الفصل 231 - ملكة الحرب
بمجرد أن اقتربت سفينتنا بما يكفي من الخطوط الداخلية لأسطول اللحية السوداء، بدأت سفن قادته السبعة تتكشف واحدة تلو الأخرى وسط الفوضى المشتعلة. تفرقنا بسرعة كما خططنا، كل واحد منا يتجه نحو خصمه المحدد. رأيت من بعيد إيفان يندفع نحو الأخوين مورغان وهو يطلق صيحة حرب مدوية، بينما انطلق ويليام في اتجاه مختلف، رمحه يلمع تحت وميض البرق المتصاعد منه. اختفت سكارليت وإيلينا بسرعة بين ظلال السفن المتلاطمة، كل منهما تتعقب فريستها المحددة.
أما ديانا، فوقفت للحظة على حافة سفينتها، تتفحص المشهد أمامها بعينين لامعتين من الحماس، قبل أن تقفز مباشرة نحو سفينة القائدين التوأمين. استقبلها الاثنان بابتسامة متطابقة باردة، يقفان جنبًا إلى جنب بتناغم مخيف، كأنهما جسد واحد بروحين. لم تكد ديانا تلمس سطح السفينة حتى ظهر خلفها القائد الرابع نفسه، صاحب المطرقة الحربية الفولاذية، ذلك الخصم الذي كانت قد اختارته لنفسها منذ البداية. لكنه لم يأتِ للقتال المباشر الذي انتظرته، بل انسل من سفينة مجاورة لينضم إلى التوأمين بمجرد أن أدرك أنها تواجههما وحدها، مفضلاً اقتناص الفرصة على الشرف. وجدت ديانا نفسها فجأة محاصرة بين ثلاثة قادة في آنٍ واحد.
ضحكت ديانا رغم ذلك، ضحكة عالية جامحة، وقالت وهي ترفع فأسها: “ثلاثة دفعة واحدة؟ حسنًا، لنرَ إذن كم يستحق هذا اللقب حقًا.” اندفع التوأمان أولاً، بحركة متزامنة مثالية، سيفاهما يقطعان الهواء من زاويتين متعاكستين تمامًا في اللحظة نفسها. تفادت ديانا الضربة الأولى بانحناءة سريعة، لكن الضربة الثانية أصابت كتفها، وشعرت بألم حاد يسري في ذراعها. لم تتوقف، بل استدارت فورًا وأطلقت ضربة فأس عرضية أجبرت أحد التوأمين على التراجع، قبل أن ينقض صاحب المطرقة من خلفها بضربة ثقيلة هزّت الأرض تحت قدميها، فتلقتها ديانا بذراعها المصابة نفسها، وتراجعت خطوتين إلى الوراء وهي تكتم صرخة ألم تفتت الدرع الذي يغطي ذراعها
بدأت الأمور تميل لغير صالحها بسرعة؛ ثلاثة خصوم متمرسون، كل منهم بمفرده كان يشكل تحديًا حقيقيًا، فما بالك بمواجهتهم مجتمعين. تلقت ديانا ضربة تلو الأخرى، جروحها تتزايد، وأنفاسها تصبح أثقل مع كل تبادل هجمات. لكن وسط كل ذلك الألم، لم تختفِ ابتسامتها.
اندفعت ديانا نحو التوأمان و أمسكت أحدهما و سحبته لتسقطه أرضا استجاب التوأم الاخر بركلة دفعتها جانبا لينهال عليها صاحب المطرقة بهجمة هوا السفينة من قواعدها و لكنها تمكنت من صدها بأسها العظيمة وقفت ديانا محاصرتا من ثلاثة جهات
في تلك اللحظة بالضبط، بدأ جنودها، من كانوا يقاتلون في السفن المجاورة، يلمحونها وسط المعركة الشرسة. توقف أحدهم للحظة، ثم صرخ بأعلى صوته: “القائدة تقاتل!” وسرعان ما انتشرت الصيحة كالنار، من فم إلى فم، حتى تحولت إلى هتاف جماعي يهز سطح البحر: “ديانا! ديانا! ديانا!” شعرت ديانا بذلك الهتاف يسري في جسدها كموجة كهربائية، عيناها اتسعتا للحظة، وابتسامتها التي كانت متعبة تحولت فجأة إلى ابتسامة مفترسة حقيقية.
هنا بدأت قدرتها، الملكة الصغيرة، تستجيب لذلك النداء الجماعي بطريقة لم تختبرها من قبل بهذه الشدة. كلما ازداد عدد أتباعها المؤمنين بها في تلك اللحظة، وكلما علا صوت هتافهم باسمها، كانت الطاقة تتدفق داخلها كأنها نهر يفيض عن ضفافه. شعر جنودها القريبون بقوتهم الجسدية تتصاعد فجأة بنسبة خمسة وعشرين بالمئة كاملة، فاندفعوا في هجماتهم بضراوة مضاعفة، وكأن روح قائدتهم انتقلت إليهم مباشرة عبر ذلك الرابط الخفي.
أما ديانا نفسها، فقد تضاعفت قوتها بنسبة تجاوزت المئة بالمئة، ثم استمرت في الازدياد حتى بلغت مئة وعشرة بالمئة، متخطية أي حد اختبرته من قبل. لم تعد الضربات التي كانت تتلقاها قبل قليل تؤلمها بالقدر نفسه، بل بدأت هي من يفرض إيقاع المعركة. اندفعت نحو صاحب المطرقة بفأسها، وضربة واحدة كانت كافية لتحطيم مطرقته الفولاذية إلى شظايا، فتراجع مصدومًا ليندفع بجنون مستخدما احد السيوف الملفات أرضا قبل أن تلحقه ضربة ثانية طرحته أرضًا بلا وعي، هو الخصم الذي اختارته لنفسها منذ البداية، وقد أثبتت أنها كانت محقة في ثقتها بنفسها.
اندفع التوأمان في سيمفونية من الهجمات السريعة و الخفيفة بعد ان أدركا ان القوة وحدها لن تساعدهما كانت قدرتهما التخاطر العقلي كل حركة كل خطوة كانت محسوبة و كأنهما جسد واحد في كل مرة تهاجم ديانا احدهما كان يعرقلها الاخر خطتهما كانت واضحة معركة سرعة و هجمات خاطفة كانت هجماتهم بالكاد تؤثر على ديانا في البداية و لكن بعد تراكمها اختلف الأمر
في تلك اللحظة تحديدًا، وعلى بعد أمتار من هناك، كنت أراقب الحرب بعينين هادئتين، وشعرت بشيء يتحرك بداخلي استجابة لما رأيته. رفعت يدي، وفعّلت قدرة عباءة الفينرير، تلك القدرة التي تسمح لي باختيار عدد محدود من المقاتلين لأمنحهم جزءًا من قوتي الخاصة. اخترت خمسة، دون تردد: ديانا، ويليام، سكارليت، إيلينا، وإيفان، الأشخاص الذين وثقت بهم منذ البداية والذين أثبتوا جدارتهم في كل معركة سابقة.
شعرت ديانا بموجة جديدة من القوة تجتاح جسدها فجأة، طاقة مختلفة تمامًا عن طاقة أتباعها، أثقل وأعمق، تضاف مباشرة فوق قوتها المتصاعدة أصلاً. كانت عباءة الفينرير تمنحها زيادة إضافية بنسبة خمسين بالمئة، فوق كل ما اكتسبته من هتاف جنودها. للحظة، توقفت ديانا عن الحركة تمامًا، وكأنها تستوعب حجم القوة التي تسري في عروقها الآن، ثم أطلقت ضحكة عالية جامحة ارتجت لها السفينة بأكملها.
و صاحت بسعادة “هاهاها.. سيدي أنت أفضل سيد في العالم لتدعم خادمتك المتواضعة عند الحاجة”
استدارت نحو التوأمين اللذين بدآ يتراجعان للمرة الأولى منذ بداية المعركة، ملامحهما تحمل شيئًا من الذعر الذي لم يعرفاه من قبل. لم تعد ديانا مجرد قرصانة ضخمة تقاتل بفأس، بل بدت في تلك اللحظة كملكة حرب حقيقية، شعرها الأسود يتطاير خلفها، وجهها يحمل خليطًا من الوحشية والجمال الآسر، وقدماها تدكان سطح السفينة بكل خطوة كأنها تعلن حضورها للبحر بأكمله. اندفعت نحو التوأمين معًا، فأسها يلتقي بسيفيهما في تصادم واحد هائل أرسل موجة صدمة عبر السفينة بأكملها، فتطايرت شظايا الخشب حولهم كالمطر.
لم يصمد التوأمان طويلاً أمام تلك القوة الجديدة؛ سقط الأول بضربة واحدة كسرت درعه، وحاول الثاني الهرب، لكن ديانا كانت أسرع، فأمسكت به من ياقته ورفعته في الهواء بيد واحدة، بينما ارتفعت صيحات جنودها من كل اتجاه تنادي باسمها بجنون. نظرت إليه بابتسامة مفترسة وقالت بصوت يحمل كل ثقل الانتصار: “أخبر اللحية السوداء أن ملكته الصغيرة أصبحت أكبر بكثير مما كان يتخيل و هي الان تملك ملكا تقدسه الان.”
ثم ألقت به أرضًا فاقدًا وعيه، ووقفت وسط سطح السفينة المحطم، ترفع فأسها عاليًا وسط هتافات جنودها المتصاعدة، صورة لن ينساها من رآها في تلك الليلة أبدًا.