الفصل 232 - الأرملة الحمراء و القناص
على إحدى السفن، وقفت امرأة طويلة القامة ورشيقة، بشعر بني طويل وعينين ياقوتيتين، شديدة الجمال وشديدة الخطورة في آن واحد. كان أفراد طاقمها يرتدون أقنعة خوفًا من سحابة الغاز التي كانت تحيط بها دائمًا، بينما كانت هي نفسها ترتدي أقل قدر ممكن من الملابس، ومع ذلك تجنب الرجال من حولها النظر إليها مباشرة.
لم يدم سكونها طويلاً، إذ سقطت أمامها فجأة امرأة بمهارة ودقة لافتتين، شقراء بضفيرة واحدة، تحمل سيفًا خفيفًا، وكأنها وُلدت أصلاً للحرب والقتال. كانت سكارليت، التي وقفت أمامها وقالت بصوت هادئ: “أعتذر عن إزعاجك في مثل هذه الأمسية اللطيفة، لكنني أردت أن أجعلها أمسية لا تُنسى بالنسبة لك، عن طريق تحطيمك تمامًا.” ابتسمت الأرملة ابتسامة مريضة وقالت: “لا تقلقي، فأنا أحب تعذيب الجميلات مثلك، وتمزيق إرادتهن ببطء شديد.”
سحبت سكارليت سيفها، ففعلت الأرملة الشيء نفسه بخنجريها. انطلقت الأرملة أولاً، واتسعت سحابة الغاز حولها لتغطي سطح السفينة بأكمله، فهرب أتباعها إلى الداخل بسرعة، بينما سقط من تعثر أو تخلف عن الهرب خلال ثوانٍ معدودة. أما سكارليت، فاختارت نشر ذبذبات صوتية أبقت سحابة الغاز بعيدة عنها قليلاً، رغم أن السحابة نفسها أصبحت أكثر كثافة، ما منع الرؤية كليًا.
تحركت الأرملة بسرعة داخل السحابة كنوع من الإلهاء، وأطلقت عدة ضربات سريعة من زوايا مختلفة، لم تترك أمام سكارليت خيارًا سوى التفادي بصعوبة أو التصدي لها في اللحظة الأخيرة. استمرت المعركة على هذه الوتيرة لعدة دقائق، لأن الأرملة أرادت الأمر بالضبط على هذا النحو؛ سعت إلى تعويد خصمها على هذا الإيقاع، تمهيدًا لمفاجأتها بهجمات أكثر شراسة.
حين تعثرت سكارليت، كانت تلك الإشارة التي انتظرتها الأرملة لتبدأ الهجوم بجدية؛ ازدادت سرعتها عدة مرات وهي تمزق الهواء، وأطلقت هجمات حادة بخنجريها المسمومين، فتلقت سكارليت مجموعة من الإصابات المتفاوتة الشدة؛ على خدها، كتفها، ذراعها، وظهرها. اشتركت تلك الجروح جميعًا في كونها غير بالغة الخطورة، بل كان الهدف منها التسبب بأكبر قدر ممكن من الألم، وهذا بالضبط ما اشتهرت به الأرملة في البحر، كامرأة مريضة تستمتع بتعذيب ضحاياها ببطء.
حين بدأ السم يجتاح جسد سكارليت، سقطت على ركبتيها وسقط سيفها أرضًا. حينها دوت ضحكات الأرملة من داخل سحابة الغاز، وقالت: “هاهاها، هل بدأ الألم يقتلك؟ ما رأيك أن تُسمعيني صراخك وبكاءك وتوسلاتك؟ سأحب سماعها جيدًا.” اقترب صوت الأرملة أكثر فأكثر، وفجأة شعرت سكارليت بتغير في الهواء من حولها، تموّج غريب، قبل أن ينفجر في موجة صوتية هائلة هزت سكون البحر بأكمله، متجهة صوب يسار سكارليت مباشرة.
حين انحسرت سحابة الغاز أخيرًا، كانت الأرملة ملقاة على سطح السفينة، أو ما تبقى من جسدها، إذ تبخر أكثر من نصفه تمامًا. قالت سكارليت وهي تنهض ببطء: “من المؤسف بالنسبة لك أنني قادرة على تحديد مكان أعدائي بدقة عبر الترددات الصوتية. انتظرتك حتى تحصلي على نشوة انتصارك المزعومة، لأضمن قتلك بضربة واحدة فقط.”
أمسكت سكارليت بنفسها وأرسلت ترددات صوتية داخل جسدها، فتقيأت دمًا، بل انفجر من جراحها سيل من الدماء أيضًا. كانت تلك طريقتها الهمجية، لكنها فعّالة، للتخلص من السم الذي سرى في جسدها. سارت نحو جثة الأرملة، ووطئت رأسها بقدمها وقالت: “هذه نهايتك أيتها العاهرة.”
في مكان آخر على الجزيرة، كان ويليام يتحرك بسرعة في مطاردة من نوع مختلف تمامًا، مع القناص. كانت قدرة القناص هي التخفي، وهي قدرة مرعبة في كثير من الحالات، ويمكن اعتبار هذه المواجهة تحديدًا من أسوأ تلك الحالات؛ مواجهة عدو لا تعرف أين يقف أو من أي اتجاه سيهاجمك تجعل حتى أقوى الأشخاص يمر بحالة هلع حقيقية. لكن في حالة ويليام، كان الأمر مختلفًا قليلاً، إذ تسمح قدرته بتحديد كل شيء ضمن مساحة كبيرة، حتى الأشياء التي تستخدم التخفي غير قادرة على الإفلات من إحساسه الكامل.
صحيح أن قدرة القناص جعلته مرعبًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فهو قادر على إخفاء شكله ورائحته وحتى صوته وترددات جسده، وبتصوير أدق، هو غير موجود تقريبًا بالنسبة لأي حاسة. لهذا السبب، لم تكن قدرة ويليام كاملة أو مثالية في مواجهته؛ صحيح أنها تمكنت من كشف وجوده ضمن نطاق معين، لكنها لم تحدد له موقعه الدقيق، بل مجرد المساحة العامة التي يتواجد فيها، ما اضطره لتخمين موقعه الحقيقي بطريقته الخاصة.
كان ويليام في حالة يُرثى لها بسبب ذلك؛ واجه بالفعل وابلاً من السهام المرعبة، ورغم قدرته على تجنب معظمها أو صدها، أصابته ثلاثة منها، اثنان في ظهره وواحد في ذراعه. استمر الأمر على هذا المنوال؛ يتفادى السهام ويهاجم في الوقت نفسه المنطقة التي يُرجح أن القناص أطلق منها سهمه الأخير، لكن الأمر بدا أشبه بمحاولة طفل صغير اللحاق برجل بالغ في لعبة جري لا يمكنه الفوز بها.
تحطمت عشرات الأشجار حوله جراء هجماته العشوائية، ومع ذلك لم يتمكن من إصابة القناص ولو مرة واحدة. ثم أرسل القناص عشرات الأسهم دفعة واحدة، أصابه أحدها في فخذه، فتعثر وسقط أرضًا. عندها ضاق صبر ويليام، ولم يعد قادرًا على تحمل الأمر أكثر من ذلك. رفع رمحه وقال بصوت جهوري: “امنحني قوتك مرة أخرى يا أبي.” رفع الرمح عاليًا وصرخ بأعلى صوته: “إن كنت غير قادر على إصابتك بدقة، فهل ستنجو من هجوم شامل؟”
اشتعل الرمح ببرق ضخم، ازداد تشكله واتساعه وهو يرتفع عاليًا في السماء، حتى بلغ ارتفاعًا شاهقًا، ثم انفجر البرق في قلة واحدة هائلة شملت المنطقة بأكملها، محدثة دمارًا رهيبًا مزّق المحيط من حوله وحطم الأشجار المتبقية إلى فتات متناثر.
حين انحسر البرق أخيرًا، لم يتبقَّ خلفه سوى ويليام، جاثيًا على ركبتيه، يتنفس بصعوبة بالغة، وجثة متفحمة لرجل كان يحمل قوسًا، على بعد عشرات الأمتار منه فقط، وقد فارق الحياة بالفعل منذ لحظات.