الفصل 241 - الطريق نحو الجبهة
مرت الأيام الأولى من الرحلة بهدوء نسبي، خيولنا الخمسة تقطع الطريق الممتد غربًا، بعيدًا عن أسوار فيرون التي تصغر شيئًا فشيئًا خلفنا. لم يكن أحد منا يتحدث كثيرًا في تلك الأيام، فكل واحد كان غارقًا في أفكاره الخاصة، وحده صوت حوافر الخيول وصرير العجلات يملأ الصمت بيننا.
في الليلة الثالثة، بينما كنا نُخيّم قرب نهر صغير، جلسنا حول النار نتناول عشاءنا البسيط. قال كارل وهو يمضغ قطعة خبز جافة: “أشعر أننا لم نبتعد عن فيرون بما يكفي لنستحق كل هذا التعب في الجلوس.” ضحكت نور وقالت: “انتظر حتى تبدأ الأيام تتكرر بلا نهاية، حينها ستشتاق لهذه الليلة بالذات.” هز جين رأسه موافقًا دون أن يعلق، بينما ظل ستارك صامتًا، عيناه معلقتان بالنار أمامه.
سألته إينا بلطف: “بم تفكر؟” رفع رأسه وقال: “أفكر في المسافة التي أمامنا. لن تكون رحلة سهلة، وأول ما سنواجهه بعد أن نعبر هذه الأراضي هو الجبهة.” ساد صمت قصير بيننا، فأضافت إينا موضحة: “الجبهة هي أكبر تجمع عسكري تملكه الإمبراطورية بأكملها، قوة ضخمة منتشرة عند حدودها الغربية، مهمتها الأساسية صد أي غزو خارجي محتمل.” قال جين بصوت هادئ: “بمعنى آخر، ستكون أول عقبة حقيقية أمامنا، وربما أصعب ما سنواجهه في هذه الرحلة بأكملها.”
ضحك كارل ضحكة متوترة وقال: “رائع، بداية موفقة لمهمتنا إذن.” لم يعلق أحد على مزحته هذه المرة، إذ كان الجميع مدركًا حجم التحدي الحقيقي الذي ينتظرنا. قالت إينا بجدية: “لن يكون الأمر سهلاً، ولا سريعًا. تخطي الجبهة وحدها قد يستغرق منا وقتًا طويلاً، أطول بكثير مما نتخيل. لا مجال للتسرع هنا، فأي خطأ واحد قد يكشف أمرنا لآلاف الجنود دفعة واحدة.” أومأ ستارك برأسه وقال: “بالضبط، لهذا سنتحرك بحذر شديد، خطوة بخطوة، دون استعجال.”
في اليوم السابع من رحلتنا، وصلنا إلى أول مدينة في طريقنا، مدينة صغيرة تُدعى “درنسك”، تقع عند حافة الأراضي المتنازع عليها، لا تزال بعيدة عن الجبهة نفسها بمسافة أيام. كانت المدينة أصغر بكثير مما توقعت، أسوارها منخفضة نسبيًا، وشوارعها ضيقة ومزدحمة بالباعة والمسافرين العابرين. لكن ما لفت انتباهي أكثر من أي شيء آخر كان الحضور العسكري الملحوظ فيها؛ جنود في كل زاوية تقريبًا، دوريات تمر بانتظام صارم، وأعلام غريبة عني معلقة على أبراج المراقبة.
قال ستارك بصوت منخفض ونحن نسير عبر الشارع الرئيسي: “من الآن فصاعدًا، لا أحد يتحدث بصوت مرتفع، ولا أحد يلفت الانتباه بأي شكل.” أجابت نور بصوت هامس: “نبدو كمسافرين عاديين، هذا كل ما نحتاجه.” اخترنا نزلاً متواضعًا في طرف المدينة، وبقينا فيه ليلة واحدة فقط، نراقب من بعيد حركة الجنود وأنماط دورياتهم، محاولين فهم طبيعة النظام الذي يحكم هذه المنطقة الحدودية قبل أن نواصل طريقنا.
جلست في تلك الليلة عند نافذة الغرفة، أراقب الشارع أسفلي وهو يخلو تدريجيًا من المارة مع اقتراب منتصف الليل، بينما بقيت الدوريات وحدها تجوب الأزقة بخطى منتظمة. انضم إليّ ستارك بعد قليل، ووقف بجانبي صامتًا للحظات قبل أن يقول: “تفكرين فيه مرة أخرى؟” لم أجب مباشرة، بل اكتفيت بابتسامة خفيفة، فأضاف: “لا بأس، لست مضطرة للحديث عن الأمر إن لم ترغبي.” شكرته بإيماءة صغيرة، وبقينا صامتين معًا نراقب الليل يهبط على مدينة غريبة عنا كلانا.
في صباح اليوم التالي، غادرنا درنسك مبكرًا، متجهين نحو المدينة الثانية في طريقنا، والتي كان من المفترض أن تكون أقرب بكثير إلى حدود الجبهة الحقيقية. وأثناء سيرنا، صعدنا لبرهة إلى تلة مرتفعة على جانب الطريق لنستريح قليلاً وننظر إلى ما ينتظرنا. من هناك، بدا الأفق البعيد يحمل خطًا رماديًا خفيفًا يمتد على طول الأرض، ليس سحابة مطر، بل غبارًا متصاعدًا من مصدر بعيد جدًا لم نتمكن من تحديده بوضوح.
همست إينا: “ربما تلك بداية أطراف الجبهة، رغم أننا لا نزال بعيدين عنها.” شعرت بقشعريرة خفيفة وأنا أتأمل ذلك الخط الرمادي البعيد، فأدركت حينها أن ما تبقى من رحلتنا لن يكون بالسهولة التي تخيلتها في البداية. نظر ستارك إلى الجميع وقال: “لنكمل طريقنا، ما زال أمامنا الكثير لنقطعه اليوم.” نهضنا جميعًا واستأنفنا السير، بينما بقي ذلك الخط الرمادي البعيد يرافقنا في زاوية أعيننا طوال بقية النهار، تذكيرًا صامتًا بأن الطريق أمامنا لم يبدأ صعوبته الحقيقية بعد.