الفصل 239 - قصر يوليوس
سارعنا جميعًا إلى قصر يوليوس بخطى واسعة، والصدمة لا تزال بادية على وجوهنا. تجاوزنا عشرات الجنود دون أن نتبادل كلمة واحدة، حتى وصلنا إلى مكتب يوليوس. فتح ستارك الباب بقوة هزت المكتب بأكمله. كان يوليوس جالسًا خلف مكتبه، وإينا وجاسبر أمامه، وبمجرد دخولنا التفت الجميع بنظراتهم نحونا في آن واحد.
قال ستارك بصوت غليظ: “والدي، ماذا يحدث ماذا بحقك؟ اندلاع حرب مع الإمبراطورية؟ هذا جنون.” أجابه يوليوس بنبرة هادئة: “اهدأ يا ستارك، لا يوجد ما يدعو للقلق.” صرخ ستارك في وجهه: “اهدأ؟ أتسخر مني الآن؟ من برأيك سيكون الأكثر تضررًا في هذه الحرب؟ إنها فيرون نفسها التي تقع على خط القتال. أتقول إنك خضعت لأطماع أولئك الأوغاد بهذه السهولة؟”
أسقط يوليوس كفه على مكتبه، فاهتزت الغرفة بأكملها، مقاطعًا ابنه: “ستارك، أنت تتجاوز حدودك، هذه ليست نبرة يتحدث بها فارس لفارس كبير.” تراجع ستارك عدة خطوات، وعلى وجهه تعابير مضطربة، قبل أن يقول أخيرًا: “إذن اشرح نفسك يا أبي.” تنهد يوليوس بعمق وقال: “كنت سأشرح لك الوضع على كل حال، فأنت بحاجة إليه، وأصدقاؤك كذلك.”
أكمل يوليوس بنبرة إرشادية خالية من أي انفعال: “نحن تابعون للممالك المتحدة، وهي أحد عشر مملكة اتحدت معًا لتشكل قوة قادرة على الوقوف في وجه الأعداء الخارجيين.” صمت قليلاً ثم أضاف: “فيرون جزء من الدوقية ميلتون، التي تقف على الخط المباشر مع إمبراطورية الشفق الذهبي.”
أغمض يوليوس عينيه للحظة وهو يتأمل، ثم قال: “مات الإمبراطور قبل سنتين، وسقط ولي عهده قبل عدة عقود. تواجه الإمبراطورية الآن خمس قوى دفعة واحدة؛ مملكة نيفيا من الشمال، وقبائل البدو من الجنوب، واتحاد الجزر من الجنوب الشرقي، ومملكة أسورا من الشرق، وأيضًا هجمات البرابرة من الشمال، ونحن ننوي الانضمام من الغرب.” تنهد ليكمل: “أرسلت الدوقيات العشر الباقية عشرة متجلين مع جيش لا يقل عن أربعين ألف مقاتل، وهذا يمثل كامل قواتنا الحقيقية تقريبًا، بل واجتمع ثلاثة ممن بلغوا مرتبة التجسيد، ونعتزم سحق الإمبراطورية منذ الدفعة الأولى.”
تنهد ستارك بعمق شديد ثم سأل بلهجة جادة: “ما هي الأسباب الحقيقية لبدء هذه الحرب؟” أجابه يوليوس بهدوء: “يريد الدوقات اتخاذ دين القمح وحادثة الأميرة سيفيا ذريعة معلنة للحرب، أما الحقيقة فهي أطماعهم في الحصول على جزء من الإمبراطورية المتهاوية أصلاً.”
سألت نور بفضول: “دين القمح وحادثة الأميرة سيفيا؟” أجابتها إينا بهدوء: “قبل خمسة عشر عامًا، أقرضنا الإمبراطورية كمية هائلة من القمح لسد أزمتها، ومع ذلك لم نحصل على أي مقابل حتى اليوم. أما الأميرة سيفيا، فقد اختُطفت قبل ثلاثة أشهر من قبل الإمبراطورية، أو بدقة أكبر، على يد الدوق فيلمونت شخصيًا.”
صمتت إينا قليلاً ثم أكملت: “يُعتبر الدوق فيلمونت أحد ركائز الإمبراطورية، رجل فاسد وحاد الذكاء، ويُصنف التاسع من حيث أهمية الأشخاص في الإمبراطورية بأكملها. ومهمتكم هي التسلل إليه وإنقاذ الأميرة.” صاح كارل: “ماذا؟! أتقول إن علينا دخول الإمبراطورية التي هي عدونا، والتسلل إلى منزل أحد أكثر الأشخاص حماية فيها، وإنقاذ امرأة والهروب بهذه السهولة؟”
ضحكت إينا بخفة وقالت: “ردة فعلك طبيعية تمامًا، حتى أنا سأعاني في هذه المهمة، ولهذا طُلب مني مرافقتكم.” أطلق الجميع تنهيدة واحدة موحدة. أجاب يوليوس بابتسامة: “لن أرسلكم في مهمة بهذه الخطورة بسهولة على أي حال.” وضعت إينا كفيها على خديها وقالت: “يا لكم من أطفال لطيفين، ردود أفعالكم لطيفة للغاية. لا تقلقوا، هذه الأخت الكبرى ستعتني بكم جيدًا وتحرص على راحتكم.”
تمتم ستارك بقلق: “ها قد بدأت مرة أخرى.” سألته: “بدأت ماذا؟” فأجاب بتنهيدة يأس: “نوبتها المعتادة، إنها مهووسة باللطافة.” كانت إينا من أكثر الأشخاص هدوءًا بالنسبة لي، فلم أتوقع أن يكون لها هذا الجانب من شخصيتها. دوى صوت إينا فجأة: “أعلم أنكم لستم بلطافة دارون الصغير، لكنكم لطيفون بطريقتكم الخاصة.”
سألتها بدهشة: “ماذا تقصدين بدارون؟ ماذا فعلتِ به؟” أجابت بابتسامة نشوة: “كان دارون لطيفًا وبريئًا للغاية، ومن السهل تعليمه أشياء مختلفة. لا تتخيلين كم كان مشبعًا منظر احمراره خجلاً عندما علّمته كيف يثني على صدر المرأة ومؤخرتها.” تمتمت بغضب: “هذه الملعونة، كيف تجرأت على تدنيس حبيبي؟”
أمسكتني نور من الخلف، بينما وقف كارل بيننا وقال: “اهدأا، اهدأا، ليس هذا وقت الشجار.” تداركت إينا الموقف وقالت بصوت متعثر: “آسفة، آسفة، كنت فقط متحمسة قليلاً حينها.” تراجعت وأنا لا أزال غاضبة، لتقول نور بصوت ثابت: “إذن مهمتنا إنقاذ الأميرة، بينما تندلع حرب كاملة بيننا وبين الإمبراطورية في الوقت نفسه.”
اكتفى يوليوس بالابتسام وقال بصوت لطيف ونبرة هادئة: “لا تقلقوا بشأن أي شيء، على الأرجح أن هذه الحرب لن تدوم أكثر من عام واحد، وستكون نتيجتها مرضية للجميع.” قال ستارك: “من السخيف حصر حرب في نطاق زمني محدد مسبقًا، هذا أحد الدروس التي علمتني إياها بنفسك في صغري يا أبي.” ضحك يوليوس بخفة وقال: “حسنًا، معك حق. لكن حاليًا عليكم الذهاب والاستعداد لمهمتكم؛ ستكون مهمة شاقة وطويلة، وستحتاجون إلى ثلاثة أشهر لبلوغ مدينة البخار، حيث يتواجد الدوق فيلمونت وأتباعه.”
غادر الجميع المكتب بمزاج متشائم، وقال كارل بنبرته المرحة المعتادة: “يا له من يوم عظيم، لم تمض ساعة واحدة على عودتنا من القبائل في الجنوب حتى نحصل على مهمة طويلة أخرى دون أي راحة.” أجابه جين: “حسنًا، لقد تعودنا على السفر بعد كل شيء، لن يتغير شيء كبير.”
افترق الجميع بعدها، كل واحد اختار وجهته الخاصة؛ ذهب ستارك إلى مقر الفرسان، بينما اختارت نور زيارة منزل أهلها، واختار كارل التوجه إلى مقر نقابة المرتزقة لإعلان عودتهم رسميًا، رغم أنه كان يحمل في داخله نية خفية لرؤية ماري هناك. أما جين، فكان يتوق بشدة لمقابلة سارة، لكنه كان كريمًا بما يكفي ليمنحني لحظة اللقاء الأول بها، فتراجع مع وعد بزيارتها في الغد.
سرت وحدي عبر المدينة وشوارعها التي اختلفت كثيرًا منذ آخر مرة تجولت فيها؛ أصبحت الشوارع أوسع وأكثر ازدحامًا. سرت لدقائق قبل أن أصل إلى نزل يبلغ حجمه ضعف النزل الذي اعتدت المكوث فيه سابقًا، يحمل منظرًا عتيقًا مع بعض الترميمات الحديثة التي أضفت عليه طابعًا عصريًا. هذا التناقض بالتحديد منحه شهرة واسعة هذه الأيام. كان بطبيعة الحال نزل سارة، الذي اختارت تسميته “نزل الرحالة”. عند فتح الباب استقبلتني ثلاث نادلات تتراوح أعمارهن بين الرابعة عشرة والسابعة عشرة، بينما كانت سارة في المطبخ.
قالت النادلة الأصغر: “مرحبًا سيدتي، هل تحتاجين لطعام الليلة أم غرفة للمبيت؟” ابتسمت الفتاتان الأخريان، وتجولت نظراتي بينهن قبل أن أقول بصوت غليظ: “أين سارة؟ نادوها حالاً.” تلعثمت النادلة الأصغر وقالت: “هل ارتكبت خطأ يا سيدتي؟ أنا أعتذر حقًا.” وقبل أن أجيب، اندفعت نحوي امرأة في منتصف العمر بعناق قوي هزّ عظامي من شدته.
صاحت المرأة بسعادة: “عزيزتي، لقد عدتِ! لقد اشتقت إليك حقًا، لماذا لم تخبريني بموعد عودتك يا إيمي؟” اندهشت النادلات الثلاث من المشهد أمامهن، فاستدارت سارة نحوهن وقالت: “هذه الفتاة ابنة أختي، عاشت معي طوال الوقت قبل وصولكن إلى هنا.” سألتها بفضول: “من هؤلاء الأرانب اللطيفة؟ لم تخبريني عنهن من قبل.”
التفتت سارة إليّ بابتسامة لطيفة وقالت: “هؤلاء بناتي الجديدات، يعملن كنادلات لمساعدتي في إدارة هذا النزل الكبير.” ثم اقتربت من أذني وهمست بلطف: “إنهن يتيمات، تكفلت بهن.” تمددت بعمق ثم تنهدت وقلت وأنا أتجه نحو الدرج: “آسفة يا خالتي، أنا متعبة جدًا الآن، سأذهب للنوم ونتكلم غدًا.” أجابتني: “حسنًا، خذي راحتك جيدًا.” وقبل أن أصعد، غمزت لها وقلت: “بالمناسبة، سيزورك جين غدًا، عليك أن تتزيني جيدًا.” فأجابت سارة متلعثمة: “ماذا؟ ماذا تقصدين ماذا بحقك؟ أنا لا أقصد أي شيء.”