الفصل 249 - عربة العمال
قضينا يومين إضافيين نراقب المنطقة الشمالية للمعسكر بدقة متناهية، نسجل كل تفصيلة ممكنة عن حركة الأفراد والمركبات هناك. وفي اليوم الثالث، لاحظنا شيئًا مثيرًا للاهتمام؛ عربة كبيرة مغطاة بقماش سميك، تخرج من المعسكر كل ثلاثة أيام تقريبًا في الوقت نفسه تمامًا، محملة بما بدا أنه عمال ينهون فترة خدمتهم، بالإضافة إلى بعض التجار وجنود مصابين يُنقلون إلى مستشفيات أبعد داخل أراضي الإمبراطورية للعلاج.
قال ستارك بعد مراقبة العربة للمرة الثالثة: “هذا قد يكون فرصتنا الحقيقية. عمال ينهون عقودهم، تجار عاديون، جرحى، كلهم فئات لا تخضع لتفتيش دقيق عادة، فالحراس يريدون التخلص منهم بسرعة أكبر من رغبتهم في التدقيق معهم.” أومأت إينا موافقة وقالت: “المشكلة الوحيدة أننا لا نملك أي أوراق تثبت هويتنا كعمال أو تجار شرعيين.” فكر جين للحظة ثم قال: “ربما لا نحتاج أوراقًا إن تمكنا من الاختباء داخل العربة نفسها، بدلاً من محاولة الظهور كركاب شرعيين أمام الحراس مباشرة.”
ناقشنا الفكرة لساعات طويلة، ندرس كل احتمال ممكن للفشل، حتى استقر رأينا أخيرًا على خطة محددة: سنتبع العربة عن بعد حتى تتوقف في نقطة استراحة معتادة أشرنا إليها خلال المراقبة، على بعد مسافة كافية من الحراس المباشرين للمعسكر، ثم نتسلل إلى الداخل بين الأحمال والصناديق المكدسة فيها، مستغلين فترة توقف السائق لتناول طعامه المعتاد.
في الليلة المحددة، تحركنا بحذر شديد نحو نقطة الاستراحة تلك، واختبأنا خلف صخور قريبة ننتظر وصول العربة. وصلت في موعدها تقريبًا، يقودها رجل مسن يبدو متعبًا من الرحلة الطويلة، وتوقف كما توقعنا لتناول وجبته وإراحة الحصانين اللذين يجران العربة. بمجرد أن ابتعد السائق قليلاً نحو نار صغيرة أشعلها لنفسه، تحركنا بسرعة وصمت تامين نحو مؤخرة العربة.
رفعت أنا القماش السميك بحذر، فوجدنا بالداخل صناديق خشبية متعددة، وبعض الأكياس المحشوة بالقش، بالإضافة إلى مساحة ضيقة نسبيًا لكنها كافية لخمستنا إن تكدسنا بإحكام. تسللنا واحدًا تلو الآخر، وأعدت القماش إلى وضعه الأصلي بعناية فائقة، قبل أن نستقر في أماكننا بصمت مطبق، أنفاسنا مكتومة قدر الإمكان.
استغرق الأمر وقتًا طويلاً قبل أن يعود السائق، ينهض بتثاقل ويستأنف قيادته دون أن يلاحظ أي شيء غير معتاد. تحركت العربة ببطء نحو المعسكر مرة أخرى، وشعرت بقلبي يخفق بقوة مع كل اهتزازة تقربنا أكثر فأكثر من نقاط التفتيش التي كنا نخشاها طوال هذه الأسابيع.
توقفت العربة عند البوابة الأولى، وسمعنا أصوات حراس يتبادلون كلمات روتينية مع السائق. قال أحدهم بصوت جاف: “ماذا تحمل هذه المرة؟” أجاب السائق بصوت متعب: “عمال انتهت عقودهم، بعض التجار، وجريحان يحتاجان علاجًا أفضل مما يتوفر هنا.” سمعنا خطوات تقترب من جانب العربة، وشعرنا جميعًا بتوتر خانق، لكن الحارس اكتفى بإلقاء نظرة سريعة من الخارج دون أن يرفع القماش فعليًا، ثم قال بملل واضح: “تفضل بالمرور.”
تنفسنا الصعداء بصمت تام وهي تتحرك مجددًا، لكن الاختبار الحقيقي لم يكن قد انتهى بعد؛ توقفت العربة مرة ثانية عند نقطة أعمق داخل المعسكر، وهذه المرة سمعنا أصواتًا أكثر، وحركة أثقل حول العربة، وكأن مجموعة أكبر من الحراس تتفحصها بجدية أكبر من السابق. شعرت بيد إينا تضغط على ذراعي بهدوء، إشارة صامتة للبقاء ساكنين تمامًا مهما حدث.
فجأة، ساد صمت غريب في الخارج، صمت مختلف تمامًا عن الملل الروتيني الذي سمعناه عند البوابة الأولى. سمعنا صوت السائق نفسه يتغير فجأة، يرتجف قليلاً وهو يقول: “س-سيدي، لم أكن أعلم أنكم هنا، أعتذر عن أي تأخير.” ساد صمت أطول هذه المرة، ثم سمعنا صوتًا آخر، هادئًا بشكل مخيف، عميقًا وثقيلاً كأنه يحمل وزن جبل كامل خلف كل كلمة ينطق بها: “لا بأس، استمر في عملك.”
لم تكن تلك الكلمات القليلة وحدها ما أرعبني، بل شيء آخر غير مرئي تمامًا، ضغط خفي امتد فجأة عبر الهواء نفسه، وكأن الجو من حولنا أصبح أثقل فجأة بشكل لا يمكن تفسيره منطقيًا. شعرت بأنفاسي تكاد تتوقف رغم قناعي الذي يساعدني عادة على التنفس بسهولة حتى في أصعب الظروف. نظرت إلى رفاقي في الظلام الخافت داخل العربة، فوجدت الجميع يحملون التعبير نفسه؛ رعب صامت لا إرادي، وكأن أجسادنا بأكملها تدرك خطرًا هائلاً يقف على بعد أمتار قليلة فقط منا، دون أن تحتاج عقولنا لتفسير السبب.
ابتعد ذلك الحضور المهيب ببطء بعد لحظات بدت أطول من الأبدية، وسمعنا خطوات ثقيلة، لكنها منظمة تمامًا، تبتعد شيئًا فشيئًا حتى اختفت تمامًا. تحركت العربة أخيرًا، مكملة طريقها إلى خارج المعسكر باتجاه أراضي الإمبراطورية الداخلية. لم يجرؤ أي منا على التحرك أو حتى التنفس بصوت مسموع لدقائق طويلة إضافية بعد ذلك، حتى تأكدنا تمامًا أننا ابتعدنا مسافة كافية.
حين سمحنا لأنفسنا أخيرًا بالتنفس بحرية أكبر، همست نور بصوت يكاد لا يُسمع: “من كان ذلك ماذا بحقك؟” لم يجب أحد فورًا، حتى قالت إينا بصوت جاد وهي لا تزال ترتجف قليلاً: “أعتقد أننا كنا على بعد أمتار قليلة من قائد الجبهة الثالثة عشرة نفسه.” شعر الجميع بصدمة إضافية عند سماع ذلك، فسأل كارل بصوت متوتر: “الجبهة الثالثة عشرة؟ أليست هذه ثالث أكبر جبهة في الإمبراطورية بأكملها؟” أومأت إينا برأسها ببطء وقالت: “بالضبط، وقائدها معروف بلقب واحد فقط بين القلائل الذين يجرؤون على الحديث عنه؛ الجبل الصامت.”
أضافت بصوت أخفض: “يُقال إنه بلغ المستوى الخامس منذ سنوات طويلة، وأنه نادرًا ما يغادر الجبهة، ونادرًا أكثر ما يتحدث بصوت مسموع لأي أحد أدنى منه رتبة. مجرد وجوده يكفي لإبقاء أخطر القادة العسكريين في حالة طاعة تامة، دون أن يحتاج لرفع سيفه ولو مرة واحدة.” شعرت بقشعريرة تسري في جسدي عند تذكر ذلك الضغط الخفي الذي شعرنا به جميعًا للتو، ضغط لم يبذل فيه أي مجهود واضح، وكأن مجرد تنفسه في الهواء نفسه كان كافيًا لإخضاع كل من حوله.
قال ستارك بصوت منخفض وجاد: “لو أنه شعر بوجودنا الحقيقي هناك، لما كنا لننجو على الأرجح.” أومأ الجميع بصمت رهيب، مدركين تمامًا حجم الخطر الذي مررنا به للتو دون أن ندرك أبعاده الكاملة إلا بعد فوات الأمر. واصلت العربة طريقها لساعات إضافية، حتى ابتعدنا أخيرًا عن حدود الجبهة بمسافة كافية، وتوقف السائق عند نقطة نائية أخرى ليستريح مجددًا، فانتهزنا تلك الفرصة للتسلل خارج العربة بهدوء تام، كما دخلنا إليها تمامًا.
وقفنا جميعًا على أرض جديدة، أرض الإمبراطورية الحقيقية أخيرًا، بعد أسابيع طويلة من الخوف والحذر المستمر. نظر إليّ ستارك وقال بصوت يحمل مزيجًا من الارتياح والحذر معًا: “لقد تجاوزنا الجبهة أخيرًا، لكن هذا لا يعني أن الخطر انتهى، بل ربما بدأ للتو بشكل مختلف تمامًا.” أومأت موافقة، وشعرت بثقل ذلك الحضور المهيب الذي واجهناه للتو لا يزال عالقًا في ذاكرتي، تذكيرًا صارخًا بأن هناك قوى في هذا العالم تفوق تصورنا بمراحل، وأن رحلتنا نحو مدينة البخار، ونحو دارون، لا تزال بعيدة كل البعد عن نهايتها الحقيقية.