الفصل 233 - القرش و الاخوان مورغان
القرش والأخوان مورغان
في جهة أخرى من ساحة المعركة، وقفت أريا بكامل أناقتها وهيبتها كقائدة للحراس، في مواجهة رجل ملتحٍ تصل لحيته حتى صدره، وعينه اليسرى ممسوحة أثر معركة قديمة، يحمل رمحًا عظيمًا بكلتا يديه. كان هذا هو القائد الملقب بالقرش. ابتسم القرش وقال: “مضى وقت طويل منذ آخر مرة تقابلنا فيها يا ابنة لوران.” قطبت أريا حاجبيها وقالت: “اليوم سأجعلك تتذوق طعم الانتقام لأبي أيها الوغد.” أغمض القرش عينه المتبقية وقال: “آه… لوران، القائد السابق، كان أكثر شخص أرعبني حقًا، ورغم أنه كان في أسوأ حالاته حين واجهته، إلا أنه أخذ عيني معه.”
اندفعت أريا بغضب مكتوم، شقت الريح بهجومها، فحدث اصطدام هائل بينها وبين القرش. تصادما في عشرات الهجمات، وحين بلغت المعركة أشدها، قررت أريا استخدام قدرتها أخيرًا؛ بدأ الفضاء من حولها يتغير ويتموج حسب إرادتها. اندفع القرش نحوها، لكنه دُفع بقوة إلى الخلف حتى شقت قدماه أرضية السفينة. كان الفضاء يستجيب لكل حركة منها، فحرّكت سيفها في قطعة عمودية واحدة، ليتمزق كل شيء أمامها بالحركة نفسها، ممزقة كتف القرش الذي تراجع متعثرًا.
أرسلت أريا موجة هجمات متعددة، تمزقت معها أجزاء من السفينة، وتمزق معها جسد القرش في عدة مواضع. حين أدرك أنه في موضع خاسر، اختار نقل المعركة إلى منطقته الخاصة، فحطم السفينة بهجمة واحدة، ما أسقط جميع أفراد طاقمه في مياه البحر. عندها استخدمت أريا قدرتها لتخلق مساحة من الفضاء فوق سطح الماء تقف عليها، بينما سقط جميع أتباع القرش معه في العمق.
لم يستغرق الأمر طويلاً حتى بدأت أريا تتلقى وابلاً من الهجمات من داخل المحيط، مزقت حاجز الفضاء المحيط بها تدريجيًا. استمر الأمر لبضع دقائق، حتى أصبح حاجزها غير فعال، وامتدت ذراع القرش من داخل الماء لتمسك بقدمها وتسحبها إلى الأسفل. هناك تشبث بها القرش بقوة، وبدأ يسبح بسرعات هائلة محاولاً تمزيقها. لكن أريا، كما فعل هو، بادرت بالتمسك به بقوة أكبر، وشعرت برئتيها تتمزقان تدريجيًا. حينها أدرك القرش ما كان يحدث، لكن بعد فوات الأوان؛ أحيط الجزء الأيسر من جسده بالكامل بحاجز من الفضاء، فتراجع في خوف، لكنها كانت في أفضل استعداداتها، إذ فعّلت قدرتها وجعلت ذلك الفضاء ينكمش فجأة، ممزقًا القرش بالكامل في لحظة واحدة. سحبت أريا نفسها نحو أقرب كتلة خشبية طافية، تمسكت بها وصعدت فوقها.
امتدت أريا فوق تلك الكتلة الخشبية في عجز كامل، والدماء تسيل من فمها وأنفها، لكنها كانت لا تزال على قيد الحياة. ابتسمت بصعوبة وقالت: “أبي… لقد انتقمت لك أخيرًا، بعد كل هذا الوقت.”
في جهة أخرى، وقف إيفان أمام رجلين اثنين، أحدهما بشعر رمادي وتجاعيد واضحة على وجهه، والآخر أصغر سنًا، كلاهما يحمل سيفين. أول ما لفت الانتباه فيهما هو أن الأكبر يبدو ثقيلاً في حركته بينما يبدو الأصغر خفيفًا، وربما يعود هذا الفارق إلى أسلوب قتال كل منهما؛ فالأكبر يعتمد الهجمات الثقيلة والضربات المباشرة، بينما يعتمد الأصغر الهجمات السريعة التي تستهدف المناطق الحساسة.
كان كلاهما قويًا جدًا، وقدراتهما أشد فتكًا مما قد يتوقعه أي خصم. انطلق الأصغر بهجمات سفلية تجنبها إيفان بقفزة إلى الخلف، لكن الأكبر كان قد قفز بالفعل مستعدًا لهجمة أفقية ثقيلة، لم يتمكن إيفان من صدها إلا بصعوبة بالغة، فتعثر إلى الخلف عدة أمتار. وبمجرد أن استعاد توازنه، كان الأكبر قد وصل إلى مكانه بالفعل، ليسدد له ضربة أخرى شعر معها إيفان بأن كتفه يكاد يتمزق من شدتها، ضعف قوة الضربة السابقة.
وقف الأخوان على بعد أمتار منه، فقال الأصغر: “رائحته تشبه رائحة أولئك الهجناء منذ عدة عقود.” أتبعه الأكبر بقوله: “هل أنت أحد أفراد عشيرة الذئاب الشمالية؟” أجاب إيفان بنبرة غليظة: “لا أعلم ما الهراء الذي تتحدثان عنه أيها الوغدان.” تنهد الأكبر وقال: “تبدو صغيرًا جدًا مقارنة بوقت تدمير عشيرة الذئاب، ومع ذلك، هل تتذكر اسم لوري كروز؟”
حاول إيفان أن يجيب: “ما ال…” لكن ألمًا حادًا مزق رأسه فجأة، وقاطعه في منتصف كلمته. عادت إليه ذكريات ظنها الزمن قد طواها إلى الأبد؛ تلك المرأة التي كانت تزوره في أحلامه دائمًا بحنانها الآسر، تتحدث بصوت رقيق مليء بالحب: “عزيزي إيفان، أنت مذهل حقًا، لقد تمكنت من تفعيل قدرة التحول في الثامنة من عمرك، وهذه سابقة مذهلة في عشيرتنا. ربما وُلد حبيبي إيفان ليكون خليفة لوري كروز حتمًا…”
تلاشت تلك الذكرى ليحل محلها مشهد آخر؛ نيران تلتهم كل شيء من حوله، أصوات بكاء وصراخ من كل اتجاه، لكن صوتًا واحدًا كان مميزًا عن كل شيء آخر، صوت تلك المرأة نفسها: “إيفان، اهرب، لا تلتفت خلفك، اذهب إلى العم جورج، سيساعدك على الهروب، وتذكّر دائمًا، أنت لست وحشًا كما يقولون…”
تلاشت تلك الذكرى بدورها، ليحل محلها غضب حقيقي، غضب لا مثيل له لدرجة أن إيفان شعر بقلبه ينقبض بقوة غريبة. كان هذا شعورًا اختبره لأول مرة في حياته؛ فهو من كان يفرّق دائمًا بين الصواب والخطأ حتى في أسوأ حالاته، لكنه في تلك اللحظة تحديدًا لم يشعر بشيء سوى رغبة بدائية جامحة في تمزيق الشخصين الواقفين أمامه، بل كانت أشبه بغريزة خالصة، غريزة افتراسهما لا أكثر ولا أقل.
لم يستغرق إيفان وقتًا في تحليل مشاعره أو التوصل إلى أي خطة محددة، بل كل ما فعله هو أن توقف عن التراجع للمرة الأولى في حياته، توقف عن النظر إلى الخلف، ونظر إلى الأمام، وخطا خطوته الأولى نحوهما. لم يعد هناك سبب لكبح نفسه، ولا سبب للتمسك بمبادئه في تلك اللحظة، فترك كل شيء يسير مع التيار. توسعت عضلاته وتضخمت، نما فروه، وطالت عظامه وعضلاته حتى بلغ طولاً غير طبيعي، ونمت له أنياب أشد فتكًا من أي سيف يثق به، وتحولت أظافره إلى مخالب مرعبة. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ازداد مظهره تطورًا ورعبًا؛ اسود فروه بالكامل واحمرت عيناه.
زمجر بهدوء، لكن الجميع على السفينة سمعوا زمجرته، فأصابتهم قشعريرة لم يشهدوا لها مثيلاً من قبل. قال الأخ الأصغر: “أخبرتك أنه منهم، لكن ما هذه الهيئة ماذا بحقك؟ لم يكن هناك فرد قادر على تحويل جسده بالكامل في قبيلتهم، فماذا يحدث معه ماذا بحقك؟” حينها انطلق عواء من فم إيفان، هيمن على ساحة المعركة بأكملها دون استثناء، ولم يكن هناك شخص واحد في المكان لم يسمعه.
تراخى الأخوان وتراجعا في خوف بدائي، ذلك النوع من الخوف الذي يشعر به أي كائن أمام مفترس حقيقي؛ لقد شعرا بخوف الفريسة لا أكثر. اندفع الأصغر بسرعة خاطفة نحو إيفان المتحول، لكن استقبلته ذراعه اليسرى في هجمة مزقت جزءًا من السفينة معها، فتراجع الأصغر وذراعه مشوهة وهو يصرخ: “أخي، تعامل معه بسرعة!”
بدا الأخ الأكبر وكأنه لم يكن بحاجة إلى تحذير أخيه أصلاً، إذ اندفع قبل أن يسمعه حتى، في هجمة تم صدها بفراء الذراع اليمنى لإيفان. حدث اصطدام قوي، لكنه لم يتمكن من اختراق صلابة ذلك الفراء. تراجع خطوة، ثم سدد ضربة أخرى، ثم أخرى. كانت قدرة الأخ الأكبر تُدعى الضرر المتراكم؛ كل هجوم يسدده يكون أقوى من سابقه بنسبة متناقصة تدريجيًا، فالهجوم الثاني أقوى من الأول بنسبة مئة بالمئة، والثالث أقوى من الثاني بنسبة خمسين بالمئة، والرابع أقوى بنسبة خمسة وعشرين بالمئة، وهكذا تستمر النسبة بالتناقص إلى نصف قيمتها السابقة في كل مرة. ومع ذلك، ورغم أنه سدد عشرات الضربات المتتالية، لم يتحرك إيفان من مكانه؛ ليس لأنه عاجز عن ذلك، بل لأنه كان واثقًا تمام الثقة أن الفريسة لا يمكنها هزيمة المفترس مهما حاولت.
حين أدرك الأخ الأكبر استحالة فوزه، تراجع مرعوبًا وهو يصرخ، لكن إيفان لم يمنحه رفاهية الوقت، إذ مزقه بهجمة واحدة أخذت معها معظم ما تبقى من السفينة. التفت إيفان بعدها إلى الأصغر، الذي كانت قدرته تسمح له بزيادة سرعته للحظات متقطعة فقط. قفز الأصغر عدة أمتار هاربًا منه، لكن ما استقبله لم يكن نجاة، بل أنياب من كل اتجاه انغلقت عليه دفعة واحدة، ممزقة رأسه في لحظة واحدة، وتاركة منه جثة هامدة.
وقف إيفان بكامل هيبته ووجوده، وكأنه يعلن للجميع أنه الأعظم في تلك الساحة، ثم عوى مرة أخرى، معلنًا انتصاره لكل من كان شاهدًا على تلك اللحظة.