الفصل 246 - الفراق
الفراق
سرنا بلا توقف تقريبًا حتى ساعات الفجر الأولى، نتجنب أي مسار يبدو مألوفًا أو متوقعًا، ونغير اتجاهنا بشكل متكرر بناءً على تعليمات أورين المتوترة. كان واضحًا أن الرجل نفسه بدأ يشعر بضغط حقيقي لأول مرة منذ بداية رحلتنا معه، فخبرته الطويلة في هذه المنطقة لم تكن كافية لتجنب القلق الذي يعكسه توتر خطواته وتكرار نظراته إلى الخلف.
وصلنا إلى مخبأ جديد مع بزوغ الفجر، كهفًا ضيقًا يقع في منطقة وعرة بعيدة عن أي طريق معروف. بمجرد استقرارنا بالداخل، جلس أورين على الأرض وأخرج خريطته مرة أخرى، يتفحصها بتركيز شديد تحت ضوء خافت. قال دون أن يرفع عينيه: “غيّرنا مسارنا الأصلي بالكامل تقريبًا، وهذا يعني أننا أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن نواصل هذا الطريق البديل الأطول، أو نخاطر بالعودة إلى المسار الأصلي مع احتمال أكبر لمواجهة تعزيزات تبحث عنا تحديدًا.”
سأل ستارك: “ما الفارق الزمني بين الخيارين؟” أجاب أورين بعد حساب سريع: “الطريق البديل سيضيف ثلاثة أيام إضافية على الأقل، ربما أربعة إن واجهتنا أي عقبة أخرى.” تنهد جين بصوت مسموع وقال: “أيام إضافية تعني مؤنًا إضافية لا نملكها، ووقتًا إضافيًا بعيدًا عن هدفنا الحقيقي.” نظرت إينا إليه بهدوء وقالت: “لكنها أيضًا تعني بقاءنا أحياء، وهذا يستحق التضحية بأي شيء آخر.”
بعد نقاش استمر لبعض الوقت، اتفقنا جميعًا على الطريق البديل الأطول، رغم ما يحمله من مخاطر إضافية تتعلق بنفاد المؤن. قال كارل محاولاً تخفيف التوتر بمزحة معتادة: “حسنًا، على الأقل سأحصل على وقت إضافي لأتحسن في التحكم بقوة ضرباتي الارتجاجية دون أن تنفجر ذراعي كل مرة.” ابتسم الجميع ابتسامة خفيفة رغم الإرهاق الواضح على وجوههم، وشعرت أنا بامتنان صامت لقدرة كارل الدائمة على إيجاد لحظة خفة وسط أثقل الظروف.
نمنا بنوبات متقطعة خلال ساعات النهار، كل واحد منا يتناوب على الحراسة بفترات أقصر من المعتاد، إذ لم يعد أحد يشعر بالأمان الكافي للنوم العميق بعد أحداث الليلة الفائتة. استيقظت في منتصف النهار على صوت همسات منخفضة بين ستارك وأورين عند مدخل الكهف. اقتربت بصمت لأسمع ما يدور بينهما.
قال أورين بصوت جاد: “أريد أن أخبرك بشيء يا ستارك، بصراحة تامة. الطريق المتبقي أمامنا حتى النقطة التي سأتركم عندها، سيمر بالقرب من أحد المعسكرات الثانوية للجبهة، أقرب بكثير مما خططنا له في البداية.” ضاق ستارك عينيه وسأل: “ولماذا لم تخبرنا بهذا سابقًا؟” أجاب أورين بتردد واضح: “لأن الطريق البديل الوحيد الآخر يمر عبر منطقة أكثر خطورة بكثير، مليئة بمستنقعات سامة يصعب التنبؤ بمواقعها الدقيقة. اخترت المخاطرة الأقل بين خيارين سيئين، لكنني لم أشأ أن أثقل عليكم بتفاصيل إضافية وأنتم منهكون بالفعل.”
هز ستارك رأسه بتفهم، رغم أن القلق لم يفارق ملامحه تمامًا، وقال: “أقدر صراحتك الآن، لكن من فضلك، أي معلومة مشابهة في المستقبل، أخبرنا بها فورًا، مهما بدت مقلقة.” وافق أورين على ذلك بإيماءة صامتة، وانسحبت أنا بهدوء قبل أن يلاحظا وجودي، حاملة معي ثقل تلك المعلومة الجديدة.
مع حلول المساء، استعددنا لمواصلة السير، وهذه المرة كان التوتر واضحًا على وجوه الجميع أكثر من أي وقت مضى. سرنا لساعات طويلة عبر تضاريس أكثر وعورة، حتى بدأت أضواء المعسكر الثانوي الذي حذرنا منه أورين تلوح من بعيد، أكبر وأكثر سطوعًا مما توقعنا. توقفنا خلف تلة صخرية مرتفعة، نراقب المعسكر من مسافة آمنة نسبيًا.
كان المشهد مهيبًا ومرعبًا في آن واحد؛ عشرات الخيام المنظمة في صفوف هندسية دقيقة، نيران مشتعلة متناثرة بينها، وحركة جنود مستمرة حتى في هذه الساعة المتأخرة من الليل. همست نور: “هذا مجرد معسكر ثانوي؟ لا أتخيل حجم الجبهة الرئيسية إذن.” أجاب أورين بصوت منخفض: “هذا بالضبط ما حاولت تحذيركم منه سابقًا. ما ترونه هنا لا يمثل سوى جزء صغير جدًا من القوة الحقيقية التي تنتظرنا في المستقبل القريب.”
اضطررنا للانحراف بشكل كبير عن مسارنا لتجنب المعسكر تمامًا، ما أضاف ساعات إضافية من السير المرهق عبر تضاريس أكثر صعوبة. وصلنا إلى مخبأ جديد قبيل الفجر بقليل، منهكين تمامًا، لكن بأمان نسبي على الأقل. جلس الجميع صامتين لفترة، يستوعبون حجم الخطر الذي رأيناه للتو، قبل أن يقول جين أخيرًا: “إذا كان هذا مجرد معسكر ثانوي، فكيف ماذا بحقك سنتمكن من تجاوز الجبهة الرئيسية نفسها لاحقًا؟”
لم يجب أحد على سؤاله مباشرة، إذ لم يكن لدى أي منا إجابة مطمئنة حقًا. بعد صمت طويل، قالت إينا بهدوئها المعتاد: “سنجد طريقة، كما فعلنا حتى الآن. القلق المفرط الآن لن يفيدنا في شيء، بل سيستنزف طاقتنا التي نحتاجها أكثر من أي وقت مضى.” أومأ الجميع برأسه بصمت، وحاولنا أخذ قسط من الراحة رغم ثقل الأفكار التي أثقلت عقولنا جميعًا.
في اليوم التالي، وبعد ليلتين إضافيتين من السير الحذر، وصلنا أخيرًا إلى النقطة التي حددها أورين منذ البداية كموعد لفراقنا. وقف أمامنا في الصباح الباكر، خريطته مطوية بين يديه، ووجهه يحمل تعبيرًا مختلطًا بين الارتياح والقلق معًا. قال بصوت جاد: “هذه هي النقطة التي لا يمكنني تجاوزها، فالدوريات فيما بعدها تعرفني شخصيًا، وأي ظهور لي هناك سيثير شكوكًا فورية.”
أخرج خريطة إضافية صغيرة، رسمها بنفسه خلال الأيام الماضية، وأعطاها لستارك قائلاً: “هذه أفضل ما يمكنني تقديمه لكم؛ مسار تقريبي يجنبكم أخطر نقاط التفتيش المعروفة لي، لكن بعد هذه النقطة، ستكونون بمفردكم تمامًا، وستحتاجون لاتخاذ قراراتكم الخاصة بناءً على ما تلاحظونه بأنفسكم.” تناول ستارك الخريطة بامتنان وقال: “شكرًا لك يا أورين، على كل شيء. لم نكن لنصل إلى هذه النقطة دونك.”
ابتسم أورين ابتسامة خفيفة، الأولى الحقيقية التي أراها على وجهه منذ لقائنا به، وقال: “اعتنوا بأنفسكم جيدًا. رأيت الكثير من الأشخاص يحاولون تجاوز هذه الحدود اللعينة، ولم يعد كثيرون منهم أحياء. أنتم مختلفون، أرى ذلك بوضوح، لكن هذا لا يعني أن الطريق أمامكم سيصبح أسهل.” نظر إليّ تحديدًا وأضاف: “أيًا كان هذا الشخص الذي تبحثين عنه، أتمنى أن يستحق كل هذا العناء والخطر الذي تتحملينه من أجله.”
شعرت بدفء غريب يتسلل إلى صدري من كلماته، فابتسمت وقلت: “يستحق ذلك، وأكثر بكثير.” أومأ أورين برأسه، ثم استدار دون كلمات إضافية، واختفى بين الصخور المحيطة بسرعة تكشف عن سنوات طويلة من الخبرة في هذه الأرض القاسية، تاركًا إيانا وحدنا للمرة الأولى منذ أسبوعين كاملين.
نظر ستارك إلينا جميعًا، وقال بصوت حازم يحمل ثقل المسؤولية الجديدة: “من الآن فصاعدًا، القرارات كلها علينا، ولا مجال للأخطاء. سنعتمد على هذه الخريطة، وعلى حذرنا الخاص، حتى نتجاوز الجبهة بالكامل.” أومأ الجميع برأسه بصمت، وشعرت بثقل هذه اللحظة يستقر فينا جميعًا؛ لم يعد هناك مرشد يقودنا، فقط نحن الخمسة، ومسار غامض أمامنا نحو أخطر تحدٍ واجهناه منذ بداية هذه الرحلة الطويلة.
بدأنا السير مباشرة، بخطى حذرة لكن ثابتة، والشمس بدأت تغيب خلفنا مرة أخرى، إيذانًا ببدء ليلة جديدة من التسلل الصامت نحو المجهول.