لكن هذا الهدف أصبح أخيرًا في متناول أيدينا.”
التفت فولك نحوي بتعبير جاد، وكأنه يطلب مني الاستمرار. أطلقت زفيرًا هادئًا وقلت بصوت حازم: “إسقاط فيلمونت ليس عملاً سهلاً، ولن يكون أسهل مما هو عليه الآن. لا تنتظروا مني كلمات تشجيع سخيفة أو تقليلاً من شأن الخصم، بل العكس تمامًا؛ قوات فيلمونت هائلة، ومقارنة بها نحن لا نصل حتى لثلث قوته. سيكون عدوًا رهيبًا، عدوًا قويًا، وعدوًا مرعبًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. سيموت الكثير، وقد لا يعود نصف الجالسين هنا أحياء. ومع ذلك، سأطرح عليكم سؤالاً واحدًا فقط؛ هل إرادتكم كافية لتغيير مصيركم؟”
أجاب الجميع بصوت واحد، عالٍ لا يشوبه أي تردد: “نعم!” ابتسم فولك بهدوء وقال: “بما أن الجميع هنا عازم على الاستمرار، فلنكمل الاجتماع.” تجول فولك بنظره بين الحضور وقال: “تواصلت مع حركة مقاومة من داخل مدينة البخار نفسها، يقودها شخص يُدعى المعلم، ويبدو أننا نتشارك العديد من القواسم المشتركة. قواتهم متواضعة عددًا، وهم شديدو الحذر، لكنني تمكنت من كسب ثقتهم، خاصة بعد أن أضعفنا نفوذ فيلمونت في الجنوب.” أضاف بنبرة يتخللها الحماس: “رغم صغر عددهم، إلا أنهم يمتلكون مقاتلاً واحدًا من المستوى الرابع، متجلٍ مبتدئ، بالإضافة إلى سبعة متحكمين شاملين ضمن صفوفهم، وبعض الخبراء الآخرين إلى جانبهم. مجموعة صغيرة، لكنها تضم صفوة المقاتلين الأقوياء بلا منازع.”
قال إيفان بصوت متحمس: “سيكونون إضافة مذهلة لصفوفنا.” أجابه فولك بتردد واضح: “صحيح، لكن هناك مشكلة واحدة؛ هم يمتلكون خبراء أكثر منا، ولو تحالفنا معهم بهذا الوضع، فستميل الدفة لصالحهم أكثر، وقد يلتهموننا في نهاية المطاف، أو حتى يستغلوننا كدروع بشرية. لهذا سيكون هدفنا الأول جعل كل من هو جالس هنا متحكمًا شاملاً دون استثناء.” تفاوتت ردود الأفعال بين القلق والدهشة معًا، والتفت فولك نحوي وكأنه يطلب نصيحتي في الأمر.
قلت بصوت جاد: “معه حق، قوتكم الحالية لا تناسب موقع القادة. سيقودون جيشًا كاملاً للتمرد، وبلوغ التحكم الشامل ليس خيارًا هنا، بل إجبار لا مفر منه. سأتولى أنا مساعدتكم قدر الإمكان.” قالت سكارليت: “لم يمضِ وقت طويل منذ بلغنا التحكم المتقدم، وتريدنا أن نتقدم فورًا؟” أجبتها بنبرة اطمئنان: “لا تقلقي، لا توجد مشكلة حقيقية في هذا. التقدم من متحكم متقدم إلى شامل ليس كالتقدم من متحكم أولي إلى متقدم؛ يمكنك اعتباره تطويرًا لذاتك فقط، دون اختلاف جذري كبير قد يؤثر عليكم سلبًا.” ارتسمت الحيرة والفضول على وجوههم جميعًا، فأكملت شارحًا: “بلوغ مستوى التحكم الأولي يستلزم إنشاء وعاء إرادة، أما المتقدم فعليه إنشاء مسارات داخل جسده، لكن الشامل لا ينشئ شيئًا جديدًا، بل يربط بين الأول والثاني فقط، وبالتالي هو أقرب لتطور طبيعي لحالتكم الراهنة لا أكثر.”
غرقت الغرفة في صمت غريب، وكان كل شخص غارقًا في أفكاره الخاصة، لدرجة أن بعضهم بدا منفصلاً عن الواقع للحظات. أدركت شعورهم جيدًا، فقد كنت محتارًا بالمثل حين كنت متحكمًا متقدمًا، وحين قاتلت متحكمًا شاملاً لأول مرة، لم يكن مختلفًا كثيرًا عني؛ كان قويًا نعم، لكن ليس بحد العجز التام، ولم يكن هناك شيء مميز سوى سرعة ردود أفعاله وسهولة سريان إرادته داخله، أسرع بكثير مني في حينها. لا بد أنهم كانوا يعيدون الآن تشغيل سيناريوهات مختلفة داخل عقولهم، يسقطونها على ما قلته للتو.
رفعت يديّ وصفقت تصفيقة واحدة بلغ صداها حد اهتزاز المبنى بأكمله، فعاد الجميع إلى وعيهم واستماعهم إليّ من جديد. قلت بهدوء: “هذه العملية لا تتطلب مساعدة خارجية، ولا حتى إرشادًا مستمرًا، لذلك سيكون عليكم التكفل بها بأنفسكم. أما حدكم الزمني، فهو شهر واحد فقط، حينها سنغادر لا محالة.” قال إيفان بصوت متردد: “حسنًا، سنبذل جهدنا لبلوغ مستوى التحكم الشامل، وحينها سنهجم على الدوق فيلمونت. لكن علينا أن نقسم قواتنا، وأن نختار قادة لكل فرقة.”
أجاب فولك هذه المرة: “معك حق يا إيفان، الاعتماد على الهجوم العشوائي دون قيادة واضحة سيجعلنا مجرد همج لا أكثر. لكنني تاجر، لست قائدًا عسكريًا، فسأترك موضوع التقسيم لدارون.” ابتسمت وقلت: “سيكون التقسيم إلى خمس فرق، كل فريق يضم عشرة آلاف مقاتل، وعشرة من النخبة، متحكمين أوليين أو متقدمين، وبالطبع القادة الخمسة الذين سأذكر أسماءهم الآن، وعليهم بلوغ التحكم الشامل دون أي تأخير.”
وقفت من مكاني وقلت: “ديانا، ستكونين قائدة الفريق الأول، قادتك العشرة تحت إمرتك، وأتباعك من القراصنة كذلك. ويليام، ستكون قائد الفريق الثاني، لديك خمسة متحكمين في طاقمك، والتوأمان اللذان انضما إلينا بعد سقوط اللحية السوداء سيكونان تحت تصرفك أيضًا، بالإضافة إلى ثلاثة تختارهم بنفسك من أتباع ليليا، فهي تملك ثلاثة عشر متحكمًا. ليليا، ستكونين القائدة الثالثة، والعشرة المتبقون من أتباعك سيكونون تحت إمرتك مباشرة. أردين، ستكون القائد الرابع، لديك أربعة عشر متحكمًا، خذ عشرة منهم، أما الأربعة المتبقون فسينضمون إلى متحكمي أوسترين تحت راية سكارليت، القائدة الخامسة.”
أجاب الخمسة جميعًا بنعم، بصوت هادئ واثق، قبل أن تنجذب عيونهم فجأة نحو إيفان، الذي بدا مذهولاً هو نفسه؛ لم يتم اختياره كأحد القادة، وهو أمر صادم للجميع بلا استثناء. قبل أن يعترض إيفان، سبقه فولك قائلاً: “لحظة يا دارون، لقد أهملت إيفان بشكل واضح في تقسيمك، أنت حرفيًا أبعدت أحد أهم الأشخاص في مجموعتنا بأكملها.”
أجبته بهدوء: “فولك، أقدّر اعتراضك، لكنني لن أسمح لإيفان بأن يكون أحد القادة.” صاح فولك بغضب: “لماذا؟ أتعتبر نفسك مهمًا فقط لكونك الأقوى بيننا؟ بالنسبة لي، إيفان أكثر أهمية منك شخصيًا.” أجبته بهدوء غير مبرر ظاهريًا: “لا يجب على التاجر أن يُظهر مشاعره الشخصية يا فولك. أنا أيضًا أقدّر إيفان تمامًا، لكنه في الخليج الأزرق فقد السيطرة على نفسه وهاجم حلفاءه المقربين، وهذا ليس طابعًا يليق بقائد يُؤتمن على أرواح الآخرين.” تراجع فولك أمام تلك الحجة، بينما ارتجف إيفان بعد تذكيره بتلك الحادثة المؤلمة، وقال بصوت منخفض: “أتقبل الأمر، هذه نتيجة أفعالي، وسأتحمل المسؤولية كاملة.”
نظر الجميع إليّ بنظرات مليئة بالغضب والانزعاج، وقال ويليام: “الحكم على أحدهم بخطأ واحد فقط؟ لم أتوقع منك هذه الشخصية يا دارون.” أجبته: “خطأ القائد ليس كخطأ الجندي العادي، هناك أرواح مؤتمنة عليه بالكامل.” صمت الجميع، غير راضين تمامًا عن قراري، لكنهم مجبرون على تقبله في النهاية.
التفتّ إلى فولك وقلت: “عليك أن تتقبل الأمر يا فولك، نحن لسنا في لعبة، وعليك تقديم الخيار الأمثل دائمًا، حتى لو كان على حساب أصدقائك المقربين. هذا واجبك باعتبارك من سيقود هذه الحملة بأكملها.” اتسعت أعين الجميع فجأة، بمن فيهم فولك نفسه، وقال بدهشة: “ماذا؟ ألست أنت من سيقود الحملة؟” أجبته مباشرة: “القديسة أوغستا متغير لا يمكننا تحمل تدخله في مجريات الأحداث الحالية، وسأواجهها بنفسي وحدي.” أجاب فولك بنبرة خوف واضحة: “ماذا؟ تواجه القديسة أوغستا بمفردك؟ أنت مجنون تمامًا، إنها رمز قصر العدالة، ولها عشرة متجلين تحت إمرتها المباشرة، أنت وحدك لن تتمكن من فعل شيء أمامها.” أجبته بهدوء تام: “بل سأفعل الكثير يا فولك، لا تستهن بي أبدًا…”