الفصل 238 - العودة إلى فيرون
ثلاث سنوات. لم تكن مدة قصيرة أبدًا. ثلاث سنوات كاملة مضت في ومضة واحدة، ومع ذلك، حين التفتنا إلى الوراء، شعرنا وكأننا كنا غائبين عن العالم لقرن كامل. تغير الكثير خلال هذه السنوات، بل اختفى الكثير وظهر الكثير، سقطت أسماء وصعدت أخرى، تبدلت مدن وممالك، وُلدت تحالفات جديدة، بينما اختفت تحالفات ظننا يومًا أنها ستبقى إلى الأبد. لكن أكثر ما تغير، كان نحن.
كنا عائدين إلى فيرون بعد رحلة دامت عامًا كاملاً. وقفت فوق تلة مرتفعة تطل على المدينة، وتركت بصري يتجول بين أسوارها ومبانيها وأبراجها، ولم أستطع منع نفسي من الصمت. كانت فيرون مختلفة تمامًا، بل بالكاد استطعت أن أصدق أنها المدينة نفسها التي غادرناها قبل سنوات. لقد أصبحت أكبر بكثير خلال هذا العام وحده، فما بالك بالسنوات الثلاث كاملة؟
كنا غارقين طوال تلك الفترة في رغبة واحدة فقط، البحث عن دارون. كنا نركض خلف أي خيط، ننتقل من مكان إلى آخر، نتتبع الشائعات، نسأل الغرباء، نفتش في المدن والقرى والمناطق النائية، حتى إننا نسينا أن العالم نفسه لم يتوقف من أجلنا. لقد استمر العالم في التحرك، ومع كل خطوة قطعناها بحثًا عنه، كانت فيرون تخطو عشر خطوات نحو المستقبل. أصبحت مدينتنا مدينة حقيقية، بل حصنًا مبهرًا.
كان يوليوس، الفارس الكبير الذي بلغ مستوى التجلي الكامل، قد أظهر خلال السنوات الماضية تفوقًا ملحوظًا كقائد حقيقي. لم يعد مجرد محارب قوي يحمل لقبًا عظيمًا، بل أصبح الرجل الذي يعتمد عليه الجميع حين تصبح الأمور أكثر تعقيدًا مما ينبغي. وظهر إلى جانبه اسمان جديدان: إينا، الطبيبة المقدسة، وجاسبر، إمبراطور اللهب. كان جاسبر تحديدًا أكثر الأسماء إثارة للدهشة، فذلك الفارس الكبير الذي كان تابعًا لسبارك أصبح الآن تابعًا لفيرون، بعد أن ابتلعت مدينتنا سبارك وحولتها إلى مدينة تابعة لها. لم تعد سبارك منافسة، ولم تعد فيرون مدينة صغيرة يمكن تجاهلها؛ لقد أصبحت قوة حقيقية.
لكن التغيير الأكبر لم يكن في حجم المدينة وحده، بل في القوة التي تراكمت داخلها. أصبح في فيرون سبعة متحكمين شاملين، باستثنائنا نحن الخمسة؛ جون وبيث وإيريس، وهم الفرسان الذين كانوا جزءًا من بدايات فيرون حين لم تكن سوى مدينة صغيرة تكافح من أجل البقاء، وانضم إليهم أربعة آخرون مع مرور السنوات، ليشكلوا مجموعة الفرسان الأقوى في المدينة. ومع ذلك، ظل هناك شخص واحد يتفوق عليهم جميعًا؛ ستارك. لم يكن مجرد أحد المتحكمين الشاملين، بل أصبح معيارًا يُقاس به الآخرون.
خفضت بصري قليلاً وأنا أتأمل الأسوار الممتدة أمامي. امتدت فيرون لمسافة تقارب عشرة كيلومترات، بينما ارتفعت جدرانها ضخمة فوق الأرض، تتخللها أبراج مراقبة منتشرة على طول السور بالكامل. جنود على البوابات، دوريات في الشوارع، رايات في كل مكان، صوت الحدادة يتردد من بعيد، باعة ينادون في الأسواق، أطفال يركضون بين الأزقة، ومواطنون يسيرون في مدينة لم تعد تخشى الغد كما كانت في الماضي. فيرون أصبحت حية، ولسبب ما، شعرت بالسعادة.
ثم سمعت صوتًا من خلفي: “إلى متى تنوين التأمل كالغبية هناك؟” لم ألتفت إليه، وأجبت بهدوء: “توقف عن إزعاجي يا كارل.” رفع كارل كلتا يديه باستسلام وقال بابتسامة عريضة: “آسف، آسف، يبدو أنني أزعجت الأميرة الغاضبة.” التفتّ إليه أخيرًا، فوجدت تلك الابتسامة السخيفة لا تزال على وجهه، ابتسامة لم تفارقه منذ سنوات. نظرت إليه لثوانٍ وقلت: “أنت مزعج.” ضحك: “أعرف.” ثم استدار وسار أمامي دون أن يهتم بما قلته. تنهدت واتجهت خلفه.
كان بقية الفريق ينتظر عند أسفل التلة؛ ستارك في المقدمة، وبجواره جين ونور. بمجرد أن اقتربت منهم، التفتت نور نحوي وقالت: “هل عدتِ؟ كنا على وشك المغادرة.” أومأت برأسي وقلت: “نعم.” ثم تحركنا معًا؛ ستارك في المقدمة، وجين إلى يمينه، وكارل ونور إلى يساره، بينما بقيت خلفهم قليلاً أراقبهم بصمت. راقبت ظهورهم، طريقة سيرهم، الهدوء الذي أصبح يحيط بهم؛ لم يعودوا أولئك الأشخاص الذين غادروا في رحلة البحث قبل ثلاث سنوات، وحتى دون أن يتحدثوا، كان بإمكاني رؤية ذلك بوضوح. لقد تغيرنا جميعًا.
بمجرد وصولنا إلى البوابة الرئيسية، تجولت نظرة الحارس على وجوهنا، توقف، حدّق فينا للحظات، ثم تغير لون وجهه قليلاً وقال: “هل… أنتم فريق البحث؟” أومأ ستارك برأسه: “نعم.” ابتلع الحارس ريقه ثم فتح البوابة بسرعة: “تفضلوا.” مررنا من أمامه، وكان خوفه واضحًا، وكأنه ارتكب أكبر خطأ في حياته لمجرد أنه أوقفنا لثوانٍ معدودة. لكن ذلك لم يعد يدهشنا، فقد أصبح اسم فريقنا معروفًا في فيرون، ليس لأننا كنا الأقوى فقط، بل لأننا كنا الخمسة الذين رفضوا التوقف عن البحث عن شخص اعتبره معظم الناس ميتًا منذ زمن طويل.
سار ستارك بنا وسط المدينة، وغني عن القول إن السنوات الثلاث الماضية لم تزده إلا هيبة وثباتًا. كان يتحرك كقائد حقيقي، هادئًا وحازمًا، لا يرفع صوته إلا عند الضرورة القصوى، حتى إن الناس بدأوا يقارنونه بيوليوس مباشرة عندما يتحدثون عن أفضل قادة فيرون. كان يوليوس يمثل القائد الحكيم والقوي، الرجل الذي يقود جنوده بثبات في وجه الأزمات، أما ستارك فكان القائد الحاد والمنضبط، الذي يقود رجاله بثقة كاملة، وكأنه يعرف مسبقًا أن أي تردد قد يعني موت أحدهم.
لكن ربما كان ستارك أكثر شخص تغير بيننا. لم يعد ذلك الشاب الذي عرفناه في البداية، بل صار شخصًا آخر تمامًا، يحمل مسؤولية ثقيلة فوق كتفيه، لكنه لم يسمح لها أن تحنيه أبدًا. ومع ذلك، لم يكن الوحيد الذي تغير؛ كل واحد منا وجد طريقته الخاصة في التعامل مع تلك السنوات الثلاث. ولعل الأسوأ بيننا كان كارل، الذي تحول إلى ذلك الشخص الطريف الذي لا تفارق الابتسامة وجهه، الشخص الذي يمزح في أكثر الأوقات سوءًا، ويضحك حين يجب أن يبكي، ويحاول دائمًا أن يجعل الآخرين يضحكون. لكننا كنا نعرف الحقيقة؛ لقد دفن كارل غضبه ويأسه في أعماقه، واختار أن يهرب من الواقع تحت قناع المرح، لأنه لو توقف عن الابتسام، فربما لن يستطيع منع نفسه من الانهيار.
أما جين ونور، فقد اختارا طريقًا مختلفًا تمامًا؛ لم يظهرا يأسًا ولم يظهرا أملاً، بل كانا محايدين، تقبلا الواقع كما هو. ورغم أنهما لم يقولا ذلك صراحة قط، كان واضحًا بالنسبة لي أنهما تقبلا فكرة موت دارون بالفعل في أعماقهما. لم يتوقفا عن البحث، لكنني كنت أعلم أن شيئًا بداخلهما قد استسلم منذ زمن.
أما أنا، فكنت مختلفة عنهم تمامًا؛ كنت أعيش على الأمل، لكن أملي لم يكن صافيًا، بل كان أملاً يشتعل بوقود اليأس نفسه. كلما ازداد يأسي من العثور على دارون، ازداد تمسكي بفكرة أنه لا يزال حيًا، وكلما ازداد الأمل، ازدادت مثابرتي. ربما كان ذلك تناقضًا صريحًا، لكنني لم أعد أهتم بذلك؛ كنت أرفض ببساطة أن أصدق أنه مات. ثلاث سنوات كاملة، ومع ذلك، لم أجد دليلاً واحدًا يؤكد موته، ولا دليلاً واحدًا يؤكد أنه حي. فكيف لي أن أستسلم؟
حتى يوليوس نفسه رجّح أنني الأقرب بيننا جميعًا إلى بلوغ المستوى الرابع، لم يقل ذلك بسبب موهبتي، بل بسبب إرادتي. قال لي ذات مرة: “الإرادة التي تدفعك للاستمرار بعد ثلاث سنوات من الفشل ليست طبيعية.” ربما كان محقًا، لكنني لم أكن أبحث عن المستوى الرابع، ولم أكن أبحث عن القوة، ولم أكن أبحث عن المجد. كنت أبحث عن شخص واحد فقط، دارون.
رفعت رأسي قليلاً وأنا أسير خلف الآخرين. كانت شوارع فيرون مزدحمة، ضحكات الناس تصل إلى مسامعي، الأطفال يركضون، الجنود يتدربون في إحدى الساحات، الحرفيون يعملون، التجار ينادون على بضائعهم؛ كل شيء كان طبيعيًا، كل شيء كان حيًا. لكن بالنسبة لي، كان هناك شيء واحد ناقص، شيء لا يمكن لأي توسع أو قوة أو ازدهار أن يعوضه.
توقفت للحظة، فنظر ستارك خلفه وسأل: “إيمي؟” رفعت عيني إليه: “ماذا؟” “هل أنت بخير؟” نظرت إلى المدينة مرة أخرى، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة: “نعم.” لم يسأل أكثر، لكنه ظل ينظر إليّ للحظات قبل أن يستدير ويتابع السير. واصلنا طريقنا حتى وصلنا إلى الساحة المركزية، حيث توقفت خطواتنا جميعًا فجأة.
كان هناك شيء غريب؛ عدد كبير من الناس تجمعوا في الساحة، جنود ومواطنون وتجار، وحتى بعض الفرسان، جميعهم ينظرون إلى رجل يقف فوق منصة عالية في منتصف الساحة. اقتربنا قليلاً، ثم سمعنا صوت الإعلان القادم منها: “وردت قبل دقائق أنباء عاجلة من الحدود الغربية…” توقفت فجأة، ونظر ستارك إلى المنصة وسأل: “الحدود الغربية؟” تابع المذيع: “اندلع اشتباك واسع النطاق بين قوات إمبراطورية الشفق الذهبي وقوات الممالك المتحدة في المنطقة الثالثة عشرة…”
ساد الصمت. تغير وجه ستارك فجأة، وضيق جين عينيه بحذر، بينما اقتربت نور خطوة إضافية نحو المنصة. أما كارل، فتوقفت ابتسامته تمامًا؛ لأول مرة منذ فترة طويلة، اختفت تلك الابتسامة الثابتة عن وجهه بالكامل. تابع المعلن: “وتشير التقارير الأولية إلى أن قوات الإمبراطورية تواجه هجومًا من خمس جهات في الوقت نفسه…” نظرت إلى الآخرين في صمت. لم نكن نعرف بعد أن ذلك الخبر الصغير الذي سمعناه في ساحة فيرون، سيكون بداية شيء سيغير القارة بأكملها.