الفصل 230 - ليلة الهجوم
حل منتصف الليل، وابتلع الظلام البحر بأكمله، ولم يبق من ضوء سوى وميض خافت للقمر يتسلل بين الغيوم المتناثرة. تحركت سفننا الثماني في صمت تام، بلا مشاعل، وبلا أصوات عالية، وكأن الأسطول بأكمله تحول إلى شبح يزحف فوق الماء. وقفت عند مقدمة السفينة الرئيسية، أراقب الأفق حيث يُفترض أن تكون جزيرة اللحية السوداء، بينما انقسم الأسطول خلفي إلى ثلاث مجموعات بالضبط كما خططنا.
اقترب مني ويليام بخطى هادئة وقال بصوت منخفض: “لا تزال المسافة تفصلنا بضعة أميال، لكن بمجرد أن نقترب أكثر، ستكتشفنا دوريات القراصنة لا محالة.” أومأت برأسي دون أن ألتفت إليه وقلت: “هذا متوقع، المهم أن نصل إلى نقطة الانقسام قبل أن يتمكنوا من تنظيم دفاعهم.” نظرت إلى إيلينا التي وقفت غير بعيد، تتفحص فأسيها الصغيرين بهدوء غير معتاد منها، بينما جلست سكارليت على حافة السفينة، عيناها مغمضتان وكأنها تستجمع تركيزها لما هو آت.
مرت نصف ساعة في صمت مطبق، حتى بدأت أضواء خافتة تلوح في الأفق، أضواء مشاعل معلقة على سواري السفن الراسية حول الجزيرة. أشرت بيدي إشارة صامتة، ففهم الجميع المعنى على الفور. انفصلت المجموعة الأولى، بقيادة إيفان ولوين، متجهة نحو السفن الأمامية لتصنع منها إلهاءً صاخبًا، بينما التفت المجموعة الثانية بقيادة أريا من الجهة الغربية، متسللة بهدوء لتطويق أي محاولة هروب. أما نحن، المجموعة الثالثة، فواصلنا التوغل مباشرة نحو مركز الأسطول، حيث يُفترض أن تكون سفينة اللحية السوداء الرئيسية.
لم يمض وقت طويل حتى دوى صوت بوق إنذار من إحدى السفن الأمامية، تبعه صراخ وفوضى تنتشر كالنار في الهشيم عبر أسطول القراصنة بأكمله. ابتسم إيفان من بعيد وهو يستل سيفه قائلاً بصوت مسموع للجميع: “لقد بدأت الحفلة.” اندفعت سفن مجموعته نحو الخطوط الأمامية، تصطدم بها في فوضى من الحديد والنار، بينما بدأت مدافع القراصنة تُطلق في اتجاهات عشوائية، غير متأكدة بعد من مصدر الهجوم الحقيقي.
استغللنا تلك الفوضى لنندفع بسرعة أكبر عبر الممر المائي الضيق الذي كنا قد اخترناه مسبقًا، متجاوزين خطوط الدفاع الأولى دون أن يلحظنا أحد تقريبًا. قالت ديانا وهي تشحذ فأسها الضخم بابتسامة متلهفة: “أشعر أن قلبي يخفق بسرعة، مضى وقت طويل منذ آخر معركة حقيقية.” ردت عليها سكارليت بجفاف: “حاولي ألا تموتي من الحماس قبل أن تصلي إلى خصمك.” ضحكت ديانا بصوت مكتوم وقالت: “لا تقلقي، الموت الوحيد الليلة سيكون من نصيب أعدائنا.”
وسط اقترابنا، بدأت تلوح أمامنا سفينة ضخمة، أكبر بكثير من كل السفن المحيطة بها، بأشرعة سوداء داكنة تلتهم ضوء القمر بدلاً من عكسه. عرفت على الفور أنها سفينة اللحية السوداء. وقف على سطحها ظل طويل، ثابت تمامًا وسط كل الفوضى المحيطة به، وكأن المعركة الدائرة من حوله لا تعنيه على الإطلاق. شعرت بشيء يشبه الثقل يضغط على صدري فجأة، ثقل غريب لم أختبره من قبل، حتى في مواجهاتي السابقة.
توقف ويليام بجانبي فجأة، وقد شحب وجهه قليلاً، وقال بصوت مضطرب: “هذا هو… هذا الشعور بالثقل، إنه يستخدم قدرته من على بعد هذه المسافة.” نظرت إلى الظل الواقف على سطح السفينة البعيدة، وشعرت بابتسامة خفيفة ترتسم على وجهي رغم الضغط المتصاعد في صدري. قلت بصوت هادئ: “جيد، على الأقل هذا يعني أنه لاحظ وصولنا.” أومأت إيلينا برأسها وهي تقبض على فأسيها بقوة أكبر: “يبدو أن الليلة ستكون طويلة.”
اقتربت سفينتنا أكثر فأكثر من سفينة اللحية السوداء، بينما استمرت أصوات المعركة تدوي من خلفنا، إشارة على أن باقي مجموعاتنا تخوض معاركها الخاصة في الوقت نفسه. رفعت رأسي أخيرًا لأنظر مباشرة إلى ذلك الظل البعيد، الذي بدا وكأنه يرد النظر إليّ بدوره، رغم المسافة الفاصلة بيننا. شعرت حينها بيقين هادئ يتسلل إلى داخلي، يقين بأن كل ما جرى حتى هذه اللحظة، كل معركة خضتها وكل حليف كسبته، لم يكن سوى مقدمة لما هو آتٍ الآن.
أخرجت سيفي ببطء، وقلت بصوت لم يتجاوز همسًا وجهته لنفسي أكثر مما وجهته لأي أحد آخر: “حسنًا أيها اللحية السوداء… لنرَ من منا سيغرق في هذا البحر الليلة.”