الفصل 248 - أول نظرة على الجبهة
واصلنا السير لثلاث ليالٍ إضافية بعد عبورنا المنطقة المكشوفة، كل ليلة تحمل توترًا أكبر من سابقتها، وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل كلما اقتربنا من قلب المنطقة المحرمة. لاحظنا تغيرًا واضحًا في طبيعة الأرض من حولنا؛ الطرق أصبحت أكثر تمهيدًا، وظهرت آثار عجلات ثقيلة تشير إلى مرور مركبات عسكرية بانتظام، وتضاعفت أعداد أبراج المراقبة المتناثرة على قمم التلال المحيطة.
في الليلة الرابعة بعد فراق أورين، وبينما كنا نتسلق تلة أخيرة أشارت إليها خريطته المرسومة بخط اليد كنقطة مراقبة مهمة، توقفنا جميعًا فجأة عند القمة، مصدومين بما رأيناه أمامنا. امتدت الجبهة الحقيقية أخيرًا أمام أعيننا، ليست مجرد معسكر أو تجمع عسكري كما تخيلنا، بل مدينة كاملة من الخيام والتحصينات، تمتد لمسافة تعجز العين عن تحديد نهايتها بوضوح، حتى في وضح النهار الذي بدأ يطل علينا بالكاد.
قال جين بصوت يخالطه الذهول: “هذا… أكبر بكثير مما تخيلت حتى بعد كل التحذيرات.” أومأت نور برأسها ببطء، عيناها لا تزالان مثبتتين على المشهد المهيب أمامها، وقالت: “أستطيع رؤية عشرات الآلاف من الخيام من هنا، وهذا فقط ما تصل إليه عيناي المعززة، فما بالك بما يمتد أبعد من ذلك.” شعرت أنا بثقل حقيقي يستقر في صدري، وكأن حجم التحدي الذي أمامنا تجسد فجأة بشكل ملموس لا يمكن تجاهله بعد الآن.
جلسنا خلف صخور كبيرة على قمة التلة، نراقب المشهد لساعات طويلة دون أن نتحرك كثيرًا، محاولين استيعاب أنماط الحركة داخل ذلك المعسكر الهائل. لاحظ ستارك بعد فترة من الصمت: “انظروا إلى التقسيم الواضح؛ هناك حلقة خارجية من الخيام العادية، ثم حلقة أضيق من التحصينات الأكثر تنظيمًا، وفي المركز تمامًا، بناء أكبر يبدو محاطًا بحراسة مضاعفة.” أشار بإصبعه نحو ذلك المبنى المركزي، أكبر بكثير من أي خيمة أخرى، مبني من حجر داكن يتناقض بوضوح مع القماش المحيط به.
سألت كارل: “أتظن أن هذا مقر قيادة الجبهة نفسها؟” أجابت إينا بدلاً منه: “على الأرجح، وهذا يعني أنه أكثر نقطة يجب علينا تجنبها تمامًا، فمن المؤكد أنها محمية بأقوى المقاتلين المتاحين لدى الإمبراطورية في هذه المنطقة بأكملها.” راقبنا لساعات إضافية، نسجل كل تفصيلة ممكنة؛ توقيت تبديل الحراس عند الأطراف الخارجية، مسارات الدوريات المتحركة بين الخيام، وأوقات الهدوء النسبي التي تحدث بين فترات النشاط المكثف.
مع حلول الظهيرة، اقترح ستارك أن نتراجع قليلاً إلى مخبأ أكثر أمانًا لمواصلة المراقبة من مسافة أبعد، تجنبًا لأي احتمال ضئيل لاكتشافنا من قبل حراس الأبراج القريبة. تراجعنا بحذر، ووجدنا كهفًا مناسبًا على بعد مسافة كافية، لا يزال يوفر رؤية جزئية للمعسكر البعيد دون الاقتراب أكثر من اللازم.
جلسنا هناك نناقش ما لاحظناه، وقالت نور بقلق واضح: “بصراحة، لا أرى كيف يمكننا التسلل عبر هذا الكم الهائل من الخيام والحراس دون أن يلاحظنا أحد في مرحلة ما.” وافقها جين الرأي: “خمستنا فقط، مهما كانت قدراتنا قوية، لن نستطيع مواجهة جيش بأكمله إن كُشف أمرنا في عمق ذلك المعسكر.” نظر إليّ ستارك وسأل: “ما رأيك أنت؟ لديك سرعة تفوق أي منا، ربما تكون قادرة على استكشاف مسار أكثر تفصيلاً بمفردك دون المخاطرة بالمجموعة بأكملها.”
فكرت في الاقتراح بجدية، ثم قلت: “يمكنني المحاولة، لكن سأحتاج لوقت كافٍ للتحرك ببطء نسبي مقارنة بسرعتي المعتادة، فالتسرع في مكان مزدحم كهذا قد يكشفني بسهولة رغم سرعتي.” أومأ ستارك موافقًا وقال: “لا داعي للاستعجال، سنمنحك كل الوقت اللازم. الأولوية المطلقة هي عدم الكشف عن أنفسنا، مهما استغرق الأمر من وقت إضافي.”
في تلك الليلة، وبعد استراحة قصيرة، تسللت أنا بمفردي نحو أطراف المعسكر الخارجية، مستخدمة قدرتي بحذر شديد، أتحرك بسرعة محسوبة تسمح لي بالمراقبة الدقيقة دون أن أصدر أي صوت يلفت الانتباه. اقتربت بما يكفي لرؤية تفاصيل أدق؛ جنود يتحدثون بصوت منخفض حول نيران مشتعلة، ورايات متعددة تحمل شعارات مختلفة قليلاً عن بعضها، ما أشار إلى وجود فيالق متعددة متمركزة هنا معًا.
لاحظت أيضًا نقطة ضعف محتملة؛ منطقة عند الطرف الشمالي من المعسكر تبدو أقل ازدحامًا بالحراس، ربما بسبب تضاريس صخرية وعرة تجعل المرور منها أصعب على المركبات الثقيلة، لكنها قد تكون مناسبة تمامًا لمجموعة صغيرة تتحرك بحذر على الأقدام. عدت إلى رفاقي قبيل الفجر، حاملة معي تلك المعلومة الثمينة.
قلت وأنا ألتقط أنفاسي: “وجدت نقطة قد تكون أقل حراسة، عند الطرف الشمالي، حيث التضاريس أكثر وعورة.” أظهر ستارك اهتمامًا فوريًا وقال: “هذا يستحق الدراسة بعمق أكبر. لنخطط لمراقبة تلك المنطقة تحديدًا على مدى الأيام القليلة القادمة، قبل أن نقرر أي خطوة فعلية.” وافق الجميع على الفكرة، وشعرنا جميعًا بأول بصيص أمل حقيقي منذ وصولنا إلى هذا المكان المرعب.
بينما كنا نستقر لأخذ قسط من الراحة بعد ليلة طويلة من الاستطلاع، قالت إينا بهدوئها المعتاد: “تذكروا جميعًا، حتى لو وجدنا نقطة ضعف واحدة، فإن الحذر الشديد يبقى ضروريًا في كل خطوة. جبهة بهذا الحجم لا تُهزم بالتسرع، بل بالصبر والدقة المتناهية.” أومأنا جميعًا موافقين على كلامها، وشعرت أنا بثقل المسؤولية يزداد وضوحًا في نفسي، مدركة أن ما تبقى من هذا التحدي سيتطلب منا صبرًا لم نختبره من قبل بهذا العمق.