الفصل 244 - السير في الظلام
غادرنا ريفكروس عند غروب الشمس تمامًا، في اللحظة التي تتحول فيها السماء من البرتقالي الدافئ إلى الأزرق الداكن، حين تبدأ الظلال تطول وتتشابك فوق الأرض القاحلة المحيطة بالمدينة. سار أورين في المقدمة، يحمل مصباحًا صغيرًا مغطى بقطعة قماش سميكة تحجب معظم ضوئه، تاركة فقط شعاعًا خافتًا يكفي بالكاد لإضاءة الخطوات القليلة أمامنا. قال بصوت منخفض قبل أن ننطلق: “من الآن فصاعدًا، لا حديث إلا عند الضرورة القصوى، وحتى عندها، بصوت لا يتجاوز الهمس.”
سرنا في صمت شبه تام لساعات طويلة، أقدامنا تغوص أحيانًا في رمال ناعمة، وأحيانًا تتعثر بصخور صغيرة متناثرة على الأرض غير المستوية. كان البرد الليلي قارصًا رغم أننا في منتصف موسم دافئ نسبيًا، وشعرت بأصابعي تتخدر قليلاً رغم القفازات الخفيفة التي ارتديتها. مشى ستارك بجانبي معظم الوقت، عيناه تتحركان باستمرار بين الظلال المحيطة بنا، وكأنه يتوقع خطرًا في أي لحظة.
قبيل الفجر، توقف أورين فجأة ورفع يده إشارة للجميع بالتوقف الفوري. جمدنا في أماكننا، وأشار أورين نحو تلة صغيرة على بعد مسافة قصيرة، حيث بدت مجموعة من الأضواء الخافتة تتحرك ببطء. همس بصوت بالكاد يُسمع: “دورية ليلية، ثمانية أفراد تقريبًا، يتحركون في نمط دائري حول هذه المنطقة كل ساعتين تقريبًا.” انتظرنا في صمت مطبق، بعضنا يحبس أنفاسه دون وعي، حتى ابتعدت الأضواء تمامًا واختفت خلف التلة المقابلة.
بمجرد أن تأكد أورين من زوال الخطر، أشار لنا بمتابعة السير، لكن هذه المرة بوتيرة أبطأ وأكثر حذرًا. قال جين بصوت هامس وهو يسير بجانبي: “أشعر وكأننا أشباح تتسلل عبر أرض غريبة تمامًا.” أجبته بالهمس نفسه: “ربما هذا بالضبط ما نحتاج أن نكونه في هذه المرحلة.” ابتسم جين ابتسامة خفيفة رغم التعب البادي على وجهه، ثم عاد الصمت يخيم علينا من جديد.
وصلنا إلى مخبأ صغير اقترحه أورين قبل بزوغ الفجر مباشرة؛ كهف ضحل محفور في جانب تل صخري، بالكاد يتسع لخمسة أشخاص إضافة إلى أورين نفسه، لكنه كان كافيًا لحمايتنا من أعين أي دورية عابرة خلال ساعات النهار. دخلنا واحدًا تلو الآخر، وأغلقنا مدخله جزئيًا بأغصان جافة جمعناها من محيط المكان، تمويهًا إضافيًا يضمن ألا يلاحظنا أحد من بعيد.
قال أورين بمجرد استقرارنا داخل الكهف: “من الآن فصاعدًا، سنسير ليلاً فقط، ونستريح نهارًا داخل مخابئ مشابهة لهذا. هذا هو الإيقاع الذي سيبقينا أحياء حتى نتجاوز أخطر أجزاء الطريق.” سألته نور: “كم مخبأ من هذا النوع تعرفه على طول الطريق؟” أجاب أورين وهو يستلقي على الأرض الصخرية الباردة: “ما يكفي، لا تقلقي. قضيت سنوات طويلة أرسم في ذهني كل تفصيلة من هذه المنطقة اللعينة.”
حاولنا جميعًا أخذ قسط من النوم خلال ساعات النهار الأولى، لكن النوم لم يكن سهلاً في مكان ضيق كهذا، بأرضية صلبة وهواء خانق نسبيًا. استيقظت أنا في منتصف النهار تقريبًا، لأجد ستارك جالسًا عند مدخل الكهف، يراقب الخارج من خلال فجوة صغيرة بين الأغصان. جلست بجانبه بصمت، وسألته بعد لحظة: “ألا تشعر بالتعب؟” أجاب دون أن يلتفت إليّ: “أفضل أن أبقى يقظًا، حتى لو كان ذلك على حساب راحتي الشخصية. لا أثق بأن الخطر يأتي فقط في الأوقات المتوقعة.”
جلسنا صامتين لفترة، أراقب معه المشهد الخارجي القاحل، حتى قلت أخيرًا: “شكرًا لك، على كل شيء منذ بداية هذه الرحلة.” نظر إليّ بدهشة خفيفة وسأل: “لماذا تشكرينني تحديدًا؟” أجبت: “لأنك القائد الحقيقي بيننا، حتى لو لم تحمل اللقب رسميًا. أنت من يبقينا متماسكين، ومن يفكر بهدوء حين يفقد البقية أعصابهم.” ابتسم ستارك ابتسامة نادرة وقال: “تعلمت ذلك من والدي، ومن الظروف الصعبة التي مررنا بها معًا. لكن صدقيني، لست الوحيد الذي يبقينا متماسكين. أنتِ أيضًا لديك دور كبير في هذا، حتى لو لم تلاحظيه بنفسك.”
شعرت بحرارة خفيفة تتسلل إلى وجهي، فتجنبت النظر إليه مباشرة وقلت: “ربما.” عاد الصمت بيننا مرة أخرى، لكنه كان صمتًا مريحًا هذه المرة، لا يحمل ثقل القلق المعتاد.
مع حلول المساء، استيقظ البقية تباعًا، وتناولنا وجبة خفيفة من الخبز المجفف واللحم المملح، قبل أن نستعد لمواصلة السير مع حلول الظلام مرة أخرى. قال أورين وهو يتفحص خريطته للمرة الأخيرة تحت ضوء خافت: “الليلة القادمة ستكون أكثر خطورة قليلاً؛ سنمر بالقرب من نقطة تفتيش ثابتة، رغم أننا لن نقترب منها مباشرة، لكن مجال رؤيتها يمتد لمسافة أبعد مما نرغب.”
انطلقنا مع حلول الظلام، وهذه المرة كان الجميع أكثر توترًا من الليلة السابقة، وكأن كلمات أورين زرعت قلقًا إضافيًا في نفوسنا جميعًا. سرنا لساعات طويلة، نتجنب أي منطقة مكشوفة قدر الإمكان، ونلتزم بالممرات الضيقة بين التلال الصخرية التي توفر غطاءً طبيعيًا من أعين أي مراقب بعيد.
في منتصف الليل تقريبًا، وبينما كنا نعبر منطقة منخفضة بين تلين، سمعنا فجأة صوت خطوات ثقيلة تقترب من اتجاه غير متوقع تمامًا. تجمد الجميع في أماكنهم، وأشار أورين بيده إشارة سريعة للاختباء خلف أقرب صخرة كبيرة. توارينا جميعًا بسرعة، أنفاسنا مكتومة، بينما اقتربت الخطوات أكثر فأكثر، حتى ظهر رجلان يرتديان زي الدوريات الإمبراطورية، يسيران ببطء وهما يتحدثان بصوت منخفض لا يمكننا تمييز كلماته بوضوح.
توقف الرجلان على مسافة قريبة جدًا منا، ربما لا تتجاوز عشرين خطوة، وأشعل أحدهما غليونًا صغيرًا، بينما بدأ الآخر يتفحص المنطقة المحيطة بعينين يقظتين. شعرت بقلبي يخفق بقوة، وأمسكت بذراع نور التي كانت بجانبي بإحكام دون وعي مني. مرت لحظات طويلة، بدت وكأنها ساعة كاملة، قبل أن يقرر الرجلان مواصلة طريقهما أخيرًا، مبتعدين في الاتجاه المعاكس لنا تمامًا.
انتظرنا دقائق إضافية بعد اختفائهما تمامًا، قبل أن يخرج أورين من مخبئه ويهمس: “كان ذلك قريبًا جدًا، أقرب مما توقعت.” قال كارل بصوت مرتجف قليلاً رغم محاولته إخفاء ذلك: “أعتقد أن قلبي توقف عن الخفقان لبضع ثوانٍ هناك.” حاولت إينا تهدئة الجميع بابتسامة خفيفة قائلة: “على الأقل نجونا، وهذا كل ما يهم الآن.” أومأ ستارك برأسه موافقًا، لكن ملامحه ظلت جادة، وكأنه يعيد تقييم مدى خطورة الطريق المتبقي أمامنا.
واصلنا السير بحذر أكبر بعد تلك الحادثة، وأصبح أورين أكثر توقفًا وتفحصًا للمحيط قبل كل خطوة إضافية. وصلنا إلى مخبأ جديد قبيل الفجر، هذه المرة كهفًا أعمق قليلاً من الكهف السابق، يوفر مساحة أكبر نسبيًا للراحة. بمجرد استقرارنا، انهار الجميع تقريبًا من التعب المتراكم، باستثناء ستارك الذي أصر مرة أخرى على أخذ الحراسة الأولى.
استلقيت على الأرض الصخرية، أحاول النوم رغم إرهاقي الشديد، لكن عقلي ظل مشغولاً بصورة الرجلين اللذين مرا بالقرب منا، وبمدى هشاشة الخيط الذي يفصلنا عن كارثة حقيقية في أي لحظة. فكرت في دارون، وتساءلت بصمت إن كان قد مر بلحظات مشابهة من الخوف والترقب خلال غيابه الطويل، وإن كان لا يزال قادرًا على الصمود مهما كانت الظروف قاسية.
استيقظت في وقت متأخر من بعد الظهر، لأجد إينا تجلس بجانبي تراقبني بابتسامة هادئة. قالت بمجرد أن فتحت عيني: “كنت تتحدثين في نومك قليلاً.” سألتها بقلق: “ماذا قلت؟” ابتسمت إينا وقالت: “لا شيء واضح، مجرد كلمات متقطعة، لكنني سمعت اسم دارون مرتين على الأقل.” شعرت بحرج خفيف، لكن إينا أضافت بلطف: “لا داعي للخجل، نحن جميعًا نحمل شيئًا يثقل صدورنا في هذه الرحلة.”
جلسنا معًا لبعض الوقت، نتحدث بصوت منخفض عن أشياء بسيطة، محاولين نسيان قلق الليلة السابقة ولو مؤقتًا. سألتها في لحظة: “هل تعتقدين أننا سنصل فعلاً؟ إلى مدينة البخار، وننجح في المهمة؟” فكرت إينا للحظة قبل أن تجيب بصدق: “لا أعرف بصراحة، لكنني أعرف أننا أقوى مما نظن، وأن الاستسلام لم يكن يومًا خيارًا مطروحًا بالنسبة لأي منا.” ابتسمت لها بامتنان، وشعرت بشيء من الطمأنينة يتسلل إلى داخلي رغم كل الخطر المحيط بنا.
مع حلول المساء، استعددنا لمواصلة رحلتنا الليلية مرة أخرى، وقال أورين وهو يتفقد مؤننا المتبقية: “بحسب حساباتي، تبقى لنا خمس ليالٍ إضافية قبل أن أضطر لتركم عند نقطة معينة، حيث ستكملون الطريق بأنفسكم حتى أطراف الجبهة الفعلية.” شعرت بثقل تلك الكلمات يستقر في صدري؛ خمس ليالٍ أخرى من التوتر والحذر الشديد، قبل أن نجد أنفسنا وحدنا تمامًا في أخطر جزء من الرحلة كلها.
انطلقنا مع حلول الظلام مرة أخرى، خطواتنا أكثر ثباتًا هذه المرة رغم التعب المتراكم، وكأن تجربة الليلة الفائتة، رغم خطورتها، منحتنا نوعًا من الثقة الحذرة بقدرتنا على تجاوز ما تبقى من هذا الطريق الطويل نحو الجبهة، ومن ورائها، نحو مصير لا يزال غامضًا تمامًا بالنسبة لنا جميعًا.