الفصل 253 - مدينة البخار
بعد أيام إضافية من السفر الحذر، بدأت ملامح مدينة البخار أخيرًا تلوح في الأفق، مدينة ضخمة يعلوها دخان رمادي متصاعد باستمرار من عشرات المداخن المنتشرة بين أبنيتها، كأنها كائن حي يتنفس بلا توقف. سارت القافلة نحوها ببطء، بينما راقبت أنا وبقية رفاقي ذلك المشهد المهيب بصمت مختلط بين الترقب والقلق.
قال ستارك بصوت منخفض وهو يراقب المدينة تقترب أكثر فأكثر: “أخيرًا وصلنا، لكن وصولنا لا يعني أننا اقتربنا من نهاية هذه المهمة، بل ربما مجرد بدايتها الحقيقية.” أومأت نور موافقة وقالت: “سنحتاج لإيجاد مكان إقامة آمن أولاً، بعيدًا عن أي رقابة مباشرة، قبل أن نبدأ حتى في التفكير بأي خطوة أخرى.”
ودّعنا السيد هارلو عند بوابة المدينة الرئيسية، وشكرنا مجددًا على خدماتنا خلال الرحلة. قال قبل أن يفترق طريقنا عنه: “إن احتجتم أي مساعدة أثناء إقامتكم هنا، يمكنكم دائمًا سؤال أي تاجر عني، اسمي معروف نسبيًا في أوساط السوق المحلي.” شكرته بصدق، وقلت: “سأتذكر عرضك بخصوص معارفك التجاريين.” ابتسم وأومأ برأسه قبل أن يبتعد مع قافلته.
دخلنا المدينة منفصلين كالمعتاد، وتجولنا بحذر عبر أحيائها المختلفة. كانت مدينة البخار أكبر وأكثر تعقيدًا بكثير مما توقعنا؛ شوارعها مرصوفة بحجارة داكنة، ومصانع ضخمة تعمل بلا توقف على أطرافها، وآلات بخارية غريبة تجرّ عربات كبيرة عبر قضبان حديدية ممتدة وسط المدينة. لاحظت أيضًا الفارق الطبقي الصارخ؛ أحياء فاخرة قريبة من مركز المدينة حيث يقع قصر الدوق، مقابل أحياء عمالية مزدحمة ومتهالكة تحيط بالمصانع في الأطراف البعيدة. استغرق تجوالنا الأولي وحده يومًا كاملاً، دون أن نتخذ أي قرار نهائي بشأن مكان إقامتنا.
اخترنا في النهاية نزلاً متواضعًا في حي عمالي هادئ نسبيًا، بعد أن رفضنا ثلاثة أماكن أخرى بدت أكثر عرضة للمراقبة أو أقرب مما ينبغي لمراكز الحركة الإدارية. في تلك الليلة الأولى، اجتمعنا جميعًا في غرفة واحدة، متعبين من يوم طويل من التجوال، لكننا اتفقنا على ألا نتسرع بأي خطة عمل قبل أن نفهم طبيعة هذه المدينة الغريبة عنا تمامًا بشكل أعمق بكثير مما فهمناه حتى الآن.
قال ستارك: “لن نتحرك بأي شكل جدي تجاه القصر خلال الأسبوع الأول على الأقل. سنقضي هذا الوقت في مراقبة عامة، فهم إيقاع حياة المدينة، ومعرفة أي جماعات أو شخصيات قد تكون مفيدة لنا لاحقًا.” بدا الاقتراح بطيئًا لبعض الرفاق، فسأل كارل بشيء من عدم الصبر: “أسبوع كامل فقط للمراقبة العامة؟ ألا يبدو هذا مبالغًا فيه بعد كل الطريق الذي قطعناه؟” أجابته إينا بهدوء: “التسرع هنا تحديدًا قد يكلفنا كل شيء. نحن في عاصمة أحد أخطر رجال الإمبراطورية، وأي خطوة خاطئة واحدة قد تنهي مهمتنا بأكملها قبل أن تبدأ فعليًا.”
وافق الجميع على مضض، وبدأنا فعليًا مرحلة طويلة من المراقبة البطيئة والمتأنية. في الأيام الأولى، لم نقترب حتى من محيط القصر مباشرة، بل اكتفينا بدراسة المدينة نفسها؛ أنماط حركة الجنود في الشوارع، مواقع مراكز الشرطة المحلية، الأسواق الرئيسية، وحتى طبيعة العلاقة بين سكان الأحياء الفقيرة والسلطة الحاكمة. لاحظت خلال تجوالي أن هناك استياءً خفيًا واضحًا بين العمال، لا يجرؤ أحد على التعبير عنه صراحة، لكنه يظهر في نظرات وتلميحات عابرة كلما ذُكر اسم الدوق فيلمونت أو سياساته الضريبية الأخيرة.
في اليوم الخامس، بينما كنت أتجول في سوق شعبي مزدحم، لاحظت مجموعة صغيرة من الشباب يتجمعون في زاوية هادئة، يتحدثون بصوت منخفض ويتوقفون فجأة كلما اقترب منهم أي غريب. أثار ذلك فضولي، فاقتربت ببطء متظاهرة بفحص بعض البضائع المعروضة قريبًا منهم، وتمكنت من التقاط بعض كلماتهم المتناثرة؛ حديث غامض عن “الحركة”، وعن اجتماع قادم، دون أن أفهم تفاصيل كافية لتكوين صورة واضحة.
عدت إلى النزل مساء ذلك اليوم وشاركت رفاقي ما لاحظته. قال جين بتفكير: “قد تكون مجرد مجموعة شبابية عادية تتذمر من الأوضاع، كما يحدث في أي مدينة تعاني من ضرائب مرتفعة وحرب مستمرة.” لكن إينا بدت أكثر اهتمامًا وقالت: “أو قد تكون بداية شيء أكبر، مقاومة محلية منظمة ضد حكم الدوق. إن كان الأمر كذلك، فقد يكونون حلفاء محتملين مفيدين لنا لاحقًا.” اقترح ستارك الحذر: “لنراقبهم لبضعة أيام إضافية دون أي تدخل مباشر، قبل أن نفكر حتى في محاولة الاقتراب منهم.”
مرت الأيام التالية ببطء ملحوظ، كل واحد منا يواصل مهمته المحددة من المراقبة العامة، دون أي تقدم كبير يستحق الذكر. حاولت أنا الاستمرار في محاولاتي الحذرة للاستفسار عن أي معلومات إضافية تتعلق بما سمعناه في أشفورد عن دارون، لكن مدينة البخار، رغم حجمها الهائل، بدت بعيدة جدًا عن أي أخبار قادمة من الجنوب البعيد حيث وقعت تلك الأحداث؛ فكل حديث هنا كان يتمحور حول الحرب المندلعة في الشرق والشمال، لا حول شؤون قراصنة بعيدة لا تعني أهل هذه المدينة في شيء.
في نهاية الأسبوع الأول، اجتمعنا مجددًا لمراجعة ما توصلنا إليه. كانت الحصيلة متواضعة نسبيًا؛ فهم عام لتنظيم المدينة، إشارة غامضة لمجموعة شبابية قد تكون مقاومة محلية، وتأكيد إضافي على أن الجناح الشرقي للقصر يبقى الأكثر تحصينًا بلا منازع. قال ستارك بصوت جاد: “هذا ليس كافيًا بعد لوضع أي خطة حقيقية للتسلل. سنحتاج أسبوعًا إضافيًا على الأقل، ربما أكثر، قبل أن نقترب حتى من التفكير بخطوة فعلية تجاه القصر نفسه.”
تنهد كارل بصوت مسموع وقال: “أشعر أننا نراقب أكثر مما نتحرك فعليًا.” أجابته نور بابتسامة متعبة: “ربما، لكن أليس هذا بالضبط ما تعلمناه من أورين؟ الصبر هو ما يبقينا أحياء في مكان كهذا.” أومأ الجميع بصمت، مدركين صحة ذلك الدرس القديم، حتى لو كان يتطلب منا مزيدًا من التحمل والانتظار قبل أن نصل إلى أي نتيجة ملموسة تجاه هدفنا النهائي.
في تلك الليلة، جلست وحدي عند نافذة غرفتي، أراقب أضواء مدينة البخار المتناثرة، وأشعلة المصانع البعيدة التي لا تهدأ حتى في ساعات الليل المتأخرة. فكرت في المسافة الطويلة التي قطعناها، وفي المسافة الأطول التي لا تزال أمامنا، سواء نحو إنقاذ الأميرة سيفيا، أو نحو ذلك الخيط الرفيع من الأمل الذي يحمل اسم دارون. شعرت أن هذه المدينة، بضخامتها وتعقيدها، ستحتاج منا وقتًا طويلاً قبل أن تكشف لنا أسرارها الحقيقية.