الفصل 236 - رسالة فيلمونت
استمر عواء إيفان نصف ساعة كاملة قبل أن يستعيد تركيزه، وعندها عاد إلى شكله البشري، في حالة يُرثى لها. ومع ذلك، نظر مباشرة إلى عينيّ وقال: “شكرًا لك يا دارون، لأنك آمنت بي وآمنت بإنسانيتي.” أجبته بابتسامة بسيطة: “إذن، لنكمل رحلتنا لإسقاط الدوق فيلمونت.” رد إيفان بثقة: “هذا ما أعتزمه حتمًا.”
صعدنا معًا إلى حيث كان يتواجد الجميع، فالتفتوا نحونا بمجرد أن شعروا بوجودنا. تظاهرت سكارليت بالجهل، بينما صاحت ديانا: “هاهاها، هل عاد الجرو أخيرًا لرشده؟” رمقها الجميع بنظرة عتاب أجبرتها على التراجع وهي تتمتم باعتذار خافت.
وقف إيفان أمام الجميع وانحنى حتى بلغ ظهره زاوية قائمة مع ساقيه، وقال بصوت عالٍ: “أعتذر من الجميع عما بدر مني حقًا.” ابتسم الجميع وأومأوا برؤوسهم، فقالت ديانا بالنبرة نفسها: “هاهاها، هل تعلّم الجرو الاعتذار؟ يبدو أنك أصبحت ذئبًا بالغًا الآن.” رمقها الجميع بالنظرة ذاتها من جديد، فقالت بامتعاض: “ماذا بحقكم، تعلمون أنني أمزح فقط.” قال ويليام له: “اعتذارك مقبول، كيف نحاسب ثاني أكبر مساهم في المعركة على خطأ واحد ارتكبه؟”
ابتسم إيفان ابتسامة خجولة وهو يعتدل في وقفته، وقال بصوت هادئ: “رغم أنكم سامحتموني، لن أسامح نفسي بسهولة. لو فقدت السيطرة للحظة أطول لربما انتهى الأمر بكارثة.” هز ويليام رأسه وقال: “الندم جيد، لكنه يصبح عديم الفائدة إن لم يتحول إلى قوة تدفعك للأمام.” أومأ إيفان بصمت، بينما وضعت سكارليت ذراعيها خلف ظهرها وقالت بابتسامة خفيفة: “على الأقل انتهى الأمر دون أن يلتهم أحدنا.” رفعت ديانا يدها فورًا وقالت بحماس: “اعتراض! لقد حاول أن يلتهمني بعينيه فقط.” تنهد الجميع في الوقت نفسه، بينما أطلقت ضحكة قصيرة لأول مرة منذ فترة طويلة، فسادت القاعة أجواء أكثر ارتياحًا.
لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا. فتح أحد الحراس الباب بعجلة وهو يلهث وقال: “سيدي… وصل رسول.” التفتت الأنظار إليه، فتقدم رجل يرتدي عباءة سفر رمادية غطاها غبار الطريق، وانحنى باحترام قبل أن يخرج رسالة مختومة بالشمع الأسود وقال: “هذه الرسالة وصلت قبل ساعة، وقد أُمرت أن أسلّمها إلى السيد دارون شخصيًا.”
تناولت الرسالة، وما إن رأيت الختم حتى ضاقت عيناي؛ كان شعار عائلة فيلمونت. ساد الصمت في الغرفة بينما كسرت الختم وبدأت أقرأ، ولم يستغرق الأمر سوى لحظات حتى تغيرت ملامحي. سأل ويليام: “خبر سيئ؟” ناولته الرسالة دون أن أجيب، فقرأها بصوت مرتفع: “إلى دارون، بلغني أنك نجوت مرة أخرى، وأنك تمكنت من جمع رجال حولك يظنون أنهم قادرون على تغيير مصير هذه المقاطعة. سأمنحك فرصة أخيرة؛ سلّم نفسك وحلّ جماعتك، وسأعفو عن كل من اتبعك. أما إن رفضت، فسأجعل مدينة ريفنور عبرة لكل من يفكر بالوقوف ضدي. لدي ثلاثة أيام فقط من الصبر.”
ساد الصمت من جديد. قبض إيفان على قبضته حتى برزت عروقه وقال: “الحقير…” أما ديانا فضربت الطاولة بقبضتها وقالت: “إنه يهددنا باستخدام مدينة كاملة!” قال ويليام بهدوء وهو يعيد الرسالة إلى الطاولة: “هذا ليس تهديدًا، بل إعلان بأنه بدأ يشعر بالخوف.” نظر الجميع إليه باستغراب، فتابع: “لو كان واثقًا من قوته لما حاول كسر عزيمتنا بالكلمات. إنه يريد أن يدفعنا للتحرك بتهور.”
ظللت صامتًا للحظات، ثم سألت: “كم تبعد ريفنور؟” أجاب أحد الجنود: “يومان على ظهور الخيل.” هززت رأسي ببطء وقلت: “إذن أمامنا يوم واحد فقط لنستعد.” سألت سكارليت: “هل سنذهب لإنقاذ المدينة؟” ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها حملت برودة غير معتادة، وقلت: “لا.” نظر الجميع إليّ بدهشة، فتابعت بصوت ثابت: “فيلمونت ينتظرنا هناك، ويريد أن نقاتل وفق خطته، وعلى الأرجح سيحاصرنا بمجرد وصولنا.” اقتربت من الخريطة المعلقة على الجدار وأشرت إلى ممر جبلي ضيق يقع شمال المدينة وقلت: “إذا كان يريد حصار ريفنور، فلا بد أن تمر مؤونته وجزء كبير من قواته عبر هذا الطريق.”
اقترب ويليام من الخريطة، وما إن استوعب الفكرة حتى ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه وقال: “لن نهاجم جيشه، بل لن نواجهه حتى حاليًا، لا يمكننا مقاتلته أصلًا.” أكملت: “سنقطع شرايينه أولاً؛ فهو لا يستطيع تدمير مدينة بلا سبب، ولن يتمكن من التملص من القانون، وسيخسر مدينة تابعة تدر عليه أرباحًا طائلة. وحتى لو أراد تدميرها فعلاً، لن يقبل أتباعه بذلك.”
ساد الصمت مجددًا، لكنه هذه المرة لم يكن صمت قلق، بل صمت إدراك؛ فقد فهم الجميع أن المعركة القادمة لن تكون مواجهة مباشرة، بل حرب عقول. رفع إيفان رأسه وقال بثقة: “دعني أكون في المقدمة.” نظرت إليه طويلاً ثم ابتسمت وقلت: “ستكون في المكان الذي نحتاجك فيه، الخطة، لا في المكان الذي يريده غضبك.” ساد الهدوء للحظات، قبل أن يطرق ويليام الطاولة بخفة ويقول: “إذن، لنبدأ الاجتماع.”
وفي تلك الليلة، بينما انشغل الجميع برسم الخطط وتقسيم الأدوار، كان شخص مجهول يقف فوق تلة بعيدة يراقب مقرهم بصمت. أغلق المنظار النحاسي الذي كان يحمله وقال بصوت خافت: “وجدتهم…” ثم استدار واختفى بين الأشجار بسرعة، بينما لم يدرك أحد منا أن أول خطوة في خطة فيلمونت قد بدأت بالفعل.