الفصل 250 - مدينة أشفورد
توقفت العربة أخيرًا عند مشارف مدينة صغيرة تُدعى أشفورد، أول مستوطنة حقيقية داخل أراضي الإمبراطورية نصادفها منذ عبورنا الجبهة. نزلنا منها بهدوء تام قبل أن يصل السائق إلى نقطة التفتيش الداخلية للمدينة، وابتعدنا عن الطريق الرئيسي نحو غابة صغيرة مجاورة، حيث توقفنا أخيرًا لنستعيد أنفاسنا ونقيّم وضعنا الحقيقي.
قال ستارك وهو ينفض الغبار عن ملابسه: “نجحنا في أصعب جزء من هذه الرحلة، لكن هذا لا يعني أن ما تبقى سيكون سهلاً. من الآن فصاعدًا، نحن داخل قلب أراضي العدو، ولا مجال لأي خطأ.” أومأت نور موافقة وقالت: “بحسب خريطة أورين، لا تزال أمامنا مسافة تقارب أسبوعين إضافيين حتى نصل إلى مدينة البخار.” تنهد كارل بصوت مسموع وقال: “أسبوعان آخران، وكأن الأسابيع الماضية لم تكن كافية بالفعل.”
قررنا دخول أشفورد بحذر شديد، بهدف تجديد مؤننا المتضائلة وجمع أي معلومات مفيدة عن الوضع الحالي داخل الإمبراطورية، خاصة فيما يتعلق بالدوق فيلمونت والأميرة سيفيا. اتفقنا على الدخول بشكل منفصل، كل واحد منا يتظاهر بأنه مسافر عادي لا علاقة له بالآخرين، على أن نجتمع لاحقًا في نقطة محددة عند أطراف المدينة قبل حلول الظلام.
دخلت أنا أولاً، بعد أن أخفيت سيفيّ بعناية تحت عباءة سفر بسيطة اشتريتها من أحد الباعة المتجولين الذين صادفناهم في الطريق. كانت أشفورد مدينة متوسطة الحجم، أسواقها نشطة نسبيًا رغم أجواء الحرب المسيطرة على المنطقة بأكملها. لاحظت على الفور فارقًا واضحًا في أسعار السلع الأساسية، أعلى بكثير مما اعتدت عليه في فيرون، ووجوه الناس تحمل قلقًا خفيًا لم يستطيعوا إخفاءه بالكامل رغم محاولاتهم الظاهرة للاستمرار في حياتهم اليومية.
توجهت إلى سوق مزدحم نسبيًا، وتظاهرت بالاهتمام ببعض البضائع المعروضة، بينما كنت في الحقيقة أصغي بعناية لأحاديث المارة من حولي. سمعت امرأتين تتحدثان بصوت منخفض بالقرب مني، إحداهما تقول: “سمعت أن الدوق فيلمونت زاد من الضرائب مرة أخرى هذا الشهر، بحجة تمويل الجبهات الخمس.” أجابتها الأخرى بقلق: “وماذا عن ابني؟ استُدعي للخدمة العسكرية الأسبوع الماضي، ولا أعرف متى سأراه مرة أخرى.” شعرت بثقل حقيقي في صدري وأنا أستمع إليهما، مدركة أن الحرب التي اشتعلت من بعيد كانت تحصد أرواحًا وأحلامًا حقيقية هنا أيضًا، على الجانب الآخر من الصراع تمامًا.
واصلت التجول بحذر، حتى وصلت إلى حانة صغيرة عند طرف السوق، بدت مكانًا مناسبًا لجمع معلومات إضافية. دخلت وجلست في زاوية هادئة، وطلبت كوبًا من الشراب المحلي دون أن ألفت انتباهًا زائدًا. بعد فترة قصيرة، انضم إلى الطاولة المجاورة رجلان يرتديان زي جنود إمبراطوريين، يتحدثان بصوت أعلى قليلاً بعد أن أفرط أحدهما في الشراب.
قال أحدهما بصوت متعالٍ بعض الشيء: “سمعت أن الدوق فيلمونت غاضب جدًا هذه الأيام، يبدو أن هناك من تجرأ على مضايقة أعماله في الجنوب، مجموعة من المرتزقة استولوا على أسطول قراصنة بأكمله كان يعمل لصالحه سرًا.” أجابه الآخر بدهشة: “حقًا؟ من يجرؤ على فعل ذلك؟” هز الأول كتفيه وقال: “لا أحد يعرف بالتحديد، لكن يُقال إن الدوق ضاعف حراسته الشخصية في مدينة البخار مؤخرًا، خوفًا من أي محاولة انتقام محتملة.”
شعرت بفضول حقيقي عند سماع ذلك، إذ بدت القصة أقرب لحكاية بطولية غامضة أكثر منها خبرًا عاديًا، لكنني تمالكت نفسي وواصلت الإصغاء بصمت. أضاف الجندي الثاني بصوت أخفض: “وماذا عن الأميرة الأسيرة؟ ألا يزال الدوق يحتفظ بها؟” أجابه الأول بحذر أكبر: “هذا موضوع حساس، لا أنصحك بالحديث عنه بصوت مرتفع هنا. كل ما أعرفه أنها محتجزة في الجناح الشرقي من قصره، تحت حراسة مشددة للغاية.”
صمت الرجلان قليلاً، ثم أضاف الأول بصوت أخفض حتى من ذلك: “وسمعت أيضًا أن الإمبراطورية بأكملها لا تزال تبحث عن ذلك المجرم، سيد الرماد كما يسمونه، منذ حادثة المدينة التي أُبيدت بالكامل قبل أشهر. لم يُعثر على أي أثر له حتى الآن، وكأنه يتلاشى في الهواء بمجرد أن يرتكب فعلته.” أجابه الثاني برعب واضح: “لا تذكر ذلك الاسم بصوت مرتفع، حتى الحديث عنه يجلب سوء الحظ. يقولون إن الإمبراطور نفسه أصدر أمرًا بمكافأة ضخمة لمن يدلي بأي معلومة عن مكانه، لكن لا أحد يجرؤ على البحث عنه أصلاً.” شعرت بقشعريرة تسري في جسدي عند سماع ذلك الاسم يُذكر بهذا الرعب الصريح؛ سيد الرماد، ذلك الاسم الذي سمعناه من قبل مرتبطًا بمأساة حقيقية.
غادرت الحانة بعد فترة قصيرة، حاملة معي معلومات ثمينة رغم قلتها. اتجهت نحو نقطة اللقاء المتفق عليها عند أطراف المدينة، حيث وجدت البقية قد سبقوني إلى هناك بالفعل. شاركتهم ما سمعته، فقال ستارك بجدية: “الجناح الشرقي إذن، هذه معلومة مفيدة جدًا لخطتنا المستقبلية.” أضافت إينا: “ومطاردة ذلك المجرم الغامض تؤكد أن الإمبراطورية تواجه تهديدات من كل اتجاه هذه الأيام، ما قد يصب في صالحنا إن أبقى انتباههم مشتتًا عن أي تسلل صغير مثلنا.”
شارك جين بدوره ما اكتشفه خلال تجواله: “لاحظت أن هناك مكتب توظيف للمرتزقة في وسط المدينة، يبحثون عن حراس إضافيين لقوافل تجارية متجهة نحو مدينة البخار مباشرة، بسبب زيادة أعمال السلب على الطرق مؤخرًا نتيجة الفوضى الناتجة عن الحرب.” تبادلنا النظرات بسرعة، فأدرك الجميع الفرصة المحتملة في تلك المعلومة. قال كارل بحماس: “هذا قد يكون طريقنا الآمن نحو مدينة البخار! لو انضممنا كحراس مرتزقة، سنسافر بشكل شرعي تمامًا دون الحاجة للتسلل المستمر.”
فكر ستارك في الاقتراح بجدية، ثم قال: “الفكرة جيدة، لكنها تحمل مخاطرها الخاصة أيضًا؛ سنحتاج لتقديم أنفسنا كمرتزقة محترفين، وربما نُطلب لمواجهة قتال حقيقي في حال تعرضت القافلة لهجوم فعلي على الطريق.” أجابت نور بثقة: “أعتقد أننا قادرون على التعامل مع ذلك دون كشف قدراتنا الحقيقية بالكامل، فقط نظهر ما يكفي لإقناعهم بأننا مرتزقة أكفاء عاديون.” وافق الجميع على المحاولة، وقررنا التوجه إلى مكتب التوظيف في صباح اليوم التالي.
في صباح اليوم التالي، توجهنا جميعًا نحو مكتب التوظيف الذي أشار إليه جين. كان المكان مزدحمًا بمرتزقة من مختلف الأعمار والخلفيات، جميعهم يبحثون عن فرصة عمل مربحة وسط فوضى الحرب المستمرة. وقفنا في طابور طويل، حتى وصل دورنا أخيرًا أمام موظف متعب الملامح يجلس خلف طاولة مكدسة بالأوراق.
سأل الموظف دون أن يرفع رأسه كثيرًا: “خبرة سابقة؟” أجاب ستارك بثقة مصطنعة: “خمسة مرتزقة، عملنا معًا في عدة مهام حماية قوافل عبر الحدود الغربية.” رفع الموظف رأسه أخيرًا، يتفحصنا بعينين متعبتين، ثم قال: “خمسة فقط؟ القافلة التي نبحث عن حراس لها كبيرة، تحتاج على الأقل عشرين حارسًا إضافيًا.” تدخلت إينا بهدوء: “نحن نعوّض العدد بالكفاءة، جربنا وستحكم بنفسك.”
نظر إلينا الموظف بشك واضح، لكنه بعد لحظة تردد قال: “حسنًا، سنجري اختبارًا بسيطًا في الساحة الخلفية، إن أثبتم كفاءتكم، سأضمكم للقافلة فورًا.” تبعناه إلى ساحة تدريب صغيرة خلف المبنى، حيث كان هناك بضعة مقاتلين آخرون يخضعون للاختبار نفسه.
خلال انتظارنا لدورنا، لاحظت رجلاً يقف عند حافة الساحة، لا يبدو أنه أحد المتقدمين للاختبار ولا أحد موظفي المكتب. كان يرتدي عباءة داكنة تخفي معظم ملامحه، ويراقبنا نحن تحديدًا بتمعن غريب، لا يشبه فضول المارة العابر على الإطلاق. حين التقت عيناي بعينيه للحظة، ابتسم ابتسامة خفيفة غامضة قبل أن يشيح بنظره بسرعة، وكأنه لم يُرد أن يُلاحظ اهتمامه بنا. شعرت بتوتر خفي يتسلل إليّ، وتبادلت نظرة سريعة مع إينا التي بدا عليها أنها لاحظت الرجل نفسه.
همست لها بصوت لا يكاد يُسمع: “هل رأيت ذلك الرجل؟” أومأت إينا برأسها ببطء دون أن تنظر إليه مباشرة وقالت: “نعم، يراقبنا منذ وصولنا إلى هنا تقريبًا. ربما مجرد فضول عابر، أو ربما شيء أكثر خطورة. لنبقِ أعيننا مفتوحة عليه دون أن نظهر أي قلق واضح.” تابعنا الاختبار كما هو مخطط له، وتناوب كل منا على مواجهة أحد حراس المكتب في مبارزات قصيرة تثبت مهاراتنا الأساسية دون الكشف عن قدراتنا الحقيقية.
انتهى الاختبار بنجاح، ووافق الموظف على ضمنا إلى طاقم حراسة القافلة. لكن حين غادرنا المكتب، لاحظت أن ذلك الرجل الغريب قد اختفى تمامًا، دون أن نلحظ حتى اتجاه رحيله. قال ستارك بقلق حين أخبرته بالأمر لاحقًا: “قد يكون مجرد صدفة، لكن بعد كل ما مررنا به، لا أحب ترك أي احتمال دون تفسير. سنبقى حذرين أكثر من المعتاد خلال الأيام القادمة.”
قضينا يومين إضافيين نجهز أنفسنا للرحلة، نشتري مؤنًا ونتفحص معداتنا بعناية، مع محاولة الانتباه لأي إشارة أخرى تدل على وجود ذلك الرجل الغامض من جديد، لكن دون جدوى. في المساء الأخير قبل انطلاق القافلة، قررنا تناول عشائنا في حانة مختلفة هذه المرة، بعيدًا عن أي مكان قد يكون قد لاحظنا فيه سابقًا.
جلسنا حول طاولة في زاوية هادئة، والحانة نصف ممتلئة بمسافرين وتجار يستريحون قبل رحلاتهم. وبينما كنا نتناول طعامنا بهدوء نسبي، انتبهت إلى مجموعة من الرجال على طاولة قريبة يتبادلون أحاديث عابرة عن أخبار الحرب، حتى ذكر أحدهم اسمًا عرضيًا في سياق حديثه، دون أي اهتمام خاص، وكأنه مجرد تفصيلة صغيرة ضمن قصة أكبر: “…وقالوا إن ذلك الشاب، دارون، هو من قاد الهجوم على أسطول اللحية السوداء بالكامل، بمفرده تقريبًا حسب ما سمعت.”
توقف الزمن بالنسبة لي في تلك اللحظة بالذات. سقطت الملعقة من يدي على الطاولة بصوت معدني حاد استرعى انتباه الجميع حولي، لكنني لم أشعر بأي شيء سوى دوي ذلك الاسم يتردد في أذني مرارًا وتكرارًا. نهضت من مقعدي بحركة مفاجئة، فتحول نحوي الرجل الذي نطق بالاسم بدهشة واضحة. اقتربت منه بخطى مضطربة، وأمسكت بذراعه بقوة أكبر مما قصدت، وقلت بصوت مرتجف لم أتعرف عليه بنفسي: “ماذا قلت للتو؟ من هو دارون؟ أين سمعت هذا الاسم؟ أخبرني كل ما تعرفه، الآن!”
ارتبك الرجل تمامًا من ردة فعلي المفاجئة، وحاول التراجع قليلاً وهو يقول بتلعثم: “أ-أنا فقط أعيد ما سمعته من تجار عابرين، لا أعرف تفاصيل أكثر من ذلك، أقسم لك.” شعرت بيد ستارك تمسك بكتفي بلطف من الخلف، محاولًا تهدئتي، بينما انهارت أنا فجأة على ركبتي، والدموع تنهمر بلا سيطرة مني على الإطلاق، وأنا أتمتم بصوت مكسور: “إنه حي… إنه حي فعلاً…”
نظر إليّ رفاقي بصدمة حقيقية، لم يشهدوا مثلها مني من قبل طوال السنوات الثلاث الماضية، بينما حاول الرجل الغريب الذي جلب هذا الخبر الابتعاد بسرعة عن ذلك المشهد المربك الذي تسبب فيه دون قصد، تاركًا خلفه اسمًا واحدًا فقط أعاد إشعال كل أمل ظننته قد بدأ يخبو بداخلي منذ زمن طويل جدًا.