الفصل 247 - وحدنا في الظلام
بعد ساعة واحدة فقط من مغادرة أورين، أدركنا حجم الفراغ الذي تركه غيابه. لم يكن الأمر يتعلق بمعرفته الجغرافية وحدها، بل بتلك الحاسة الغريزية التي طورها عبر سنوات طويلة، والتي كانت تنبهه لوجود خطر قبل أن يظهر أي مؤشر واضح عليه. الآن، وبينما نسير معتمدين على خريطته المرسومة بخط اليد، شعرت بأن كل خطوة تحمل وزنًا إضافيًا من عدم اليقين.
قال ستارك بعد فترة صمت طويلة، وهو يتفحص الخريطة تحت ضوء خافت: “بحسب هذا الرسم، سنحتاج إلى عبور منطقة منخفضة تشبه الوادي على بعد ساعتين من هنا، ثم صعود سلسلة تلال تمتد باتجاه الشمال الشرقي.” سألت نور: “هل ذكر أورين أي شيء عن هذه المنطقة تحديدًا؟” أجاب ستارك: “فقط أنها أقل مراقبة من غيرها، لكنه لم يؤكد ذلك بشكل قاطع، بل قال إنها أفضل تقدير يملكه.”
سرنا في صمت حذر لساعتين كاملتين، والتوتر يتصاعد تدريجيًا مع كل خطوة إضافية تبعدنا عن آخر نقطة كان يعرفها أورين بيقين تام. وصلنا إلى الوادي الذي أشار إليه، منخفض طويل تحيط به منحدرات صخرية من الجانبين، يخلو تمامًا من أي غطاء نباتي يمكن أن يوفر تمويهًا إضافيًا. توقف جين فجأة وقال بصوت منخفض: “لا أشعر بالارتياح تجاه هذا المكان، إنه مكشوف أكثر مما ينبغي.”
وافقته إينا الرأي وقالت: “ربما يجدر بنا التحرك بأقصى سرعة ممكنة عبره، بدلاً من محاولة التسلل ببطء كالمعتاد.” فكر ستارك للحظة قبل أن يوافق: “منطقي، فالبطء هنا يعني تعرضًا أطول لأي عين مراقبة محتملة.” استخدمت أنا حينها قدرتي، شددت قناعي بسرعة وانطلقت أولاً عبر الوادي بسرعة خاطفة، أتفحص الطريق أمامنا وأتأكد من خلوه من أي فخاخ أو كمائن محتملة، قبل أن أعود بإشارة توافق للبقية.
عبرنا الوادي بأسرع ما يمكن، أنفاسنا تتقطع من الجهد، لكننا وصلنا إلى الجانب الآخر دون أي حادثة تُذكر. تنفسنا الصعداء لبرهة قصيرة، قبل أن يبدأ صعود التلال الشاق الذي حذرتنا منه الخريطة. كانت التلال أكثر انحدارًا مما توقعنا، واضطررنا للتسلق بأيدينا في بعض الأجزاء، بينما يساعد جين بقوته الجسدية الإضافية الباقي على تجاوز أصعب النقاط.
في منتصف الصعود تقريبًا، توقف كارل فجأة ورفع يده مشيرًا للجميع بالسكوت. جمدنا في أماكننا، وأشار بصمت نحو نقطة على قمة التل، حيث بدا ظل يتحرك ببطء. راقبناه لدقائق طويلة، حتى تبين أنه مجرد حيوان بري يعبر المنطقة، على الأرجح ماعز جبلي ضل طريقه. تنفسنا الصعداء مجددًا، وواصلنا الصعود بحذر مضاعف هذه المرة.
وصلنا إلى قمة التلة قبيل الفجر، منهكين تمامًا، لكن المشهد الذي استقبلنا من هناك جعلنا ننسى التعب للحظة. امتدت أمامنا مساحة شاسعة، تحيط بها تلال أخرى من بعيد، وفي المنتصف تقريبًا، بدت خيوط ضوء خافتة تتحرك ببطء، أشبه بدوريات متنقلة تجوب المنطقة بانتظام. قال ستارك بصوت منخفض: “هذا يبدو وكأنه الحد الفاصل بين المناطق الثانوية والجبهة الرئيسية نفسها.” شعرت بقشعريرة تسري في جسدي وأنا أتأمل ذلك المشهد المهيب.
بحثنا عن مخبأ مناسب بسرعة قبل أن يكشفنا ضوء الفجر المتصاعد، ووجدنا كهفًا صغيرًا محفورًا طبيعيًا في جانب التلة، يوفر رؤية جزئية للمنطقة أدناه دون أن يعرضنا للكشف. استقرينا بداخله، وبدأنا بمراقبة أنماط تلك الدوريات البعيدة بصبر شديد، محاولين فهم توقيتها ومساراتها قبل اتخاذ أي قرار بشأن كيفية عبور تلك المنطقة الحرجة.
طوال ساعات النهار، تناوبنا على المراقبة، كل واحد منا يسجل ملاحظاته الخاصة حول حركة الأضواء البعيدة. لاحظت نور، بفضل قدرتها الحادة على الرؤية عن بعد، نمطًا متكررًا؛ كانت الدوريات تمر كل ساعتين تقريبًا عبر نقطة محددة، تاركة فجوة زمنية قصيرة يمكن استغلالها للعبور بسرعة. قالت وهي تشرح ملاحظتها للجميع: “إذا تحركنا بالضبط بعد مرور الدورية الأخيرة مباشرة، سيكون أمامنا نحو خمسين دقيقة قبل عودتها مرة أخرى.”
فكر ستارك في الأمر بعمق قبل أن يقول: “خمسون دقيقة قد تكون كافية إن تحركنا بسرعة، لكنها أيضًا مخاطرة كبيرة إن حدث أي طارئ غير متوقع.” اقترحت إينا: “ربما يمكننا تقسيم أنفسنا إلى مجموعتين، تعبر الأولى أولاً وتتأكد من سلامة الطريق، ثم تعبر الثانية بعدها مباشرة.” ناقشنا الفكرة لبعض الوقت، ووافقنا أخيرًا على تنفيذها بحذر شديد.
مع حلول المساء، وبعد مراقبة دقيقة لتوقيت آخر دورية مرت، انطلقت أنا وجين أولاً، مستغلين سرعتي وقوته الدفاعية لتأمين الطريق. عبرنا المنطقة المكشوفة بسرعة، قلوبنا تخفق بقوة، حتى وصلنا إلى غطاء صخري آمن على الجانب الآخر. أرسلت إشارة متفق عليها مسبقًا للبقية، فانطلق ستارك وكارل ونور خلفنا مباشرة، وعبروا المسافة نفسها بنجاح دون أي حادثة.
اجتمعنا جميعًا خلف تلك الصخور، أنفاسنا لا تزال متقطعة من التوتر والجهد المبذول، لكن شعورًا بالإنجاز بدأ يتسلل إلينا تدريجيًا. قال كارل بابتسامة متعبة: “لقد نجحنا، خطوة أخرى أقرب نحو الجبهة الحقيقية.” أومأت إينا موافقة وقالت: “خطوة واحدة من بين خطوات عديدة أخرى لا تزال أمامنا، لكنها بداية جيدة على الأقل بدون مرشد يقودنا.”
استرحنا لبعض الوقت في ذلك المخبأ الجديد، نستعيد قوانا قبل مواصلة الطريق. جلست بجانب ستارك في تلك اللحظة الهادئة، وقلت بصدق: “أشعر أننا بدأنا نتأقلم مع هذا النوع من التحديات، رغم غياب أورين.” نظر إليّ ستارك وابتسم ابتسامة خفيفة وقال: “ربما لأننا تعلمنا الكثير منه خلال تلك الأيام، حتى دون أن ندرك ذلك بوضوح.” أومأت موافقة، كان التحدي الذي أمامنا هائلا و ربما هذه أخطر مهمة قبلوها في حياتهم حتى الآن و مع ذلك لن يستسلموا.