الفصل 252 - هجوم على الطريق
مرت الأيام الثلاثة التالية من رحلة القافلة بهدوء نسبي، نتقدم ببطء عبر طرق ترابية متعرجة، تحيط بها حقول مهجورة من الجانبين، شاهدة على آثار الحرب التي طالت حتى أبسط تفاصيل الحياة اليومية في هذه المناطق. حافظت أنا وبقية رفاقي على أدوارنا كحراس عاديين بعناية فائقة، نراقب محيط القافلة بيقظة دون أن نظهر أي مهارة تتجاوز حدود البشر العاديين.
في مساء اليوم الرابع، وبينما كانت القافلة تعبر منطقة ضيقة محاطة بتلال صخرية من الجانبين، شعرت فجأة بتوتر غريب يسري في الهواء، شيء لم أستطع تحديده بوضوح، لكنه جعلني أشد قبضتي على مقبض سيفي دون وعي كامل مني. اقترب مني جين وهمس: “هل تشعرين بذلك أيضًا؟” أومأت برأسي بصمت، وتبادلنا نظرة سريعة مع باقي رفاقنا، الذين بدا عليهم التوتر نفسه.
لم يمضِ وقت طويل حتى انطلق صوت صافرة حادة من أعلى إحدى التلال، تبعها فورًا وابل من السهام ينهال على القافلة من عدة اتجاهات في آنٍ واحد. صرخ أحد الحراس: “هجوم! قطاع طرق!” واندفع عشرات الرجال المسلحين من خلف الصخور المحيطة، يرتدون ملابس رثة لكنهم يحملون أسلحة حادة وحركات قتالية منظمة نسبيًا، أكثر تنظيمًا من قطاع الطرق العاديين الذين توقعناهم.
اندفع السيد هارلو مذعورًا نحو مركز القافلة، محاولًا حماية عرباته الثمينة، بينما تحرك بقية الحراس لصد الهجوم بأفضل ما يستطيعون. تحركت أنا بسرعة محسوبة، أحاول الموازنة بين إظهار مهارة كافية لصد الهجوم الحقيقي وبين تجنب الكشف عن سرعتي الحقيقية المذهلة. اشتبكت مع أول مهاجم اقترب مني، وتمكنت من إسقاطه بضربتين محكومتين دون اللجوء لقدرتي الخاصة على الإطلاق.
بالقرب مني، واجه كارل مجموعة من ثلاثة مهاجمين في آنٍ واحد، واستخدم سيفه العادي بمهارة تقنية بحتة، متجنبًا بعناية استخدام قدرته الارتجاجية المدمرة التي كانت لتفضحنا فورًا أمام الجميع. تعامل جين بدوره مع هجوم مباشر بدرعه المعتاد، لكنه امتنع عمدًا عن استخدام قدرة الصد الارتدادي، مكتفيًا بالدفاع التقليدي فقط رغم صعوبة ذلك عليه بعد أن اعتاد الاعتماد على قوته الحقيقية.
من موقع مرتفع قليلاً، أطلقت نور سهامها بدقة محسوبة، تصيب أهدافها لكن دون الاستعانة بكشافاتها غير المرئية التي كانت لتمنحها دقة خارقة تفوق حدود البشر العاديين بوضوح مبالغ فيه. أما ستارك، فحارب بمهارته الجسدية الأساسية فقط، متجنبًا كليًا استخدام كلماته المتجلية القوية، مكتفيًا بحضوره القيادي الطبيعي لتنظيم صفوف الحراس المرتبكين من حوله.
استمرت المعركة لدقائق طويلة نسبيًا، أطول مما توقعناه من مجموعة قطاع طرق عاديين، ما أثار شكوكنا الجماعية حول طبيعتهم الحقيقية. حين بدأ عدد المهاجمين يتناقص أخيرًا تحت ضغط دفاعنا المنظم، تراجع من تبقى منهم فجأة، وانسحبوا بسرعة غريبة نحو التلال من جديد، تاركين خلفهم عددًا من الجرحى والقتلى، لكن دون أن يحاولوا الاستيلاء على أي من عربات القافلة الثمينة كما توقعنا في البداية.
بعد أن هدأت المعركة تمامًا، جلس السيد هارلو يلتقط أنفاسه بارتياح واضح، وقال بصوت مرتجف قليلاً: “شكرًا لكم جميعًا، أنقذتم القافلة بأكملها اليوم.” نظر إليه ستارك بجدية وسأل: “هل هذا النوع من الهجمات معتاد على هذا الطريق تحديدًا؟” فكر السيد هارلو قليلاً قبل أن يجيب: “رأيت هجمات قطاع طرق من قبل، لكن ليس بهذا التنظيم الغريب. وكأنهم لم يكونوا يريدون سلب بضائعنا فعليًا، بل شيئًا آخر تمامًا.”
تبادلنا نظرات قلقة فيما بيننا، فسألت إينا أحد الجرحى من المهاجمين الذي تم أسره حيًا: “لمن تعملون؟ ما هدفكم الحقيقي من هذا الهجوم؟” حاول الرجل الجريح التمالك، لكن الألم بدا واضحًا على وجهه وهو يقول بصوت متقطع: “لا أعرف شيئًا، أُمرنا فقط بمهاجمة أي قافلة تحمل حراسًا جددًا انضموا هذا الأسبوع تحديدًا، ولم يُخبرنا أحد بالسبب الحقيقي وراء ذلك.” اتسعت أعيننا جميعًا عند سماع تلك المعلومة المقلقة؛ كان الهجوم موجهًا نحونا تحديدًا، لا نحو القافلة بشكل عشوائي كما ظننا في البداية.
سأله ستارك بصوت حاد: “من أعطاكم هذا الأمر؟” هز الرجل رأسه بضعف وقال: “رجل غريب، لا أعرف اسمه، يرتدي عباءة داكنة دائمًا، دفع لنا مبلغًا كبيرًا مقابل تنفيذ هذه المهمة المحددة.” شعرت بقشعريرة تسري في جسدي فورًا؛ عباءة داكنة، تمامًا كالرجل الغامض الذي راقبنا عند مكتب التوظيف في أشفورد. تبادلت نظرة سريعة مع إينا، التي بدا عليها القلق نفسه.
بعد أن هدأت الأمور تمامًا، وعالجت إينا جراح الحراس المصابين بمهارتها المعتادة، جلسنا جميعًا في اجتماع سريع بعيدًا عن أعين الآخرين. قال ستارك بجدية: “هذا يؤكد شكوكنا؛ ذلك الرجل الغامض لم يكن مجرد فضول عابر، بل يراقبنا فعليًا منذ أشفورد، وربما قبل ذلك حتى.” أضافت نور بقلق: “لكن لماذا يستهدفنا تحديدًا؟ نحن مجرد حراس مرتزقة جدد بالنسبة لأي مراقب عادي.” فكر جين قليلاً قبل أن يقول: “إلا إذا كان يعرف حقيقتنا فعلاً، أو على الأقل يشك بها بقوة كافية لدفعه لهذا النوع من الاختبار الخطير.”
شعرت بثقل تلك الفكرة يستقر في صدري؛ إن كان أحدهم يراقبنا بهذا القدر من الدقة، فقد يكون كشف أمرنا أقرب مما توقعنا. قال كارل بمحاولة تخفيف حدة القلق: “ربما فقط أراد التأكد من كفاءتنا القتالية الحقيقية، دون أن يعرف تفاصيل أكثر عمقًا عن قدراتنا الخاصة.” لم يقتنع أحد تمامًا بتلك الفرضية المطمئنة، لكننا اتفقنا على مضاعفة حذرنا خلال بقية الرحلة، ومراقبة أي إشارة أخرى قد تدل على عودة ذلك الرجل الغامض للظهور مجددًا.
في تلك الليلة، وبينما استعد الجميع للنوم بعد يوم مرهق، جلست وحدي عند طرف المخيم، أراقب النجوم وأفكر في كل التطورات الأخيرة؛ خبر دارون المفاجئ، وهذا الرجل الغامض الذي يبدو مهتمًا بنا لأسباب لا نفهمها بعد. شعرت أن الطريق أمامنا نحو مدينة البخار أصبح أكثر تعقيدًا وخطورة مما توقعناه، وكأن خيوطًا متعددة بدأت تتشابك حول رحلتنا هذه دون أن نفهم الصورة الكاملة لها بعد.
انضم إليّ ستارك بعد قليل، وجلس بصمت بجانبي لبعض الوقت قبل أن يقول: “أعرف أن هذا اليوم أضاف قلقًا جديدًا فوق كل ما كنا نحمله بالفعل، لكن تذكري أننا تجاوزنا تحديات أكبر من هذا من قبل.” نظرت إليه وابتسمت ابتسامة متعبة وقلت: “أعرف ذلك، لكن لأول مرة منذ فترة طويلة، أشعر أن هناك من يراقبنا بوعي حقيقي، لا مجرد صدفة عابرة.” أومأ ستارك موافقًا وقال بجدية: “لهذا السبب بالتحديد، علينا أن نكون أكثر يقظة من أي وقت مضى بداية من الغد.”