الفصل 237 - سيد الرماد
في مدينة مختلفة، كان اليوم مثاليًا بشكل يكاد يكون مبالغًا فيه؛ الجو مشمس، والنسيم لطيف، والأسواق مزدحمة كعادتها، بل أكثر حيوية من المعتاد. علت الابتسامة وجه كل شخص في المدينة تقريبًا، وامتلأت الأسواق بمختلف السلع بأثمان في متناول الجميع. أطلق أحد البيوت التجارية حملة تبرع هائلة لصالح الفقراء والمشردين، وكانت توزع في ذلك اليوم أصنافًا من الطعام لم يحلم المشردون بتذوقها من قبل.
وقف في الطابور عشرات الأطفال بانتظار حصولهم على وجباتهم. كان هناك ولدان، أحدهما بشعر بني وعينين ذهبيتين اسمه ديون، وخلفه طفل آخر بشعر أشقر وعينين خضراوين اسمه ألبرت. سأل ألبرت بتردد: “هل سيكون الخبز طريًا اليوم؟” فأجابه ديون بحماس: “عمّ تتحدث يا أحمق؟ سمعت أنهم سيقدمون لحمًا اليوم، لحمًا حقيقيًا.” رد ألبرت بدهشة: “حقًا؟ ذلك اللحم الذي يأكله الأغنياء؟” حينها دوى صوت رقيق من خلفهما، كانت لارا تقول بسعادة: “ألا تعلمان أنهم سيقدمون تفاحة أيضًا معهما؟” فأجاب ديون: “حقًا؟ سيقدمون تلك الكرة الحلوة أيضًا؟ هذا مذهل حقًا.”
أتى رجلان يحمل كل منهما قدرًا ضخمًا، ومعهما ثلاث نساء، إحداهن تحمل خبزًا طازجًا، وأخرى تحمل أطباقًا وملاعق خشبية، أما الأخيرة فكانت المسؤولة عن التوزيع. ازداد حماس الأطفال بمجرد ظهورهم، فتقدموا نحو طاولة التوزيع، لتقول المسؤولة بصرامة: “اصطفوا في خط واحد، وإلا لن تحصلوا على شيء.” لم تكن سوى جملة ترهيبية بريئة، الغرض منها إلزام الأطفال بالنظام.
بدأ التوزيع، وتقدم الصف حتى وصل إلى ديون، الذي نظر إلى عيني المسؤولة التي ابتسمت وقدمت له رغيف خبز رائع الجودة، ووعاءً من الطعام يحتوي على قطع كبيرة من اللحم والدجاج، وحبة تفاح كاملة. ابتسم ديون حتى ظهرت كل أسنانه، وقال بصوت عالٍ يفيض سعادة: “شكرًا، شكرًا جزيلاً لك.” تقدم بعده ألبرت وحصل على الوجبة نفسها، وقال بخجل: “ش… شكرًا جزيلاً لك.” جلس الصديقان في إحدى الزوايا يلتهمان طعامهما بسعادة غامرة.
في جهة أخرى من المدينة، كان هناك مرتزق شاب، متحكم أولي، قضى خمس سنوات في العمل مرتزقًا، واعتبره كثيرون موهبة حقيقية لبلوغه رتبة متحكم أولي خلال خمسة أعوام فقط. كان اسمه جونسون، وقدرته تُدعى الحواس المفرطة، تمنحه إدراكًا لأشياء لا يدركها حتى بعض المتحكمين الشاملين، ما جعله يُعد من أفضل المستكشفين على الإطلاق.
جلس جونسون على طاولة مع امرأة أكبر منه سنًا، تُدعى أليز، متحكمة متقدمة وأيضًا معلمته طوال السنوات الخمس الماضية. كانت علاقته بها وثيقة إلى درجة أنهما يعرفان أسرار بعضهما البعض بالكامل تقريبًا، باستثناء سر واحد أخفاه جونسون عنها؛ أنه يحبها، بل يحبها لدرجة الجنون. لم يكن يعرف بالضبط متى بدأت مشاعره تلك في النمو، لكنه رجّح أن الأمر بدأ منذ أنقذته قبل خمس سنوات أمام قطيع من العفاريت.
كانت تلك الذكرى عالقة في رأسه دائمًا؛ يوم كان ملقى على الأرض عاجزًا أمام العفاريت المنقضة عليه، حتى ظهرت فجأة تفصل بينهما، تحميه بظهرها. بعد هزيمتها للعفاريت، التفتت إليه بابتسامة وهي تمسح وجهه وقالت: “انظر لحالك أيها الفتى اللطيف، ليس من الجيد أن تكون متهورًا في القتال.” منذ ذلك اليوم، لازمها جونسون كل يوم، ونادها بالمعلمة، وكان يحمر خجلًا في كل مرة تعامله فيها بلطف أو تبتسم له.
في تلك اللحظة، جلس الاثنان على طاولة داخل نقابة المرتزقة، ينتظران مكافأة المهمة التي أنجزاها للتو. مدت أليز يديها في تمدد وقالت: “هاااه… مهمة اليوم كانت شاقة، مواجهة شيطان وليد ظهر فجأة حين غاب فريق ليون.” أجابها جونسون: “حقًا، لكنك كنت رائعة عندما قاتلته يا معلمتي.” ابتسمت أليز وقالت: “هيا، أنت أيضًا كنت مهمًا، فلولا قدرتك لما وجدنا مكان اختبائه.” أجاب جونسون بتردد: “ش… شكرًا.”
لم يمض وقت طويل حتى نادتهما موظفة الاستقبال ومنحتهما مكافأتهما، ثلاثين عملة ذهبية. عند خروجهما من النقابة، مدت أليز حقيبة أموال له وقالت: “خذ، إنها خمسة عشر عملة ذهبية، لقد تقاسمناها بالمناصفة.” تردد جونسون وقال: “لا يمكنني قبول النصف، أنت من هزمته.” ابتسمت له أليز وقالت: “إن كنت نادمًا، فادعُني لعشاء يومًا ما.” اكتفى جونسون بالإيماءة وهو يراقبها تستدير للمغادرة، لكن جسده تحرك فجأة وقال: “إذن، ما رأيك في تناول الغداء معًا الآن؟”
ضحكت أليز وقالت: “يا لك من أحمق يا جون الصغير، أتدعوني الآن وأنا بملابس المرتزقة والأوساخ التي تعلوني؟” تراجع جونسون خطوة للخلف وقال: “آ… آسف.” وقبل أن يكمل جملته، قاطعته وهي تنظر إليه من فوق كتفها: “حسنًا، انتظر، سأستحم سريعًا وأرتدي ملابس أفضل وأعود.” ثم أضافت بابتسامة عريضة: “لا أريد أن أبدو قبيحة أمام جون الصغير في غدائنا.” أمسك جونسون صدره وهو يشعر بقلبه ينبض بجنون، وبدأ يتمتم لنفسه: “لقد وافقت… لا أصدق هذا، لقد وافقت فعلاً، هذا موعد، إنه موعد حقيقي، يجب أن أعترف لها اليوم حتمًا.”
أسرع جونسون إلى منزله، استحم بسرعة ومشط شعره وارتدى أفضل بدلة يملكها، ووضع العطر الذي مدحته أليز ذات يوم. ثم توجه إلى منزلها، وطرق الباب بتردد بالغ، وقلبه ينبض بوتيرة غير طبيعية حقًا، وكأنه اكتسب إرادته الخاصة. خرجت أليز من المنزل، شعرها منسدل على كتفها الأيمن، ترتدي فستانًا أحمر جميلًا وأقراطًا أنيقة، مع طبقة مكياج بسيطة أبرزت جمالها. سارا معًا في أرجاء المدينة، التي بدت أجواؤها ضبابية فجأة رغم أن صباح ذلك اليوم كان مشرقًا تمامًا، وبدأ رماد خفيف يسبح في الهواء، لكن ذلك لم يمنع الحياة اليومية من الاستمرار كالمعتاد.
ذهبا إلى مطعم ممتاز، تناولا طعامهما في جو مليء بالمرح والضحك وبعض النظرات الجانبية الخجولة، ثم ساروا معًا وسط المدينة التي بدأ الرماد يتكاثف فيها أكثر فأكثر، دون أن يعير أحد ذلك اهتمامًا يُذكر. زارا مسرحية، ثم تجولا بين متاجر الملابس، وانتهى بهما المطاف عند برج الأمل، أطول مبنى في المدينة، الشامخ في منتصفها فوق كل شيء آخر. في تلك اللحظة، كان الرماد قد اجتاح المدينة إلى درجة يستحيل معها رؤية ما يبعد أكثر من مترين، ومع ذلك، لم يُظهر أحد قلقًا يُذكر تجاه ذلك.
توقف جونسون وأليز أمام البرج، فواجهها بصوت متردد وحازم في آن واحد: “أليز، أنا… أنا لطالما أحببتك، أرجوك اخرجي معي.” ضحكت أليز بخفة وقالت بابتسامة عريضة كادت تنهي حياة جونسون من فرط سعادته، بصوت يشبه صوت الملائكة: “أقبل بكل سرور يا جون الصغير، لطالما أحببتك أنا أيضًا.”
في أعلى نقطة من برج الأمل، جلس رجل بشعر طويل أسود وبشرة شاحبة وعينين رماديتين، ينظر إلى المدينة التي غطى الرماد كل ملامحها، وقال بصوت هادئ خالٍ من أي مشاعر: “كيف تبتسمون بهذه الطريقة؟ كيف تشعرون بالسعادة؟ كيف لكم أن تكونوا بهذا الغباء، وأن تعيشوا حياة لطيفة كهذه؟ أنا أمقتكم حقًا، أمقت ضعفكم، أمقت جهلكم، وأمقت سعادتكم. لماذا تشعرون بالسعادة وأنا لا أشعر بها؟”
احتضن جونسون أليز بإحكام، وكأن ذلك كان طريقته الوحيدة لقول إنه لن يتركها مهما حدث. كانت قدرته تثور بداخله، تحذره من خطر عظيم يقترب، لكنه تجاهلها في حرارة تلك اللحظة، مستغرقًا في التفكير بأليز وحدها، وهي بدورها لم تكن تفكر في شيء سواه. وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الأجساد تتساقط في كل مكان من المدينة، دون تمييز بين طفل أو عجوز، رجل أو امرأة. سقط الجميع، مئات الآلاف، ربما عشرات الآلاف، لا أحد يعرف الرقم الحقيقي، لكن الأجساد سقطت ميتة على الفور. سقط حتى أصحاب المستوى الثالث، وسقط حتى أصحاب المستوى الرابع رغم مقاومتهم اليائسة. لم يبقَ في المدينة أحد على قيد الحياة، سوى رجل واحد فقط، سيد الرماد. نول كان هنا.