الفصل 245 - كشف الأمر
كشف الأمر
في الليلة التاسعة من رحلتنا، وبينما كنا نعبر واديًا ضيقًا اقترحه أورين باعتباره أكثر المسارات أمانًا، حدث ما كنا نخشاه طوال الوقت؛ انزلقت قدم كارل فجأة على حجر مغطى بالطحالب الرطبة، فسقط بصوت أعلى بكثير مما ينبغي في مثل هذا الصمت الحذر الذي اعتدنا عليه. لم تمر سوى ثوانٍ معدودة حتى سمعنا صيحة تحذير تنطلق من مسافة قريبة، تبعها صوت أبواق معدنية تدوي في الليل، وأضواء مشاعل تشتعل واحدة تلو الأخرى على قمة التل المجاور.
قال أورين بصوت متوتر لأول مرة منذ بداية رحلتنا معه: “لقد كشفونا، هذه ليست دورية عادية، بل مجموعة استطلاع كاملة، ربما عشرون فردًا على الأقل.” نظر إلينا ستارك بسرعة وقال بصوت حاسم: “لا مجال للهروب الآن، سنقاتل، لكن بذكاء، لا بتهور.” أومأ الجميع برأسه، وبدأ كل واحد منا يستعد بطريقته الخاصة لما هو آتٍ.
اندفع الجنود نحونا من عدة اتجاهات في آنٍ واحد، دروعهم تلمع تحت ضوء المشاعل، وسيوفهم مسلولة بالفعل. كانت أول من تحركت هي أنا؛ شددت الرباط الخفي على أثري الخاص، فظهر قناع معدني رقيق يغطي النصف السفلي من وجهي، يسمح لي بالتنفس رغم السرعة الجنونية التي كنت على وشك إطلاقها. اندفعت نحو أقرب مجموعة من الجنود بسرعة تجاوزت حدود الإدراك البشري العادي، سيفاي القصيران يلمعان في يدي، أحدهما عاديًا حادًا، والآخر ذلك السيف الغريب المصنوع من معدن الفراغ، الذي وجدته بين أطلال منسية، والذي يُقال إنه قادر على محو إرادة من يُصاب به مباشرة.
تحركت بينهم كشبح حقيقي، أضرب هنا وهناك بسرعة لا تكاد العين تتبعها، وسقط أول جندي بضربة من سيفي العادي، بينما سقط الثاني بلمسة خفيفة فقط من السيف الآخر، تجمد في مكانه فجأة، عيناه فارغتان تمامًا، وكأن كل إرادة في جسده قد تبخرت في لحظة واحدة.
في الجهة المقابلة، وقف كارل يواجه مجموعة أخرى من الجنود المندفعين نحوه. رفع سلاحه، ذلك السيف المسمى “ستار يقتل”، وضرب الأرض أمامه بقوة هائلة. انفجرت موجة ارتجاجية مرئية تقريبًا، اجتاحت الجنود القريبين منه ومزقت دروعهم وأجسادهم في آنٍ واحد. شعرت بذراعه ترتجف قليلاً من قوة الضربة، لكن مسند الذراع الحديدي الذي يرتديه، ذلك الأثر الذي يمتص أثر قدرته المدمرة، امتص أغلب الصدمة، مانحًا إياه القدرة على تسديد ضربة ثانية وثالثة دون أن يتمزق ذراعه كما كان يحدث قبل حصوله على ذلك الأثر الثمين.
بالقرب منه، وقف جين، درعه الكامل يغطي جسده من الرأس حتى القدمين، يلمع بلون معدني باهت تحت ضوء المشاعل المتناثرة. اندفع نحوه جندي بضربة سيف قوية، فامتص جين الضربة بدرعه دون أن يتراجع خطوة واحدة، ثم أطلق قدرته؛ صد ارتدادي هائل انطلق من نقطة الاصطدام مباشرة، مرتدًا نحو الجندي بقوة مضاعفة أضعافًا، فطار الرجل عدة أمتار قبل أن يرتطم بصخرة قريبة ويسقط بلا حراك. شعر جين بارتجاج خفيف يسري في عظامه من فرط تلك القوة الارتدادية، لكن الدرع الذي يرتديه امتص معظم ذلك التأثير الجانبي، مانحًا إياه دفاعًا يكاد يكون منيعًا.
من فوق تل صغير خلفنا، وقفت نور، قوسها مشدود بالفعل، عيناها تلمعان بلون أزرق خافت وهي تُفعّل قدرتها؛ كشافات غير مرئية امتدت من حولها، تكشف مواقع الجنود جميعًا حتى المختبئين خلف الصخور والشجيرات. أطلقت سهمًا واحدًا، ثم آخر، ثم آخر، بسرعة تكاد لا تُصدق، كل سهم يصيب هدفه بدقة قاتلة رغم الظلام الدامس المحيط بنا. لم تكن تحتاج لرؤية مباشرة لهدفها، فقدرتها منحتها إدراكًا شبه كامل لكل ما يحدث حولها، حتى خلف الصخور والحواجز الصلبة.
أما ستارك، فوقف في المنتصف تقريبًا، هادئًا وسط كل تلك الفوضى، ورفع يده وهو يتلو كلمات بصوت رنان يحمل قوة غريبة: “تعزيز خمسة أشخاص.” انفجرت من حوله خمس كتل مضيئة صغيرة، طارت كل واحدة نحو أحدنا؛ شعرت أنا بقوة إضافية تسري في عضلاتي فجأة، فازدادت سرعتي أكثر، بينما شعر كارل بقوة ضرباته تتضاعف للحظات، وأحاط جين درعه بطبقة إضافية من الحماية الخفية، وازدادت دقة سهام نور بشكل ملحوظ. في الوقت نفسه، شعر بعض الجنود المحيطين بستارك بضعف مفاجئ يسري في أطرافهم، حركتهم تباطأت بشكل واضح، وكأن إرادتهم القتالية نفسها بدأت تخور.
وفي زاوية أخرى، لم أكن أراها بوضوح وسط الفوضى، لكنني سمعت أصواتًا مرعبة تنبعث منها؛ صرخات مكتومة سرعان ما تتوقف فجأة، وصوت طعنات سريعة متتالية. كانت تلك إينا، تتحرك بسكاكينها بصمت شبه تام، تظهر وتختفي بين الظلال وكأنها جزء منها، وتسقط جثث الجنود من حولها واحدة تلو الأخرى دون أن يتمكن أي منهم من رؤيتها بوضوح قبل أن تنهي حياته. لم أفهم يومًا طبيعة قدرتها الحقيقية، ولم تشرحها لأحد منا صراحة، لكن المشهد أمامي كان كافيًا ليؤكد ما سمعته دائمًا؛ أنها الأشد رعبًا بيننا جميعًا حين يتعلق الأمر بالقتال الحقيقي.
استمرت المعركة لدقائق معدودة فقط، رغم أنها بدت أطول بكثير بسبب شدة التوتر المحيط بها. حين سقط آخر جندي، ساد صمت مفاجئ في المكان، لا يقطعه سوى أنفاسنا المتقطعة وصوت الرياح الباردة تعبر الوادي الضيق. نظرت حولي، فوجدت أورين واقفًا خلف صخرة كبيرة، عيناه متسعتان في دهشة حقيقية وهو يراقب ما حدث للتو.
قال أورين بصوت لا يخفي انبهاره: “لم أتخيل يومًا أنكم بهذه القوة الحقيقية. ظننتكم مجرد مسافرين مهمين، لكنكم أقرب لكونكم جيشًا مصغرًا بحد ذاتكم.” أجاب ستارك وهو يلتقط أنفاسه: “نحن نفضل تجنب القتال قدر الإمكان، ليس لأننا نخشاه، بل لأن أي معركة كهذه تعني أننا كشفنا أمرنا، وهذا بالضبط ما حدث الآن.” نظر بجدية نحو أورين وسأل: “هل ستصل أخبار هذه المعركة إلى الجبهة الرئيسية قريبًا؟”
فكر أورين للحظة قبل أن يجيب بقلق واضح: “على الأرجح نعم، فهذه المجموعة كانت تتبع نظام اتصال دوري مع القيادة المركزية. إن لم يصلها تقرير منهم خلال ساعات قليلة، فسيرسلون تعزيزات للتحقق من الأمر.” تبادلنا النظرات بقلق مشترك، قبل أن يقول جين: “إذن علينا التحرك بسرعة أكبر من خطتنا الأصلية، قبل أن تصل أي تعزيزات إلى هذه المنطقة.” أومأ أورين موافقًا وقال: “بالضبط، سنغير مسارنا قليلاً، ونتجه نحو طريق أكثر وعورة، لكنه أقل احتمالًا لتفتيشه في المدى القريب.”
جمعنا أنفسنا بسرعة، نتفقد إصاباتنا الطفيفة نسبيًا؛ خدش على ذراع كارل، وجرح سطحي على كتف جين رغم درعه، وتعب واضح على وجه نور من فرط تركيزها المكثف خلال المعركة. لم تكن إينا تحمل أي أثر واضح للإصابة، بل بدت هادئة تمامًا وكأن ما حدث لتوه كان مجرد مهمة روتينية بالنسبة لها.
بينما كنا نستعد لمواصلة السير بسرعة أكبر، اقتربت مني إينا وقالت بصوت هادئ: “أداء جيد، خاصة بذلك السيف الغريب الذي تحملينه.” نظرت إليها بامتنان وقلت: “تعلمت استخدامه بصعوبة بالغة في البداية، فتأثيره مخيف حتى بالنسبة لي أحيانًا.” ابتسمت إينا ابتسامة خفيفة وقالت: “الأسلحة المخيفة غالبًا ما تكون الأكثر فائدة في اللحظات الحرجة، تذكري ذلك دائمًا.”
انطلقنا مجددًا وسط الظلام، بخطى أسرع من المعتاد هذه المرة، وشعرت بثقل ما حدث للتو يستقر في صدري؛ لقد كُشف أمرنا جزئيًا الآن، وأصبح الوقت عاملاً أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. نظرت إلى رفاقي وهم يسيرون بجانبي، كل واحد منهم يحمل أثرًا مختلفًا وقدرة فريدة.