الفصل 242 - ظلال الحدود
استمر الطريق بعد درنسك أكثر جفافًا وقسوة مما توقعنا؛ الأرض هناك بدأت تفقد خضرتها تدريجيًا، وكأن الحرب البعيدة التي تشتعل عند حدود فيرون الغربية كانت تمتد بظلها حتى إلى هذه المناطق النائية، رغم أنها لا تزال بعيدة عنا بمئات الأميال. كانت الرياح تحمل معها غبارًا ناعمًا يلتصق بالملابس والشعر، فاضطررنا لتغطية وجوهنا بأوشحة خفيفة كلما اشتدت العاصفة الرملية الصغيرة التي تهب من حين لآخر.
في اليوم التاسع من رحلتنا، توقفنا عند نبع ماء صغير لنملأ قربنا ونمنح الخيول قسطًا من الراحة. جلست إينا على صخرة قريبة، تراقب الأفق بصمت، بينما انشغل جين بفحص حوافر جواده التي بدأت تُظهر علامات تعب واضحة. اقترب مني كارل وجلس بجانبي، وقال بنبرة أخف من المعتاد: “هل تعلمين، لم أسألك من قبل، ماذا كنت ستفعلين لو وجدنا دارون فعلاً في هذه الرحلة، رغم أنها ليست مخصصة للبحث عنه؟” نظرت إليه بدهشة، فأضاف بسرعة: “لا أقصد الإساءة، فقط أفكر بصوت عالٍ.”
فكرت في السؤال للحظة قبل أن أجيب: “لا أعرف بصراحة. ثلاث سنوات من التخيل، ومع ذلك لم أتخيل يومًا اللحظة نفسها بوضوح تام. أحيانًا أتخيل نفسي أعانقه فورًا، وأحيانًا أتخيل نفسي أصرخ في وجهه لأنه تركنا كل هذا الوقت دون أي إشارة.” ضحك كارل بخفة وقال: “ربما ستفعلين الاثنين معًا، هذا يبدو منطقيًا بالنسبة لكِ.” ابتسمت رغمًا عني، وشعرت للحظة بشيء من الدفء يتسلل إلى صدري، رغم كل الغبار والتعب المحيط بنا.
انضم إلينا ستارك بعد قليل، وجلس على الأرض مباشرة دون أن يهتم بالغبار الذي علق بملابسه. قال وهو ينظر إلى الأفق: “بحسب حساباتي، سنصل إلى المدينة الثانية بحلول الغد مساءً، إن لم تعترضنا أي عقبات.” سألت نور التي كانت تقف قريبة: “ما اسم هذه المدينة؟” أجاب ستارك: “تُدعى ريفكروس، وهي أكبر بكثير من درنسك، وتعتبر نقطة عبور رئيسية للتجار والمسافرين القادمين من الغرب، لذلك يجب أن نكون أكثر حذرًا هناك، فكثافة الحركة تعني أيضًا كثافة المراقبة.”
واصلنا السير بعد قسط قصير من الراحة، والشمس بدأت تميل نحو الغروب، صابغة السماء بدرجات من البرتقالي والأحمر الخافت. سرنا في صمت لبعض الوقت، حتى كسر جين ذلك الصمت بقوله: “أشتاق لسارة بصراحة، أكثر مما توقعت.” ابتسمت له بحنان وقلت: “أعرف هذا الشعور جيدًا.” نظر إليّ جين بتفهم، ثم أضاف: “أعدك أنني سأزورها فور عودتنا، مهما طال الوقت.” هز رأسه بحزم، وكأنه يقنع نفسه بذلك الوعد أكثر مما يخبرنا به.
في تلك الليلة، خيّمنا عند سفح تل صغير، وأشعلنا نارًا متواضعة لطهي وجبتنا. جلست إينا تراقب النار بتركيز غريب، فسألتها: “بم تفكرين؟” أجابت دون أن ترفع عينيها: “أفكر في مدى الحظ الذي نملكه حتى الآن. لم نواجه أي مشاكل حقيقية منذ خروجنا من فيرون، وهذا بحد ذاته أمر يثير قلقي أكثر من طمأنته.” علق كارل بمزاح خفيف: “ألا يمكنك الاستمتاع بالسلام لبضعة أيام دون البحث عن مصائب محتملة؟” ابتسمت إينا وقالت: “ربما أنت محق، لكن خبرتي علمتني أن الهدوء الطويل غالبًا ما يسبق عاصفة كبيرة.”
لم تمر ساعة على كلامها حتى بدأنا نسمع أصوات حوافر خيول تقترب من بعيد، عدد كبير منها يبدو، ينبعث من اتجاه الطريق الرئيسي القريب من مخيمنا. تبادلنا النظرات بسرعة، وأطفأ ستارك النار على الفور بحركة واحدة سريعة، بينما توارينا خلف صخور قريبة، نراقب الطريق بصمت تام. مرت مجموعة من الفرسان، يرتدون دروعًا رمادية داكنة تحمل شعارًا لم أتعرف عليه، عددهم يقارب العشرين فارسًا، يتحركون بانضباط عسكري صارم.
همست نور: “من هؤلاء؟” أجابت إينا بصوت أخفض من الهمس: “دورية استطلاع تابعة للإمبراطورية على الأرجح، ربما تكون هذه أول علامة حقيقية على اقترابنا من نطاق نفوذها المباشر.” انتظرنا حتى اختفى صوت الحوافر تمامًا في الظلام، قبل أن يخرج ستارك من مخبئه ويقول بصوت منخفض: “سنحتاج إلى توخي حذر أكبر من الآن فصاعدًا. لا مزيد من النيران الليلية الظاهرة، ولا مزيد من التوقف في العراء دون تمويه مناسب.”
في صباح اليوم التالي، تابعنا طريقنا بحذر أكبر، نتجنب الطريق الرئيسي كلما أمكن ذلك، ونسلك دروبًا جانبية أقل استخدامًا رغم أنها أطول قليلاً. وصلنا إلى مدينة ريفكروس في وقت متأخر من بعد الظهر، وكانت بالفعل أكبر بكثير من درنسك؛ أسوار مرتفعة تحيط بها بالكامل، وبوابات ضخمة يحرسها عشرات الجنود، وحركة تجارية كثيفة تمتلئ بها الشوارع الخارجية قبل الدخول حتى.
دخلنا المدينة واحدًا تلو الآخر، بفارق زمني بسيط بيننا كي لا نبدو مجموعة موحدة تلفت الانتباه. كان الحارس عند البوابة يفحص كل قادم بسرعة، يسأل عن وجهته وغرضه من الزيارة، ثم يسمح له بالمرور دون تدقيق عميق، على عكس ما توقعناه. بمجرد أن اجتمعنا جميعًا في الداخل، سرنا معًا نحو حي أقل ازدحامًا، حيث وجدنا نزلاً متوسط الحجم بدا مناسبًا لإقامة قصيرة.
في تلك الليلة، جلسنا جميعًا في غرفة واحدة، نتناقش حول الخطوة التالية. قال ستارك: “بحسب المعلومات التي جمعناها حتى الآن، ريفكروس تبعد عن أطراف الجبهة الحقيقية بمسافة يومين إضافيين فقط. من هنا فصاعدًا، ستصبح الأمور أكثر تعقيدًا بكثير.” سألت كارل: “ما رأيك أن نجمع بعض المعلومات من هنا قبل المغادرة؟ ربما نجد تجارًا أو مسافرين مروا بالجبهة من قبل ويمكنهم إخبارنا بشيء مفيد.” وافق ستارك على الفكرة، وقرر أن يذهب كارل ونور لجمع المعلومات من الحانات المحلية، بينما بقي الباقون في النزل لتجهيز المؤن اللازمة للمرحلة القادمة.
عاد كارل ونور بعد ساعات قليلة، ووجوههما تحمل تعابير جدية غير معتادة منهما. قال كارل بمجرد دخوله: “الأمر أسوأ مما توقعنا. الجبهة ليست مجرد معسكر عسكري كبير، إنها مدينة عسكرية كاملة، تمتد لعشرات الكيلومترات، وتضم عددًا هائلاً من الجنود لا يمكن تقديره بدقة، بالإضافة إلى عدد غير معروف من المتحكمين المتقدمين والشاملين ضمن صفوفها.” أضافت نور: “سمعنا أيضًا أن هناك طبقات متعددة من الدفاعات؛ خط أمامي من الجنود العاديين، ثم خط ثانٍ من القوات النخبة، وأخيرًا حرس شخصي يحيط بقيادة الجبهة نفسها.”
ساد صمت ثقيل في الغرفة، قبل أن تقول إينا: “هذا يعني أن أي محاولة تسلل مباشرة ستكون انتحارًا تقريبًا.” أومأ ستارك برأسه موافقًا وقال: “لهذا لن نحاول التسلل مباشرة من الأساس. سنحتاج إلى إيجاد ثغرة، نقطة ضعف، أو ربما طريق بديل يتجنب الجبهة كليًا، حتى لو كان أطول بكثير.” سألت جين: “هل هذا ممكن أصلاً؟” أجابت إينا بتردد: “ربما، لكنه سيتطلب معلومات أكثر تفصيلاً بكثير مما نملكه الآن، وربما مساعدة من أشخاص يعرفون المنطقة جيدًا.”
في تلك اللحظة، اقترحت أنا فكرة كانت تدور في ذهني منذ وصولنا إلى ريفكروس: “ماذا لو حاولنا الاستعانة بمرشد محلي؟ شخص يعرف المنطقة الحدودية جيدًا، ربما أحد المهربين أو الصيادين الذين اعتادوا التنقل بالقرب من الجبهة دون أن يلفتوا الانتباه.” نظر إليّ ستارك بتفكير عميق وقال: “فكرة جيدة، لكنها تحمل خطرها الخاص أيضًا؛ من يضمن ولاء مرشد كهذا؟ قد يبيعنا للإمبراطورية بسهولة إن وجد في ذلك مكسبًا أكبر.” أجبته: “لن نعرف إلا إن حاولنا، وعلى أي حال، لا يبدو أن لدينا خيارات كثيرة أخرى في الوقت الراهن.”
بعد نقاش طويل استمر حتى ساعة متأخرة من الليل، اتفقنا على قضاء يومين إضافيين في ريفكروس، نحاول خلالهما العثور على مرشد موثوق يمكنه مساعدتنا في تخطي الجبهة بأمان، أو على الأقل تزويدنا بمعلومات كافية تمكننا من التخطيط لطريق بديل. توزعت المهام بيننا؛ كارل وجين سيتوليان البحث في أحياء التجار والمهربين المعروفين بعلاقاتهم الواسعة، بينما ستتولى نور وإينا التحقق من مصادر أكثر رسمية، مثل موظفي الجمارك المحليين الذين قد يملكون معلومات دقيقة عن نقاط الضعف في نظام المراقبة الحدودي.
أما أنا وستارك، فقررنا قضاء الوقت في مراقبة حركة المدينة نفسها، محاولين فهم أنماط التنقل بين ريفكروس والمناطق المجاورة للجبهة، عسى أن نجد خيطًا مفيدًا من خلال الملاحظة المباشرة وحدها. جلسنا في مقهى صغير يطل على الساحة الرئيسية للمدينة، نراقب القوافل التجارية وهي تدخل وتخرج، ونحاول تمييز أي نمط متكرر قد يشير إلى طريق آمن نسبيًا.
قال ستارك بعد فترة صمت طويلة: “أتعلمين، منذ بداية هذه الرحلة، لم أسألك عن شعورك الحقيقي تجاه كل هذا.” نظرت إليه بدهشة، فأكمل: “أعني، أنت تحملين عبئًا مختلفًا عنا جميعًا. نحن نبحث عن دارون لأننا نؤمن بصداقتنا معه، لكن بالنسبة لك، الأمر أعمق من ذلك بكثير، أليس كذلك؟” صمت للحظة قبل أن أجيب بصدق: “نعم، أعمق بكثير. لكنني لا أريد أن يشعر أي منكم بأنكم مضطرون لتحمل هذا العبء معي إلى الأبد. أعرف أن ثلاث سنوات طويلة جدًا، وأنكم ربما تستحقون حياة أكثر استقرارًا.”
هز ستارك رأسه بحزم وقال: “لا تفكري بهذه الطريقة أبدًا. اخترنا هذا الطريق بأنفسنا، ولم يفرضه أحد علينا. دارون لم يكن مجرد صديق بالنسبة لنا، بل كان السبب الذي جعل كل واحد منا يصبح أفضل نسخة من نفسه. أنا مدين له بأكثر مما تتخيلين.” شعرت بدمعة تكاد تنساب من عيني، فتمالكت نفسي بسرعة وقلت: “شكرًا لك، حقًا.” ابتسم ستارك ابتسامة نادرة، ثم عاد بصره إلى الساحة أمامنا، وكأن تلك اللحظة من الصدق لم تكن سوى استراحة قصيرة وسط رحلة طويلة وشاقة.
مرت الساعات المتبقية من ذلك اليوم بهدوء نسبي، ثم اجتمعنا جميعًا في النزل مساءً لمقارنة ما توصل إليه كل فريق. لم يكن كارل وجين قد وجدا مرشدًا موثوقًا بعد، لكنهما حصلا على اسم رجل يُدعى “أورين”، يُقال إنه أفضل من يعرف الطرق البديلة حول الجبهة، لكنه نادرًا ما يقبل بمرافقة الغرباء. أما نور وإينا، فقد جمعتا بعض المعلومات العامة عن نقاط التفتيش المعروفة، دون أن تحصلا على شيء حاسم بعد.
قال ستارك بعد سماع التقارير: “غدًا سنحاول الوصول إلى هذا الرجل، أورين. إن كان بإمكانه مساعدتنا فعلاً، فقد يوفر علينا أسابيع من المخاطرة والتخطيط العشوائي.” أومأ الجميع موافقين، وانتهى ذلك اليوم الطويل بشعور مختلط من الأمل الحذر والقلق المكتوم، بينما بقيت أنا مستيقظة لبعض الوقت الإضافي، أتأمل قطعة القماش المحترقة التي لا تفارقني أبدًا، وأتساءل بصمت كم من الوقت والصبر سيتطلبه هذا الطريق الطويل قبل أن نصل أخيرًا إلى نهايته.