الفصل 235 - هل الوحوش تبكي؟؟
مضت أيام منذ سقوط اللحية السوداء، واستغرق استيعاب الأضرار الناتجة عن المعركة وقتًا أطول مما توقعنا. من بين قادة العدو، لم يبقَ على قيد الحياة سوى التوأم، بينما مات جميع متحكميه الأوليين تقريبًا؛ اثنا عشر منهم تم احتجازهم، وخمسة عشر قُتلوا، وثلاثة فقط تمكنوا من الهرب. تم احتجاز جميع المستسلمين، وحصلنا على سبع عشرة سفينة سليمة نسبيًا، من بينها السفينة الرئيسية، بينما غرقت خمس سفن أخرى، وأغرقنا البقية بأنفسنا لكونها في حالة يستحيل إصلاحها.
كان السبب الحقيقي وراء استغراق كل هذا الوقت هو الحالة النفسية التي وجد الجميع أنفسهم فيها بعد انتهاء المعركة. كانت ديانا أقلهم إصابة جسدية، ومع ذلك الأكثر تضررًا نفسيًا؛ شعرت للمرة الأولى بثقل المسؤولية الحقيقية كقائدة، وتركت خسارة بعض رجالها أثرًا عميقًا فيها، لدرجة أنها اعتزلت الجميع ليومين كاملين، حدادًا على أرواح محاربيها الذين سقطوا.
أما أريا وويليام، فكانا ثاني وثالث أسوأ حالة بعدها؛ ورغم أنني عالجت جراحهما جسديًا، إلا أنهما رفضا المشاركة في أي عمل من أعمال الترميم بعد المعركة لفترة من الوقت. كانت سكارليت أكثر صمتًا من المعتاد، بل وأصبحت أقل انفتاحًا مما عهدته فيها، لكن المفارقة أن حنانها ازداد عمقًا في الوقت نفسه؛ فبعد أن كانت تكتفي بتمشيط شعري فقط، أصبح اهتمامها يمتد إلى طعامي، بل وبدأت تلقي عليّ محاضرات كاملة عن أهمية النوم المبكر.
لم يدم ذلك الحال طويلاً لحسن الحظ؛ فبعد أسبوع كامل، اجتمع الجميع مرة أخرى لمناقشة وضع الخليج الأزرق بعد زوال أكبر تهديد له. توصلنا جميعًا إلى قرار جماعي بإنفاق تسعين بالمئة من ثروة اللحية السوداء على إعادة تشييد السفن والميناء، حتى تعود المدينة إلى ازدهارها القديم. اختارت كل من ديانا وأريا أخذ خمسة بالمئة لكل واحدة منهما، تحت مسمى بناء قواتهما الخاصة، بينما اكتفى ويليام بأخذ ثلاث سفن فقط، من بينها السفينة الرئيسية، إلى جانب تحرير بعض الأسرى مقابل انضمامهم إلى طاقمه.
كان الاجتماع يفتقد أحد أهم أعضائه؛ إيفان، ثاني أكبر مساهم في المعركة بعدي مباشرة. كان السبب أنه محتجز في زنزانة خاصة داخل المدينة، بعد أن حاول مهاجمة سكارليت فور انتهاء المعركة، وكانت نيته حقيقية وخطيرة لدرجة أن الأمر تطلب تدخل كل من ديانا وويليام لكبحه، قبل أن يُنقل إلى أكثر زنزانة تحصينًا في المدينة، مقيدًا بأغلال في كل جزء من جسده تقريبًا.
أول ما فعلناه بعد انتهاء الاجتماع كان التوجه مباشرة إلى ذلك المبنى. بمجرد وصولنا، قلت بصوت عالٍ: “سأدخل الغرفة بمفردي، فكّوا سراحه حالاً.” كانت سكارليت أول من اعترض، بنبرة قلقة واضحة: “هذا خطير يا دارون، ربما لم ترَ هذا من قبل، لكنه قوي جدًا في حالة تحوله، حتى صدمتي الصوتية لم تؤثر عليه كثيرًا من شدة صلابة فرائه.” أجبتها بهدوء: “لا تقلقي، سأهتم بالأمر.” تدخلت ديانا بدورها قائلة: “ليس عيبًا أن تثق بقوتك، لكن عليك سماع هذا التحذير جيدًا؛ قوته الجسدية من مستوى مختلف تمامًا، إنه وحش بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لم أستطع حتى مجاراة قوته الجسدية بنفسي.”
التفتّ إلى الجميع وقلت بصوت غليظ: “سأدخل وحدي وأهتم بالأمر، ابقوا هنا في الأعلى. أما أنتِ يا سكارليت، فسدّي أذنيك جيدًا.” نظرت إليّ سكارليت بدهشة واضحة، فهي تعلم جيدًا أنني أدرك قدرتها على سماع كل شيء مهما بعدت المسافة، وأنها ستسمع كل ما سيحدث بيني وبين إيفان داخل الزنزانة حتى لو غطت أذنيها فعليًا. كان واضحًا أنني أقصد بذلك أن ما سيحدث في تلك الزنزانة يجب ألا يعرفه أحد سوانا نحن الاثنين، بمعنى آخر، تجاهلي كل ما ستسمعينه وانسيه إلى الأبد.
نزلت إلى الطابق السفلي، حيث وجدت بابًا معدنيًا خشنًا يستحيل اختراقه بسهولة. سحبته ببطء ودخلت، فوجدت إيفان جاثيًا على الأرض. بمجرد دخولي، تحرر من سلاسله فجأة وتحول مباشرة إلى هيئته الوحشية الكاملة، واندفع نحوي بكامل قوته. فعّلت العقل الفعّال لأرى خيوط إرادته، تلك التي كانت امتدادًا لوحشيته وغرائزه الخام، لم تكن منظمة كالمعتاد على الإطلاق. تجنبت حركاته ببساطة بالغة عبر عدة التفافات، وحين انقض للمرة الخامسة، سددت له ركلة ألصقته بالجدار بقوة.
لم يهتم إيفان بتلك الضربة، بل نهض على الفور وحاول الهجوم مجددًا. أمسكته من رقبته هذه المرة وصدمته بالحائط بقوة هزت المبنى بأكمله. حاول إيفان تمزيق ذراعي بمخالبه وهو ممسك بها، لكن أوريل كانت تعزز تلك الذراع، فباءت جميع محاولاته بالفشل. حين شعر بالاختناق الحقيقي أخيرًا، بدأ يزمجر بخوف وهلع واضحين، فأطلقت سراحه فورًا وقلت: “هل عدت لرشدك أخيرًا؟ أم أنك تريد بعض الضرب الإضافي؟”
أجابني إيفان بصوت ملتوٍ وممزق: “لماذا أطلقتني؟ لماذا لم تقتلني؟ أنا وحش.” فتحت فمي لأجيبه، لكنه قاطعني مستمرًا: “أتشفق عليّ لأنني صاحبتك بعض الوقت، أم لأننا رفاق سلاح قاتلنا معًا؟” أجبته بهدوء: “إيفان، ما هذا الهراء الذي تتفوه به؟” صرخ بغضب: “ألا ترى حالتي؟ انظر جيدًا، هل هكذا يبدو البشر برأيك؟ أنا وحش، ومصير الوحوش الوحيد هو معاداة البشر.”
صمت للحظة قبل أن أقول: “أي حديث هذا يا إيفان؟ لا أقصد إيفان المتوحش الواقف أمامي الآن، بل إيفان الإنسان الذي عرفته جيدًا. ماذا حدث لطموحك بتغيير حياة الناس؟ ماذا حدث لإرادتك الثابتة التي لم تلن يومًا؟” أكملت بصوت أعلى: “هل التهمها الوحش الواقف أمامي؟ هل إرادتك هينة إلى هذه الدرجة، لدرجة أن وحشًا ضعيفًا كهذا التهمها بهذه السهولة؟”
أجابني إيفان بصوت متقطع: “أنت لا تعرف شيئًا، أنت غريب لا يعرف شيئًا. لطالما كنت وحشًا منذ صغري، ألم تستغرب من قدرتي على التحول لهذا الشكل الكامل؟ لا يوجد أحد قادر على تحويل شكله بالكامل إلى وحش هكذا، لا توجد قدرة تحول من هذا النوع يا دارون.” أجبته بهدوء: “إذا لم تكن موجودة أصلاً، فما هذه القدرة التي تمتلكها إذن؟” نظر إليّ بعينيه الوحشيتين المليئتين باليأس وقال: “دارون، لماذا افترضت أن قدرتي هي التحول إلى هذا الشكل؟ لماذا لم تفترض العكس؟ ماذا لو كنت في الأصل وحشًا قادرًا على التحول إلى إنسان؟ ألن يجعلني هذا أخطر وحش على الإطلاق؟”
نظرت إليه وقلت: “من قرر هذا لك؟ من قرر أنك وحش أصلاً؟” أجابني بصوت ضعيف: “الجميع قرر ذلك. في أول مرة تحولت فيها، في عمر الثامنة، هاجمت عشرات الأطفال وآذيتهم بشدة، ولطالما وسموني بالوحش منذ تلك اللحظة. حتى حين ماتت أمي في تلك الليلة المشؤومة، هربت دون أن ألتفت خلفي، كوحش حقيقي بلا قلب.”
نظر إليّ إيفان بعينيه الوحشيتين اللتين امتلأتا فجأة بالدموع وقال: “دارون، أرجوك، اقتلني، أنا لا أريد أن أعيش بعد الآن.” أجبته: “وماذا سيحدث للجميع بعدها؟ كيف سيكون حال أوسترين من بعدك؟ ماذا عن حال مارتا؟ ماذا عن فولك الذي وثق بك دون تردد؟ ماذا عن كل من اتبعوك في طريقك نحو مستقبل مشرق؟”
اتسعت عينا إيفان فجأة، وانهمرت الدموع المحبوسة بداخلهما دفعة واحدة، بكى بحرقة شديدة حتى ابتل وجهه بالكامل، وقال بصوت مضطرب: “هل أستطيع أن أعيش كإنسان حقًا؟” أجبته حينها بهدوء: “إيفان، أجبني عن سؤال واحد فقط، هل تبكي الوحوش حقًا؟”
عندها ارتفع صوت إيفان في عواء عالٍ ابتلع المدينة بأكملها، عواء مزج بين مشاعر متضاربة من حزن وسعادة وعزاء عميق عن مشاعر عجز عن ترجمتها إلى كلمات، فاكتفى بذلك العواء وحده ليعبر عنها جميعًا.