الفصل 254 - ظلال المقاومة
استمرت المراقبة البطيئة لأسبوع آخر كامل، خلاله لم نتخذ أي خطوة حاسمة تجاه القصر، بل اكتفينا بمزيد من الملاحظة والتحليل الصبور. بدأت تلك المجموعة الشبابية التي لاحظتها سابقًا تظهر مرة أخرى في أماكن مختلفة من المدينة، وكأنها تتنقل بين نقاط لقاء متعددة تجنبًا لأي رقابة محتملة. قررت متابعتها بحذر أكبر هذه المرة، مستخدمة سرعتي بأقل درجة ممكنة، فقط لتتبع مسارها دون أن ألفت أي انتباه.
في إحدى الليالي، تبعت مجموعة صغيرة منهم إلى مبنى مهجور في أطراف الحي العمالي، مصنع قديم توقف عن العمل منذ سنوات على ما يبدو. اختبأت خارج المبنى، أراقب من نافذة متصدعة، فرأيت بالداخل عددًا أكبر بكثير مما توقعت، ربما ثلاثون شخصًا أو أكثر، يجلسون في دائرة حول رجل يبدو أكبرهم سنًا، يتحدث بصوت هادئ لكنه يحمل ثقلاً واضحًا.
سمعت جزءًا من كلماته: “…لن نستطيع مواجهة الدوق بالقوة المباشرة، لدينا القليل جدًا من الموارد، لكن يمكننا أن نكون عيونًا وآذانًا لكل من يقاومه من الداخل والخارج معًا.” أثار ذلك الحديث فضولي بشدة، لكنني قررت الانسحاب بهدوء قبل أن يلاحظني أحد، حاملة معي معلومة قد تكون قيّمة جدًا لخطتنا المستقبلية.
عدت إلى النزل وشاركت رفاقي ما رأيته وسمعته. قال ستارك بجدية واضحة: “هذا يغير الأمور قليلاً؛ إن كانت هناك مقاومة منظمة فعلاً داخل المدينة، فقد يكون التواصل معها مفيدًا جدًا لنا، خاصة إن كانت تملك معلومات داخلية عن القصر لا نستطيع الوصول إليها بأنفسنا.” لكن إينا حذرت بحكمتها المعتادة: “علينا أيضًا أن نكون حذرين للغاية؛ فقد تكون هذه المجموعة مخترقة من الداخل، أو قد يشك أفرادها بنا كغرباء جدد ظهروا فجأة في وقت حساس كهذا.”
ناقشنا الأمر لساعات طويلة، ندرس إيجابيات وسلبيات محاولة التواصل مع تلك المجموعة الغامضة. اقترح جين حلاً وسطًا: “بدلاً من الاقتراب منهم مباشرة، لماذا لا نستمر في مراقبتهم من بعيد لفترة إضافية، نتعرف على قادتهم الحقيقيين، ونتأكد من مصداقية نواياهم، قبل أن نخاطر بكشف أنفسنا أمامهم؟” وافق الجميع على تلك الفكرة الحذرة، وقررنا تخصيص المزيد من الوقت لمراقبة تلك المجموعة تحديدًا، إلى جانب استمرار مراقبتنا العامة للقصر.
مرت الأسابيع التالية بإيقاع مماثل من الصبر المتواصل؛ مراقبة، تحليل، انتظار، ثم مزيد من المراقبة. تعرفنا تدريجيًا على بعض الوجوه المتكررة داخل تلك المجموعة، ولاحظنا أنها تضم أشخاصًا من خلفيات متنوعة، عمالاً بسطاء، وبعض التجار الصغار، وحتى ما بدا أنه جندي سابق فقد ثقته بالنظام الحاكم لسبب ما. بدا الرجل الأكبر سنًا الذي رأيته يتحدث في المصنع المهجور قائدًا غير رسمي لتلك الحركة، يُنادونه باسم مستعار فقط، “المعلم”.
في أحد الأيام، وأثناء تجولي المعتاد في السوق، لاحظت شخصًا يراقبني بدوره، ليس ذلك الرجل الغامض بالعباءة الداكنة الذي أثار قلقنا سابقًا، بل امرأة شابة، تبدو من أفراد تلك المجموعة نفسها. حين التقت عيناها بعيني، لم تتراجع أو تُشح بنظرها كما توقعت، بل ابتسمت ابتسامة خفيفة غامضة قبل أن تختفي بين الزحام. شعرت بتوتر مختلط بالفضول، وأخبرت رفاقي بالأمر فور عودتي.
قال ستارك بقلق: “هل تعتقدين أنهم لاحظوا مراقبتنا لهم طوال هذا الوقت؟” أجبته بصدق: “لا أعرف بالتأكيد، لكن تلك الابتسامة لم تحمل عداءً واضحًا، بل بدت أقرب لدعوة صامتة.” اقترحت إينا: “ربما حان الوقت لمحاولة تواصل أكثر مباشرة، بحذر شديد بالطبع.” تردد الجميع قليلاً، لكننا اتفقنا أخيرًا على أنني سأحاول، بمفردي في البداية، الاقتراب من تلك المرأة إن ظهرت مرة أخرى، لتقييم نواياها الحقيقية عن قرب.
مرت أيام إضافية قبل أن أراها مجددًا، هذه المرة في زقاق هادئ بعيد عن الزحام الرئيسي للسوق. اقتربت مني مباشرة هذه المرة دون أي تردد وقالت بصوت هادئ: “لاحظناك تراقبيننا منذ أسابيع، أنتِ وأصدقاؤك. إما أنكم من عملاء الدوق الجدد، أو لديكم سبب آخر تمامًا لهذا الاهتمام الحذر.” شعرت بقلبي يخفق بسرعة، لكنني حافظت على هدوئي الظاهري وقلت: “لسنا من عملاء الدوق بالتأكيد، بل العكس تمامًا.” ابتسمت المرأة وقالت: “هذا ما ظننته أيضًا، وإلا لكنتم قد اعتقلتمونا منذ زمن طويل. المعلم يريد التحدث معكم، إن كنتم مستعدين لتقديم أنفسكم بصراحة أكبر.”
عدت إلى رفاقي بتلك الدعوة المفاجئة، فساد نقاش حذر حول ما إذا كان قبولها خطوة حكيمة أم مخاطرة غير محسوبة. قال ستارك أخيرًا بعد تفكير طويل: “لقد وصلنا إلى نقطة يبدو أننا بحاجة فيها لحلفاء محليين حقيقيين، إن أردنا تحقيق أي تقدم فعلي في مهمتنا. سنذهب، لكن بحذر شديد، وبدون الكشف عن كل تفاصيلنا دفعة واحدة.” وافق الجميع على المخاطرة المحسوبة، واتفقنا على موعد للقاء ذلك “المعلم” الغامض في الليلة التالية، داخل المصنع المهجور نفسه الذي راقبته منذ أسابيع.
في تلك الليلة، وبينما كنا نستعد للقاء المرتقب، شعرت بمزيج من الترقب والقلق يتصاعد بداخلي؛ فبعد كل هذا الوقت من الحذر الشديد والمراقبة الصامتة، كنا أخيرًا على وشك اتخاذ خطوة فعلية أولى قد تغير مسار مهمتنا بأكملها، نحو الأفضل أو نحو خطر لم نتوقعه بعد.