الفصل 221 - أوسترين
في مساء ذلك اليوم نفسه، ومع بداية غروب الشمس، اجتمعنا أنا وإيفان وفولك في منزل الأخير هذه المرة، لا في مكتبه، بل في غرفة صغيرة مؤثثة بعناية فائقة. كانت الكراسي التي جلسنا عليها من أفضل جودة يمكن لأي شخص أن يشتريها، وعلى الطاولة طقم ضيافة مذهل بجانب موقد مزين بحرص واضح. على الجدار، علّقت صورة امرأة في الثلاثين من عمرها، جمال مذهل وملابس راقية، شعر أسود يميل إلى زرقة قاتمة، وعينان زرقاوان تشبهان عيني فولك تمامًا. كانت وقفتها في الصورة مليئة بالثقة والفخر.
ساد صمت ثقيل الغرفة، كل واحد منا غارق في خياله الخاص، حتى اختار فولك كسره أخيرًا. “يسرني اجتماعنا نحن الثلاثة معًا في ظروف كهذه. إيفان وأنا معتادان بالفعل على علاقتنا التعاونية، لكنك جديد هنا، سيد دارون. نجتمع اليوم لمناقشة خططنا المستقبلية وأهدافنا المشتركة.” تنهد فولك بعمق. “سيد دارون، هل يمكنك أن تشرح لي سبب رغبتك في الإطاحة بالدوق فيلمونت؟”
قبل أن أجيب، تابع فولك بسرعة: “سيكون من الوقاحة أن أطلب منك أسبابك أولًا، لذلك سأبدأ أنا. أمي، فيونا راغنا، كانت ابنة عائلة نبيلة متواضعة داخل الإمبراطورية، عائلة باحثين. أتذكر أنها أخبرتني أن رمز عائلتنا كان الباحث عن الحقيقة. كانت عائلة راغنا في حالة اقتصادية وسياسية مضطربة قبل ولادتي، وأمي كانت معروفة بلقب جوهرة الحياة، إحدى أجمل نساء النبلاء في زمنها. حينها استغل ذلك الرجل القذر سلطته وقوته، ولبس لباس المحسن، وقدّم عرضًا لعائلة راغنا: المال والأمان مقابل زوجة تنجب له ورثته. كان واضحًا من البداية أنه أراد أمي بالتحديد.”
تغيّرت ملامح وجه فولك مع كل جملة، غضب وحقد متراكم عبر السنوات. “لم تمتلك أمي ولا عائلتها أي خيار حقيقي، فقد ضغط عليهم في الماء ليوافقوا. استسلمت أمي له، وكانت تشعّ بالأمل رغم كل شيء، على الأقل ستعيش كزوجة وتنجب ورثته.” احمرّ وجه فولك أكثر، وتشوّهت ملامحه حتى بدا صوته يخرج من أعماق روحه. “لكن ذلك القذر لم يكن يستحق الثقة يومًا. بمجرد أن علم بحمل أمي، رماها خارجًا وتخلّص منها. عانت تسعة أشهر من الحمل تحت وطأة الفقر، حتى ذبل جمالها من الإرهاق، وقضت سبع سنوات كاملة تحارب الموت لأجلي فقط لأعيش، قبل أن تموت من المرض في النهاية.” انهمرت الدموع على وجه فولك. “ماتت مريضة فقيرة محطمة، لم تذق طعم الراحة يومًا في حياتها. لهذا السبب أقسمت أن أكون كابوسه الشخصي، الرجل الذي سيعذبه حتى الموت.”
صمت فولك، وساد الغرفة صمت ثقيل. اختار البقاء صامتًا، يبتلع غضبه وحقده، يدفنهما عميقًا في روحه من جديد.
“هل سمعت بقصة عائلة سيرال والطاعون وسيد الرماد، سيد فولك؟” سألته أخيرًا.
رفع فولك رأسه، صوته لا يزال مبحوحًا. “نعم، سيد دارون. لا يوجد من لا يعرف هذه القصة هذه الأيام.”
أومأت له. “كنت متواجدًا هناك قبل ثلاث سنوات، مجرد طفل في وسط كارثة حقيقية. كنت متحكمًا متقدمًا حينها، ومع ذلك لم أستطع تقديم شيء يُذكر. ربما سمعت القصة، وعلى الأرجح كانت مشوّهة بعض الشيء. الطاعون كان نتيجة تجربة سرية أُجريت قبل عقود، وكانت نصف السبب في تلك الكارثة إلى جانب سيد الرماد.” استمررت بالكلام، ملامحي هادئة وصوتي ثابت. “بعد تتبع خيوط تلك التجربة بفضل رجل يُدعى هاروك، رجل عظيم قضى عشرين عامًا كاملة في تتبع الأدلة حول الحادثة، اكتشفت أن أغلب الدعم الذي تلقته التجربة جاء من الدوق فيلمونت.”
نظرت إلى عيني فولك مباشرة. “مات مئات الآلاف من الأبرياء بسبب ذلك الطاعون، بسبب تلك التجربة السرية القذرة. مات أشخاص عزيزون علي. مات أطفال أبرياء، كل ما أرادوه هو مساعدة الآخرين. لهذا سأسوّي حسابي معه حتمًا. سيموت على يدي، فولك. لن أسمح لك بقتله بنفسك.”
اتكأ فولك على كرسيه. “هذا يساعدني أكثر في الحقيقة. أنا تاجر، لست محترفًا في القتل، لذلك سأتركه لك بكل سرور. بعد سماع قصتك، أستطيع القول إنني حليفك حتمًا. وجهتنا القادمة هي مدينة البخار جيودان.”
“مدينة البخار جيودان،” كررت. “سمعت الكثير عنها، مدينة كسرت حاجز الزمن وصمدت منذ حضارة الميكانيك.”
“ستنبهر على الأقل بأسلوبها المعماري،” أجاب فولك، ثم استعاد جدّيته. “لنعد إلى موضوع فيلمونت. لديه اثنا عشر متحكمًا شاملًا، وأربعة متجلّين مبتدئين، أما متحكمو المستوى المتقدم والأولي فلديه ما لا يقل عن مئة. الإحصائيات ضدنا بنسبة مئة بالمئة. سنخسر.”
ابتسمت بهدوء. “حقًا؟ من قال إننا سنقاتل بنزاهة، سيد فولك؟ لا تخبرني أنك تنوي مواجهة خصم قذر بأصالة. ألا تعرف المثل القائل: إذا قاتلت خنزيرًا، سيسحبك في الوحل؟”
انفجر فولك ضاحكًا. “معك حق تمامًا، سيد دارون. لك ذلك. كيف سنقاتله إذن؟”
رفعت رأسي عاليًا. “إذا كنا سنقاتل خنزيرًا، فلنغرقه في الوحل حتى يختنق.”
طوال الوقت، جلس إيفان صامتًا، لا يتحرك ولا يتكلم، بل ربما لا يستمع حتى لحديثنا بالكامل. في النهاية، قرر كسر جموده بسؤال واحد فقط. “فولك، كم مدينة حالها كحال أوسترين بسبب ذلك الوغد فيلمونت؟”
كانت مقاطعته مفاجئة. فكّر فولك قليلًا ثم قال: “هناك تسع مدن أخرى أعلم أن حالها كحالنا، بل هناك من بينها ما هو أسوأ منا بكثير.”
أضفت: “ليس هذا فقط. خلال ترحالي، سمعت عن كثير من القيود الظالمة التي كان يفرضها فيلمونت على أي مدينة بدأت تكتسب قوة تهدد سيطرته.”
صمت إيفان بعدها لعدة دقائق، وكأنه لم يسأل قط، قبل أن يتكلم فولك من جديد: “أنا معكما. شخص مثل فيلمونت ينبغي أن يموت، إنه لا يستحق الحياة.”
التفت إيفان نحوي. “أرجوك سيد دارون، أنت رجل قوي، أرجوك دعني أنضم إليك كرفيق. هدفي واحد، تحسين حياة الناس المظلومين، ولأفعل هذا علي أن أصبح أقوى، ولكي أصبح أقوى، يخبرني حدسي أن أتبعك.”
ابتسمت براحة. “يبدو أن اليوم سيكون ميلاد تحالفنا. هدفنا واحد، غايتنا نفسها، وأساليبنا متنوعة. لنقهر فساد هذا الوغد بأنفسنا، من أجل حياة أفضل ومستقبل مشرق.”
ضحك فولك. “لديك مهارة خطابية ممتازة، سيد دارون.”
“تعلمتها من فارس معين،” أجبته.
انفجر إيفان أخيرًا: “لندعُ أن تنجح خططنا معًا.”
خلال الأيام الثلاثة التالية، تغيّرت أوسترين أمام عيني بسرعة لم أتوقعها من مدينة كانت على حافة الانهيار قبل أسبوع واحد فقط.
في اليوم الأول، عادت أولى العربات المحمّلة بمعادن غورلاك عند الظهيرة، ترافقها حراسة مضاعفة أمر بها أراك احتياطًا. وقفت أراقب من بعيد وهم يفرغون كتل الذهب والفضة والأدمانت في مستودعات فولك، بينما كان الرجل نفسه يتحرك بينهم كطائر لا يهدأ، يحسب، يدوّن، يعيد الحساب من جديد.
“بهذا الكم من المعادن،” سمعته يقول لأراك بحماس لا يخفيه، “يمكننا إعادة بناء الأحياء المدمرة بالكامل خلال شهرين لا أكثر، بل يمكننا شراء عقود عمالة من ثلاث مدن مجاورة دفعة واحدة دون أن نشعر بثقل التكلفة.”
كان فولك، رأيت ذلك بوضوح في تلك الأيام، تاجرًا حقيقيًا في كل تفصيلة من تفاصيله. لم تكن الثروة المفاجئة تعني له راحة، بل فرصة يجب استغلالها بأقصى سرعة قبل أن تتبخر.
في اليوم نفسه، وجدت إيفان يقف وسط ساحة المدينة، يوزّع مهام إعادة الإعمار على مجموعات من المتطوعين والحراس بثقة لم أعرفها فيه أول مرة رأيته عند البوابة الشمالية. لم يكن يصرخ بالأوامر، بل يشرح، يستمع لاعتراضات من يخالفه، ثم يحسم القرار بهدوء.
اقتربت منه بعد أن أنهى توزيع إحدى المجموعات. “أصبحت قائدًا،” قلت بلا مقدمات.
هزّ رأسه بتواضع. “أحاول فقط ألا أخذل أحدًا مرة أخرى.”
كان ذلك اليوم أيضًا حين بدأت أعمل معه على شيء آخر أهم بكثير من إعادة الإعمار. جلسنا في زاوية هادئة بعيدًا عن الضجيج، وطلبت منه أن يغمض عينيه.
“إرادتك لا تزال خامًا، غير مشكّلة،” أخبرته. “تملك قوة حقيقية، لكنك لم تتعلم بعد كيف ترسم مسارًا واضحًا لها. هذا ما يفصلك عن رتبة متحكم متقدم.”
قضينا ساعات في اليومين التاليين، أعلّمه كيف يحس بخيوط إرادته الخاصة أولًا، قبل أن يحاول التحكم بها، كيف يميّز بين اندفاع غريزي وقرار واعٍ مشحون بنية حقيقية. لم يكن تلميذًا سريعًا، لكنه كان عنيدًا بشكل مذهل، يعيد المحاولة عشرات المرات دون أن يُظهر أي أثر ملل.
في مساء اليوم الثاني، جلست على حافة سريري في الغرفة التي خصصها لي فولك، أفكر في خطواتنا القادمة، حين دخلت سكارليت دون استئذان كعادتها، وجلست خلفي مباشرة على السرير.
“شعرك فوضوي بشكل يفوق الاحتمال،” قالت، وبدأت بترتيبه بأصابعها بلطف غريب لم أعتده منها.
لم أعترض. لم أهتم بشكلي يومًا، ولم أفهم يومًا لماذا يهتم الآخرون بتفاصيل كهذه وسط كل ما نواجهه. سألتها لماذا تفعل هذا بالتحديد.
توقفت أصابعها للحظة قبل أن تجيب، صوتها أهدأ من المعتاد. “يذكّرني هذا بأخي، يوجين. كان شعره فوضويًا بنفس الطريقة بالضبط، ولم يكن يهتم بترتيبه أبدًا مثلك تمامًا. كنت أرتبه له كل صباح قبل أن…” توقفت عن الكلام.
لم أسألها أكثر. بقيت صامتًا، أسمح لها بمواصلة ما تفعله بصمت، وشعرت للمرة الأولى منذ وقت طويل أن هناك شيئًا آخر غير المعركة يستحق أن يبقى بدون تفسير.
بحلول اليوم الثالث، بدأت أوسترين تشبه مدينة تتنفس من جديد لا مدينة تحتضر. أُعيد فتح جزء من السوق، وسمعت ضحكات أطفال تتردد قرب التمثال الحجري المتداعي للمرة الأولى منذ الهجوم. عاد بعض التجار الصغار لفتح دكاكينهم، مستفيدين من قروض سريعة منحها فولك بلا فوائد خطوة وصفها لي بأنها “استثمار في الولاء، لا في المال وحده.”
وقفت إلى جانب إيفان على سور المدينة الجنوبي في المساء، نراقب معًا الأضواء تعود تدريجيًا إلى الأحياء التي كانت أنقاضًا قبل ثلاثة أيام فقط.
“هل سنغادر قريبًا؟” سألني.
“حين تصبح جاهزًا،” أجبته. “لا قبل ذلك ولا بعده.”
أومأ برأسه بصمت، عيناه لا تزالان مثبتتين على المدينة التي أنقذها بثمن باهظ، مدينة كانت أول درس حقيقي له في معنى القوة، وأول خطوة له في طريق طويل لم يكتب نهايته بعد.