الفصل 260 - ثمن الثقة
في تلك الليلة، وبعيدًا عن أعين الجميع، سار المعلم مع ليلى عبر أزقة هادئة قرب حي سكني بسيط، كما اعتادا أن يفعلا في نهاية كل يوم عمل طويل، حديثهما هادئ ومألوف، أشبه بحديث أب وابنته أكثر منه حديث قائد حركة مع أحد أفرادها. كانت ليلى في أشد حالات ارتياحها معه، تضحك بخفة على مزحة قالها، لا تشعر بأي قلق أو حذر، فهي تثق به أكثر من ثقتها بنفسها ربما، بعد عامين كاملين من العمل جنبًا إلى جنب.
توقف المعلم فجأة عند منعطف مظلم هادئ، بعيدًا عن أي أعين أو آذان قد تسمع، والتفت نحوها بابتسامة هادئة لم تتغير قسماتها قط. سألته ليلى بفضول بريء: “لماذا توقفت؟” لم يجب مباشرة، بل مد يده ببطء نحو خصرها وكأنه يحتضنها احتضانًا أبويًا معتادًا، لكن قبل أن تدرك ليلى ما يحدث، انزلقت يده الأخرى بسرعة خاطفة نحو رقبتها، وبحركة واحدة هادئة تمامًا، بلا أي اهتزاز أو تردد، لوى عنقها في لحظة واحدة صامتة.
سقطت ليلى بلا حراك بين ذراعيه، ووجهها لا يزال يحمل ملامح تلك الابتسامة الأخيرة قبل أن تُطفأ حياتها تمامًا. أسندها المعلم برفق إلى الجدار القريب، وكأنه يضع دمية معطلة جانبًا، ثم وقف يراقبها للحظة، دون أي تغيير يُذكر في تعابير وجهه، لا حزن، ولا ندم، ولا حتى ذلك الأسى الذي أظهره سابقًا حين علم بخيانتها لأول مرة أمامنا. مسح يديه بمنديل صغير أخرجه من جيبه بهدوء تام، وكأنه ينظف بقايا غبار عابر لا أكثر، ثم استدار وابتعد عن الجثة دون أن يلتفت خلفه ولو مرة واحدة.
لم أشهد ذلك المشهد بنفسي مباشرة، لكن أياكاشي فعلت، إذ كانت تراقب من بعيد بأمر مسبق من المعلم نفسه، للتأكد من عدم وجود أي شاهد آخر قد يعرّض الحركة للخطر. عادت أياكاشي إلينا في تلك الليلة، ووجهها يحمل جدية ثقيلة غير معتادة منها، وأخبرتنا بما رأته بالتفصيل، بصوت خالٍ من أي انفعال ظاهري، وكأنها تروي حادثة عادية لا أكثر.
شعرت بصدمة حقيقية تسري في جسدي وأنا أستمع إليها، ونظرت إلى رفاقي فوجدت الذهول نفسه مرتسمًا على وجوههم جميعًا. قال كارل أخيرًا بصوت مرتجف: “قتلها؟ بهذه البساطة؟ دون محاكمة، دون حتى مواجهتها بما فعلت؟” أجابت أياكاشي بهدوء مخيف: “المعلم لا يؤمن بالمحاكمات في مواقف كهذه. الخيانة في عمله تعني الموت الفوري، دون استثناءات، مهما كانت العلاقة الشخصية عميقة.” أضافت بنبرة أكثر جدية: “بل أعتقد أن عمق تلك العلاقة تحديدًا هو ما جعله يقتلها بنفسه، بدلاً من تكليف أي شخص آخر بالمهمة. يعتبر ذلك نوعًا من المسؤولية الشخصية التي لا يتهرب منها أبدًا.”
سألت إينا بصوت هادئ لكنه يحمل قلقًا عميقًا: “وكيف تشعرين أنتِ حيال ذلك؟ أنتِ من رأيت المشهد بنفسك.” صمتت أياكاشي للحظة طويلة قبل أن تجيب: “رأيت أشياء أسوأ من هذا في حياتي، في وطني البعيد. لكن أعترف أن برود المعلم في تلك اللحظة أثار قشعريرة حتى بداخلي، وأنا لست من النوع الذي يرتجف بسهولة.” نظرت إليها بتقدير جديد، مدركة أن حتى شخصية بقوة أياكاشي وخبرتها الطويلة، لم تكن محصنة تمامًا من ثقل ما شهدته.
في صباح اليوم التالي، اجتمعنا مع المعلم مرة أخرى، وكانت ملامحه هادئة تمامًا كالمعتاد، وكأن ليلة أمس لم تحدث على الإطلاق. قال بصوت رزين: “تخلصنا من مصدر التسريب المباشر، لكن هذا لا يعني أن الخطر انتهى بالكامل؛ فمن دفع لها مقابل معلوماتها لا يزال طليقًا، وربما يملك مصادر أخرى داخل حركتنا لم نكتشفها بعد.” نظرت إليه بصعوبة، لا أستطيع منع نفسي من رؤية صورة تلك اللحظة الوحشية التي وصفتها أياكاشي كلما نظرت إلى وجهه الهادئ ذاك.
لاحظ المعلم نظرتي، وقال بصوت هادئ موجهًا كلامه إليّ مباشرة: “أعرف أن ما فعلته الليلة الماضية يبدو قاسيًا في نظركم، ربما وحشيًا حتى. لكن في عملنا هذا، الرحمة تجاه الخونة تعني موت العشرات، ربما المئات، من الأبرياء الذين يثقون بنا. تعلمت منذ زمن طويل أن أفصل بين مشاعري الشخصية وبين ما يجب فعله لحماية من تبقى تحت رعايتي.” لم أجب، مدركة أن منطقه، رغم قسوته الظاهرة، يحمل حكمة مريرة اكتسبها عبر سنوات طويلة من قيادة حركة مقاومة في ظل خطر دائم لا يرحم.
خلال الأيام التالية، حاولنا معًا تتبع أي خيط إضافي قد يقودنا إلى هوية الشخص الذي كان يدفع لليلى مقابل معلوماتها، ذلك الرجل الغامض بالعباءة الداكنة. لكن كل محاولاتنا باءت بالفشل؛ فقد اختفى تمامًا من كل الأماكن التي اعتاد الظهور فيها سابقًا، وكأنه شعر بأن هويته قد كُشفت جزئيًا، فقرر الاختباء بعمق أكبر بكثير من أي وقت مضى.
في نهاية ذلك الأسبوع المضطرب، وصلتنا أخبار جديدة عبر شبكة تجار المعلم، لكنها هذه المرة لم تكن عن مجموعة إيفان، بل عن تطورات الحرب الكبرى نفسها، تلك التي اندلعت أصلاً بين تحالف الممالك المتحدة والإمبراطورية على جبهات متعددة. قال المعلم بصوت جاد وهو يقرأ التقرير: “يبدو أن جبهات الشمال والجنوب بدأت تنهار تدريجيًا لصالح مهاجمي الإمبراطورية، بينما لا تزال الجبهة الغربية، التي يشارك فيها تحالف فيرون، تشهد قتالاً ضاريًا متكافئًا نسبيًا.” شعرت بقلق إضافي يتصاعد بداخلي عند ذكر اسم فيرون، موطننا الذي تركناه خلفنا قبل أشهر طويلة.
أضاف المعلم بنبرة أكثر ثقلاً: “الأخطر من ذلك، أن هناك شائعات متزايدة عن ظهور جديد لذلك المجرم الغامض، سيد الرماد، في منطقة قريبة من إحدى جبهات القتال الشرقية. لم يُؤكد الخبر بعد، لكن إن كان صحيحًا، فقد يعني ذلك أن هذه الحرب أصبحت أكثر تعقيدًا وخطورة بكثير مما تخيله أي طرف من الأطراف المتحاربة.” شعرت بقشعريرة تسري في جسدي عند سماع ذلك الاسم مجددًا، متذكرة الرعب الصريح الذي سمعته في أصوات الجنديين حين ذكراه لأول مرة في تلك الحانة بأشفورد.
نظر إليّ ستارك بقلق مماثل وقال: “إن كان سيد الرماد يتحرك فعلاً بالقرب من جبهات القتال، فهذا يعني أن الوضع بأكمله قد ينفجر بطريقة لا يمكن لأحد التنبؤ بها.” أومأ المعلم موافقًا وأضاف: “بالضبط، وهذا يجعل مهمتنا هنا أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى؛ فكلما طال الوقت، كلما ازدادت احتمالية أن تتشابك خيوط هذه الحرب بطرق لا يمكن السيطرة عليها لاحقًا.”
في تلك الليلة، جلسنا جميعًا، فريقنا الخمسة، في غرفة هادئة بالنزل، نراجع كل ما حدث خلال الأشهر الماضية منذ مغادرتنا فيرون. قال جين بصوت متأمل: “بدأنا هذه الرحلة بمهمة واحدة واضحة، إنقاذ أميرة محتجزة. والآن، نجد أنفسنا متورطين في شبكة معقدة من التحالفات، الخيانات، وحرب تتصاعد على جبهات متعددة، ناهيك عن ذلك الخيط الشخصي الذي يربطني… يربطنا جميعًا بشخص قد يكون لا يزال حيًا في مكان ما بعيد.” نظر إليّ وهو يقول ذلك، فابتسمت ابتسامة متعبة لكنها صادقة.
قالت نور بهدوء: “ربما هذا ما تعنيه الحياة الحقيقية؛ لا شيء يبقى بسيطًا كما بدا في البداية.” أومأ كارل موافقًا، وأضاف بمحاولة أخيرة لإدخال بعض الخفة على تلك الأجواء الثقيلة: “على الأقل لدينا حلفاء أقوياء الآن، ساموراي سكرانة مرعبة، ومعلم عجوز يقتل بهدوء يجعل حتى أشد الرجال قسوة يرتجفون.” ابتسم الجميع رغمًا عنهم بتلك الملاحظة، مدركين حاجتهم لتلك اللحظات القليلة من الخفة وسط كل هذا الثقل المتراكم.
أنهيت تلك الليلة بجلوسي وحدي عند نافذة غرفتي، أتأمل أضواء مدينة البخار المتناثرة، وأفكر في المسافة الطويلة التي قطعناها منذ مغادرة فيرون، وفي المسافة الأطول التي لا تزال تنتظرنا. فكرت في المعلم وقسوته الهادئة، في أياكاشي وأسرارها المحفوظة بعناية، في مجموعة إيفان القادمة من بعيد تحمل معها احتمال لقاء حقيقي أخيرًا مع خيوط ماضي دارون، وفي ذلك الرجل الغامض الذي لا يزال يتربص في الظلال دون أن نعرف هويته الحقيقية بعد.
أخرجت قطعة القماش المحترقة من جيبي، وأمسكتها بين يدي بإحكام كعادتي دائمًا في لحظات التأمل الهادئة، وهمست لنفسي: “اقتربنا كثيرًا، لكن الطريق أمامنا لا يزال طويلاً بشكل لم أتخيله يومًا حين بدأنا هذه الرحلة.” نظرت إلى السماء الملبدة بدخان المصانع البعيدة، وشعرت بيقين هادئ يستقر في أعماقي؛ أن ما عشناه حتى الآن، رغم كل صعوباته وتعقيداته، لم يكن سوى مقدمة لما هو آتٍ لاحقًا، حين تتقاطع أخيرًا كل تلك الخيوط المتناثرة؛ مجموعة إيفان، سيد الرماد، الحرب المتصاعدة على كل الجبهات، ومصير الإمبراطورية بأكملها الذي بدأ يتأرجح على حافة هاوية لم يدركها أحد بعد حجمها الحقيقي.
كانت تلك آخر ليلة هادئة نسبيًا قضيناها في مدينة البخار، قبل أن تبدأ فصول جديدة من هذه الرحلة، فصول لن تكون فيها الأمور بهذا الهدوء الحذر الذي عشناه طوال الأشهر الماضية، بل ستحمل معها أحداثًا ستهز الإمبراطورية بأكملها من جذورها، وستضعنا جميعًا أمام اختبارات لم نكن نتخيل يومًا أننا سنواجهها حين انطلقنا من فيرون بمهمة بسيطة، لإنقاذ أميرة واحدة فقط.
____________________
نهاية المجلد الخامس-إيفان-