الفصل 240 - الاستعدادات
استيقظت في صباح اليوم التالي على رائحة الخبز الطازج تتسلل من تحت باب غرفتي، ولوهلة ظننت أنني ما زلت في الحلم نفسه الذي طاردني طوال الليل، حلم دارون يقف في مكان بعيد، يمد يده نحوي دون أن يتمكن أحدنا من الوصول إلى الآخر. نهضت وغسلت وجهي بالماء البارد، ثم نزلت إلى الطابق السفلي حيث كانت سارة تُعد الفطور بنفسها، بينما كانت النادلات الثلاث ينظفن الطاولات بحماس صباحي معتاد.
بمجرد أن رأتني سارة، ابتسمت وقالت: “نمتِ جيدًا؟” أجبتها وأنا أجلس على أحد المقاعد: “أفضل من المعتاد، رغم كل شيء.” وضعت أمامي طبقًا من الخبز الدافئ والعسل، وجلست مقابلي، ثم سألت بصوت أخفض: “هل ستذهبون بعيدًا هذه المرة؟” أومأت برأسي: “ثلاثة أشهر سفرًا، ثم مهمة لا أعرف متى ستنتهي.” تنهدت سارة وقالت: “كنت أتمنى أن تحصلي على قسط أطول من الراحة، لكنني أعرف طبيعتكم، لن ترتاحوا حتى تجدوه.”
لم أجب، واكتفيت بابتسامة صغيرة قبل أن أنهي فطوري وأخرج إلى الشارع. كان الاتفاق أن نجتمع جميعًا عند الظهيرة في مقر الفرسان، لنراجع تفاصيل المهمة قبل التحرك في اليوم التالي. سرت عبر السوق الذي أصبح أكثر ازدحامًا مما تذكرته، أراقب الوجوه من حولي، أطفالًا يركضون، تجارًا ينادون على بضائعهم، جنودًا يتدربون في ساحة قريبة. كل هذا الازدهار كان نتيجة سنوات من الجهد، جهد لم يكن لي فيه إلا القليل، إذ قضيت معظم تلك السنوات أطارد خيوطًا واهية عن رجل قد يكون قد مات منذ زمن طويل.
وصلت إلى مقر الفرسان في الوقت المحدد تقريبًا، لأجد ستارك واقفًا عند المدخل، ذراعاه معقودتان، ونظرة جدية على وجهه لم تفارقه منذ خروجنا من مكتب والده بالأمس. قال بمجرد أن رآني: “لم يصل كارل بعد، كعادته.” ابتسمت وقلت: “لا بد أنه ما زال يحاول إقناع ماري بأنه لم ينسها بها ولو للحظة طوال غيابه.” هز ستارك رأسه بابتسامة خفيفة، وهي الابتسامة النادرة التي لا تظهر على وجهه إلا حين يكون مرتاحًا حقًا.
بعد دقائق قليلة، ظهر كارل يركض من بعيد، أنفاسه متقطعة، ووجهه يحمل ملامح خجل واضح. قال وهو يلهث: “آسف، آسف، الأمر استغرق وقتًا أطول مما توقعت.” سألته نور التي وصلت قبله بقليل: “ماذا فعلت بالضبط؟” أجاب كارل بتلعثم: “لا شيء، فقط… اعتذرت لماري عن غيابي الطويل.” ابتسمت إينا التي انضمت إلينا للتو وقالت بمرح: “أراهن أن اعتذارك كان طويلاً بما يكفي ليشمل قبلة أو اثنتين.” احمر وجه كارل بالكامل، بينما ضحك جين بصوت منخفض دون أن يعلق.
دخلنا جميعًا إلى قاعة الاجتماعات الكبيرة، حيث كانت خريطة ضخمة للقارة معلقة على الجدار الرئيسي، تمتد من فيرون في الشرق حتى حدود الإمبراطورية في الغرب. أشار ستارك إلى الطريق المرسوم بخط أحمر وقال: “سنمر عبر ثلاث مدن على الأقل قبل الوصول إلى حدود الإمبراطورية، وبعدها سنحتاج إلى التسلل بهدوء تام حتى مدينة البخار، حيث يقيم الدوق فيلمونت.” سألت نور: “هل لدينا أي معلومات عن دفاعات المدينة؟” أجابت إينا: “معلومات محدودة فقط، لكننا نعلم أن الدوق يحيط نفسه بحرس شخصي من المستوى الرابع، وربما أكثر.”
ساد صمت قصير في القاعة، قبل أن يقول كارل بنبرة أخف قليلاً: “حسنًا، مهمة مستحيلة تقريبًا، لكننا اعتدنا على هذا النوع من المهام.” أجابه جين بجفاف: “لم نواجه من قبل مهمة تتضمن التسلل إلى قصر أحد أهم رجال إمبراطورية بأكملها.” رد كارل بابتسامة: “بالضبط، لهذا ستكون مثيرة أكثر من المعتاد.” تنهدت نور بصوت مسموع، بينما اكتفيت أنا بالنظر إلى الخريطة، أتخيل الطريق الطويل الذي ينتظرنا، والخطر الذي يتربص بنا في نهايته.
بعد ساعة من النقاش حول التفاصيل، توزيع المهام، وترتيب المؤن اللازمة للرحلة، أنهى ستارك الاجتماع قائلاً: “نتحرك غدًا عند الفجر. من لديه أمور شخصية عليه إنهاؤها، فليفعل ذلك اليوم.” تفرق الجميع مرة أخرى، وهذه المرة كان جين أول من غادر، بخطى سريعة لا تخفي شوقه لرؤية سارة أخيرًا.
سرت أنا نحو أطراف المدينة، حيث كانت هناك تلة صغيرة أعتاد الجلوس عليها كلما احتجت للتفكير بمفردي. جلست هناك حتى غروب الشمس، أراقب الأفق البعيد الذي يمتد نحو الشرق، نحو حدود الإمبراطورية، نحو المكان الذي بدأت منه رحلة البحث الطويلة قبل ثلاث سنوات. لم أكن أعرف حينها أن هذه المهمة الجديدة ستكون بداية شيء أكبر.
أخرجت من جيبي قطعة قماش صغيرة محترقة الأطراف، بقايا عباءة كان دارون يرتديها في آخر مرة رأيناه فيها، الشيء الوحيد الذي تبقى لنا منه بعد أن ابتلعته النيران والدمار في تلك الليلة المشؤومة قبل ثلاث سنوات. أمسكتها بقوة وهمست لنفسي: “أينما كنت الآن، انتظرني، سأجدك مهما استغرق الأمر.”
في صباح اليوم التالي، اجتمعنا جميعًا عند البوابة الشرقية لفيرون، الخيول مستعدة والمؤن محملة، والفرقة الكاملة حاضرة؛ ستارك، كارل، جين، نور، وإينا، إلى جانبي. ودّعنا يوليوس بنفسه عند البوابة، ووضع يده على كتف ابنه قائلاً: “عودوا سالمين، هذا كل ما أطلبه.” أومأ ستارك برأسه دون أن يجيب بكلمات، واعتلى صهوة جواده.
نظرت إلى فيرون للمرة الأخيرة قبل أن ننطلق، إلى أسوارها الشاهقة وأبراجها التي شهدت على كل ما مررنا به، ثم استدرت نحو الطريق الممتد أمامنا، طريق طويل نحو مدينة البخار، ونحو مصير لم يكن أي منا يتخيل حجمه الحقيقي بعد. انطلقت الخيول الخمسة معًا، تاركة خلفها غبار الطريق، ومدينة بدأت تصغر شيئًا فشيئًا في الأفق، بينما اتسع الطريق أمامنا نحو المجهول.