الفصل 234 - مواجهة اللحية السوداء
في جميع أنحاء ساحة المعركة، اشتدت المواجهات دون تمييز. تمكن طاقم ويليام، خمسة متحكمين أوليين فقط، من سحق ثمانية متحكمين وإغراق سفينتين من طاقم اللحية السوداء. أظهرت إيلينا مهارة حقيقية لم يتوقعها أحد، إذ مزج أسلوبها بين الهمجية والدقة في آنٍ واحد، ما جعلها أخطر شخص في طاقم ويليام بأكمله.
أما قادة ديانا العشرة، فقد أظهروا تميزًا ساحقًا، خصوصًا بعد حصولهم على تعزيز من قائدتهم، الأمر الذي جعلهم أكثر قوة وتنظيمًا، وأشد خطورة رغم مواجهتهم لعدد يفوق عددهم بضعفين. لم يتخلف الحراس عن البقية أيضًا، فخبرتهم والتدريبات التي اكتسبوها عبر أجيال سابقة جعلتهم مرعبين بطريقتهم الخاصة.
لم يتبقَّ سوى سفينة واحدة لم تتحرك طوال المعركة، سفينة اللحية السوداء نفسها، والتي لم يعد يفصلني عنها سوى أمتار قليلة. قفزت من على سطح قاربي ونزلت مباشرة في مركز سفينته، بينما كانت عباءة الفينرير تتموج مع رياح البحر المالحة.
هناك، على كرسي مفخم، جلس رجل شديد البياض، شعره أسود كسواد الليل يصل إلى خصره، نحيل البنية، وشديد الجمال إلى درجة تفوق جمال النساء أنفسهن. في حضنه، جلس ثلاثة أشخاص أقصر منه قامة وأشد نحافة، بملامح أنثوية بارزة تتناقض تمامًا مع حقيقتهم كرجال، وعيون خاوية تمامًا من أي حياة أو إرادة.
التقت عيناي بعيني اللحية السوداء، فابتسم ابتسامة مقرفة وقال: “هل أنت قائد الأعداء؟ لم أتوقع أن أقابل متحكمًا شاملاً غيري هنا، لكن هذا جيد، ستكون إضافة رائعة لمجموعتي.” قطبت حاجبيّ وقلت: “حسنًا، لم أتوقع أيًا من هذا. ظننتك رجلاً ببطن بارزة أثر الكحول، وقبيحًا لدرجة الغثيان. لقد أبهرتني بمظهرك صراحة.”
ضحك اللحية السوداء بصوت رقيق وعذب وقال: “ههههه… هل راق لك شكلي وجمالي؟” ثم داعب الفتية الذين في حضنه بطريقة مقززة، حتى إنه لعق وجه أحدهم وقال: “هؤلاء أفراد مجموعتي الصغيرة، كانوا جميعًا مقاتلين أقوياء، حطمتهم واستنزفت رجولتهم، وحولتهم إلى دماي اللطيفة.” لم يزد ذلك سوى غضبي؛ كان المشهد مقززًا لدرجة أنني أردت قتله في تلك اللحظة بالذات.
سحبت جارح الظلال وقلت: “سأجعلك تدرك مكانك أيها الوغد.” ابتسم اللحية السوداء وسحب سيفًا خفيفًا بالطريقة نفسها. انقضضت عليه في هجمة ثابتة، لكنه تجنبها بسهولة لافتة. لم أضيّع وقتًا، وتابعت بهجمات محددة، إلا أن مرونته كانت في مستوى مختلف تمامًا.
حين أدركت صعوبة الإمساك به، فعّلت العقل الفعّال. حينها رأيت عشرات الخيوط تبرز منه وتنتهي عندي، لم تكن خيوط إرادة تخص حركته القادمة، بل كانت خيوط إرادته وقد بلغتني بالفعل قبل أن أتمكن حتى من فهم ما يحدث. شعرت بضعف قاتل يسري في أطرافي، وسالت قطرات من الدماء من أنفي وأنا أرتجف.
ضحك اللحية السوداء وقال: “هاهاها، هل أدركت الأمر أخيرًا؟ قدرتي هي الاستنزاف، أستطيع استنزاف أي شيء أريده، حياتك، قوتك، تحملك، وحتى صحتك.” نظرت إليه بغضب وهو يضحك بهستيريا، وتعابير وجهه تعكس نشوة مريضة واضحة.
حينها اشتعلت شعلة من اللهب الأزرق في جارح الظلال وابتلعتني في لحظة واحدة، فعدت إلى حالتي الطبيعية من جديد. تغير وجه اللحية السوداء بمجرد إدراكه ما حدث، وقال: “قدرة علاجية؟ حتى لو كان الأمر كذلك، طالما أنت ضمن مجالي، سأستمر في استنزافك حتى تنهار، هذه محاولة عديمة القيمة.” وكان محقًا تمامًا في ذلك؛ صحيح أنني عدت كما كنت، إلا أن خيوط إرادته ظلت ملتصقة بي كما هي، فالنيران لم توقف قدرته، ما يعني أنه سيستمر في استنزافي. لو قابلني هذا الرجل قبل بضعة أشهر، ربما كنت لأخسر بالفعل، لكن الوضع الآن مختلف تمامًا.
شكّلت خيوط إرادتي ولففتها حول جارح الظلال، جاعلاً إياها أشد صلابة من أي شيء آخر، ثم أنزلتها على خيوط إرادته في لحظة واحدة. تمزقت تلك الخيوط فورًا، فصرخ اللحية السوداء ألمًا وقال بغضب: “ماذا فعلت ماذا بحقك أيها الوغد؟” أجبته بهدوء: “ألم أخبرك؟ ستموت الليلة أيها الوغد.”
ارتعب اللحية السوداء في مكانه، ثم سحب قلادة من عنقه وصرخ فجأة بجنون. شعرت بالأمواج تشتد حدة فجأة، وبدأت السفينة تتموج بعنف، ثم أتى ضغط هائل ثبتني في مكاني تمامًا؛ كانت قدرة تلك القلادة تتمثل في تثبيت الخصم بقوة جاذبية هائلة. أمسكت جارح الظلال وأطلقت عدة دفقات من الدماء نحوه، تمكن من تجنب بعضها، لكنه أصيب بالبعض الآخر، فتمزقت القلادة إلى عشرات القطع الصغيرة وتلاشى تأثيرها فورًا.
تراجع اللحية السوداء نحو صندوقه الشخصي، وأخرج مجموعة من الآثار المتنوعة. رمى كرة حديدية تحولت إلى لهب مرعب، لكن جارح الظلال أطفأها بدمائه بسهولة. رمى بعدها عدة آثار أخرى، لكن تأثيراتها كانت بسيطة للغاية، ولم تتمكن حتى من إبطاء حركتي قليلاً.
حين اقتربت منه لمسافة مترين فقط، انقض عليّ بكامل قوته مستخدمًا خنجرًا مخفيًا، لكنه توقف قبل أن يلمسني حتى؛ أمسكت بذراعه التي تحمل الخنجر ولويتها بقوة. ربما كان قادرًا على خداع أي شخص آخر بهذه الحيلة، لكنني كنت قادرًا على رؤية جميع حركاته والتنبؤ بها مسبقًا بفضل قدرتي.
سددت له ركلة قوية بين ساقيه، شعرت بشيء يتمزق هناك، لدرجة أنه أطلق شهقة ألم يصعب وصفها، واستمر في الصراخ وهو يتلوى على سطح السفينة. أمسكت جارح الظلال ووجهت له كلماتي: “هل تشعر بذلك؟ شعور العجز والألم الذي عاناه كل ضحاياك.” نظر إليّ اللحية السوداء برعب حقيقي، والدموع والمخاط يرسمان وجهه، وهو يزحف مبتعدًا مني، لكنني وطئت ساقه بقدمي، محولاً إياها إلى كتلة من العظام المحطمة واللحم المسحوق.
سحبته من شعره الطويل وألقيته أمام الفتية الثلاثة، ثم رميت أمامهم بعض الأسلحة التي كان اللحية السوداء يمتلكها، وقلت بصوت غليظ: “انتقموا منه لكل ما فعله بكم طوال هذا الوقت.” كانت أعينهم ميتة، خالية من أي إرادة ظاهرة، لكن العقل الفعّال أراني مقدار الإرادة المكتومة بداخلهم، ورغبتهم الدفينة في الانتقام منه.
اشتعلت أعينهم فجأة بقوة غريبة، وسارعوا نحو الأسلحة الملقاة أمامهم؛ كان كل واحد منهم متحكمًا متقدمًا في حقيقته. رفعوا أسلحتهم معًا وانهالوا عليه، يقتنصون كل شبر من جسده، يمزقونه دون توقف. ازدادت صرخاته حدة كل ثانية، قبل أن تبدأ بالتباطؤ تدريجيًا، لينتهي به الأمر يلفظ أنفاسه الأخيرة، بينما حملت وجوه الفتية الثلاثة سعادة ملتوية، نتيجة تحقيق انتقامهم الذي طال انتظاره.